الثلاثاء 9 ديسمبر 2025
في خضم التحول الرقمي الذي يجتاح العالم، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة تعيد صياغة طرق التعبير، خاصة في المجتمعات التي تواجه أزمات كبيرة. لم يعد الأمر مجرد تقنية حديثة، بل أصبح وسيلة رئيسية لتمثيل القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية.
يعد المجتمع الصومالي من بين المجتمعات التي بدأت تستفيد بوضوح من هذه التطورات، إذ يظهر المشهد الرقمي الصومالي مثالا حيا على كيفية استيعاب التكنولوجيا للنقاشات العامة، وفتح أبواب جديدة أمام التعبير الشعبي والسياسي، على الرغم من الصعوبات الأمنية والاقتصادية.
في السياق الصومالي، أصبحت مقاطع الفيديو التي يتم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي ظاهرة مميزة، تدمج بين الفكاهة والمعاناة، وبين الرسوم المتحركة والحقائق المدهشة، لتقدم شكلا جديدا من السرد يهز الروايات التقليدية، ويظهر تناقضات المجتمع بطريقة مبتكرة.
في عرض مذهل للابتكار الرقمي، تهيمن مقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي الآن على المشهد الرقمي الصومالي، والتي تمزج ببراعة بين السخرية والتهكم والشخصيات الغريبة لصياغة نقد اجتماعي وسياسي قوي. هكذا، تحيي هذه المقاطع أصواتا ووجهات نظر لطالما كُممت، متحدية بذلك السرديات التقليدية. لا تقتصر هذه الموجة الجديدة على الترفيه فحسب، بل تثير أيضا نقاشات نقدية، مما يعكس تحولا ديناميكيا نحو نشاط رقمي أكثر تعبيرا وتأثيرا في جميع أنحاء البلاد.
تنطلق هذه الفيديوهات من واقع مأزوم: فساد واسع وبطالة شديدة وأحلام محطمة، ومجتمع يعاني تحت ضغط الأفكار الدينية والاجتماعية التقليدية. لكنها لا تنتقد هذا الوضع بشكل مباشر، بل تتعامل معه بطريقة ذكية ومضحكة. ففي إحدى اللقطات، يدردش قرد مع شخصية تمثل "الرغبة في التهريب"، حيث يعبر عن النفسية الصومالية المترددة بين البقاء والمغادرة، بين الأمل والواقع.
هذه المقاطع لا تقتصر على النقد السياسي، بل تتعدى ذلك لتتناول الموضوعات المحظورة التي كانت تعتبر مناطق محرمة. ما لا يمكن الحديث عنه في المساجد أو الاجتماعات العائلية، يتم التحدث عنه هنا بصوت مرتفع، وبأسلوب ساخر، يحوّل الجرح إلى نكتة، ويجعل من المأساة عرضًا كوميديًا.
مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إلى تطبيقات توليد المحتوى، بات بالإمكان إشعال تلك الشرارات بوسائل أسرع وأكثر تأثيرًا. كل ما تحتاجه هو تطبيق مجاني واتصال بالإنترنت
تدمج هذه الظاهرة ببراعة التراث العريق لسرد القصص الصومالية مع تطورات التكنولوجيا الحديثة. ومن خلال دمج شخصيات الحيوانات المتحركة، وخاصة القرود، كرواة، تحافظ هذه الحكايات على القيم الأخلاقية العريقة، وتجذب جمهورا معاصرا. لقد نجحت هذه القصص، المتجذرة في التقاليد الشفهية المتوارثة عبر الأجيال، في الانتقال إلى العالم الرقمي، مما أتاح رسوما متحركة نابضة بالحياة وصورا جذابة.
يضمن هذا المزيج من التقاليد والابتكار استمرار ازدهار السرديات الثقافية الصومالية، وترفيهها، وتثقيفها في عالم رقمي متزايد. على مستوى أعمق، يمكن النظر إلى هذا النشاط كامتداد طبيعي لخيال صومالي خصب، مظلم في بعض جوانبه، تشكَّل بفعل تاريخ مليء بالمآسي والفقدان. بفضل الذكاء الاصطناعي، بات هذا الخيال يخرج إلى الأضواء، ليُسمع ويُشاهد، بدل أن يبقى حبيس الحكايات والسرد.
في شوارع هرجيسا وسهول بربرة، حيث تتقاطع الانتماءات وتتشابك الولاءات القبلية، تبقى الكلمة هي الشرارة الأولى لكثير من المواجهات. اليوم، مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إلى تطبيقات توليد المحتوى، بات بالإمكان إشعال تلك الشرارات بوسائل أسرع وأكثر تأثيرًا. كل ما تحتاجه هو تطبيق مجاني واتصال بالإنترنت.
في أجواء مليئة بالتاريخ والانتماء، يعني هذا شيئًا واحدًا: احتمال نشوب نزاعات قديمة بطرق جديدة. فقد بات بمقدور أي شخص يحسن استعمال أداة "ديب فيك" إنشاء فيديو يظهر فيه زعيم قبلي، وهو يلقي خطابا تحريضيا ضد قبيلة أخرى. ما أن يتم تداول الفيديو بشكل واسع عبر تطبيقات واتساب وفيسبوك، بدون تحقق من سياقه، ولا تثبت من مصدره، فالنتيجة حتما ستكون ردود فعل غاضبة، وربما تجمعات طارئة، وحتى أشياء أخرى!
لا يتوقف الخطر عند حدود التضليل الفردي، فالشباب العاطلون عن العمل قد يستغلون الذكاء الاصطناعي لنشر معلومات مضللة ومتحيزة. فهؤلاء الأفراد يقومون بإعداد رسائل باللهجات المحلية، وغالبًا ما يستخدمون شخصيات معروفة تتفاعل مع المجتمع، مما يجعل هذه الرسائل أكثر إقناعا، ويعقد مهمة كشف زيفها. هذا النوع من المحتوى الذي يتم إنشاؤه بشكل مصطنع، يمكن أن يخدع الجماهير بسهولة، ويعرض معلومات مغلوطة، ما يزيد من الانقسامات والشرخ داخل المجتمع. يمثل استخدام الذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة تهديدًا كبيرًا للتعايش السلمي، لأنه يمكن أن يضخم بسرعة الأكاذيب، ويعزز الانقسامات الطائفية، ويدمر الثقة بين الناس في المجتمعات.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل، إذ يمكن أيضا توظيف الذكاء الاصطناعي كوسيلة فعّالة لمواجهة سيل المعلومات المضللة. فبفضل قدرته على تحليل المحتوى بسرعة ودقة، يمكن تطوير برامج دردشة ذكية تساعد المستخدمين في التحقق من صحة الأخبار ومقاطع الفيديو المشبوهة. ما إن تُرسل هذه المواد إلى البرنامج، حتى يقوم بتحليلها ويُجيب ما إذا كانت حقيقية أم مزيفة. هذه الأدوات قد تكون حلاً مفيدًا خصوصًا عندما تكون هناك قلة في الثقة بالمصادر الرسمية.
هذا ليس مجرد محتوى ترفيهي. إنها ثورة سردية هجينة، فوضوية، لكنها أصيلة تماما
الذكاء الاصطناعي ليس شيئا مخيفا، إنه مجرد أداة. يمكنك استخدامها لبدء صراع إلكتروني، أو لإطفاء نيران قديمة. في منطقة مثل صوماليلاند، حيث تكون الذاكرة القبلية قوية ومتواجدة، فإن فهم أهمية هذه الأدوات واستخدامها للسلام بدلا من الفوضى، أصبح أمرا ضروريا من الناحية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. نحن في مرحلة جديدة. إذا لم نتحرك الآن، فإننا قد نصبح غدً ضحية قصص لم يكتبها أحد، لكن الجميع يؤمن بها.
هكذا، تحوّلت الفيديوهات إلى فضاء جديد للمساءلة، وإعادة طرح الأسئلة القديمة التي لم تجد لها جوابا. الأسطورة والحكاية الشعبية والنقد الاجتماعي والهروب من الواقع، كلها اندمجت في مشهد كرتوني ساخر، لكنه أكثر صدقا من أي خطاب رسمي أو وعظي. هذا ليس مجرد محتوى ترفيهي. إنها ثورة سردية هجينة، فوضوية، لكنها أصيلة تماما. الثورة التي بدأت بقرد ناطق، لكنها وصلت إلى أعماق الذات الصومالية كما لم يحدث من قبل.