الجمعة 6 مارس 2026
في كثير من بلدان قارتنا الأفريقية، انتهت الحروب رسميا، وسقطت أنظمة قمعية، وعادت الانتخابات، وارتفعت شعارات المصالحة الوطنية، ومع ذلك، يظل الماضي حاضرا في الحياة اليومية للناس: في ذاكرة المفقودين، وفي قرى دُمّرت، وفي عائلات لا تعرف أين دُفن أبناؤها، وفي مجتمعات تعيش جنبا إلى جنب مع من تسببوا في مآسيها، هنا يبرز سؤال لم تجد له القارة بأكملها جوابا نهائيا بعد: هل يمكن بناء مستقبل مستقر دون مواجهة الماضي بصدق؟ أم أن المجتمعات التي تحاول الهروب من ذاكرتها تجد نفسها تعيش صراعاتها من جديد؟
هذا السؤال، الذي يبدو سياسيا للوهلة الأولى، هو في جوهره سؤال فلسفي وأخلاقي. إن العدالة بعد الحروب لا تتعلق فقط بمحاكمة الجناة، بل بطريقة تعامل المجتمع مع زمنه الذاتي، ذلك لأن المجتمعات الخارجة من دوامة العنف تجد نفسها معلّقة بين ماض لم يحسم ومستقبل لم يتشكل، وكأن الزمن توقف عند لحظة الكارثة. وهكذا، تصبح العدالة الانتقالية، في عمقها، محاولة لإعادة وصل الحاضر بالمستقبل دون إنكار الماضي، لأن الضحايا لا يطالبون بالعقاب وحده، بل بالاعتراف بأن ما حدث لهم كان ظلما حقيقيا، وأن حياتهم لم تكن مجرد خسائر جانبية في صراع سياسي.
بعض تجارب العدالة الانتقالية في قارتنا تقدّم إجابات مختلفة لهذا المأزق؛ في رواندا، بعد الإبادة الجماعية سنة 1994 التي قُتل فيها نحو 800 ألف شخص خلال مئة يوم، واجهت الدولة الجديدة معضلة غير مسبوقة، إذ امتلأت السجون بعشرات الآلاف من المتهمين، وكان النظام القضائي عاجزا عن معالجة هذا الكم الهائل من القضايا، لهذا أُعيد إحياء محاكم مجتمعية تُعرف باسم غتساتسا (The Gacaca)، حيث شارك المواطنون في جلسات علنية لسماع الشهادات والاعترافات وتحديد المسؤوليات داخل القرى نفسها.
سمح هذا النموذج بتسريع البت في عدد كبير من القضايا، وأسهم في إعادة دمج بعض الجناة في المجتمع بعد الاعتراف بجرائمهم. طرحت هذه التجربة إشكالية حدود العدالة المجتمعية، إذ اشتكى بعض الضحايا من ضغوط اجتماعية دفعتهم أحيانا إلى قبول تسويات لم تكن دائما مرضية، كما وُجهت انتقادات بشأن ضمانات المحاكمة العادلة.
أعادت هذه الأحداث إلى الواجهة سؤالا كان يعتقد أنه طُوي مع هيئة الإنصاف والمصالحة: هل نجحت المصالحة فعلا في ضمان عدم تكرار ممارسات الماضي، أم أن الإصلاحات بقيت محدودة أمام عودة التوتر بين الدولة والاحتجاج الاجتماعي؟
في جنوب أفريقيا، اتخذت العدالة الانتقالية مسارا فريدا بعد نهاية نظام الفصل العنصري سنة 1994، حين اختارت الدولة الجديدة تجنب مسار المحاكمات الواسعة الذي كان يمكن أن يدفع البلاد إلى مواجهة عنيفة بين البيض والسود، وأُنشئت بدل ذلك لجنة الحقيقة والمصالحة برئاسة الأسقف ديزموند توتو، قد أتاحت اللجنة للضحايا فرصة سرد معاناتهم علنا، بينما مُنح عفو مشروط لبعض المسؤولين عن الانتهاكات مقابل اعترافهم الكامل بما ارتكبوه. لقد ساعدت هذه العملية على كشف جانب كبير من الجرائم التي ارتُكبت خلال عقود التمييز العنصري، كما سمحت للمجتمع بمواجهة تاريخه بدل دفنه.
أثارت تجربة جنوب أفريقيا نقاشا عملية المصالحة عندما لا ترافقها تغييرات اجتماعية واقتصادية عميقة؛ إذ بقي كثير من ضحايا النظام السابق يعيشون في ظروف صعبة، بينما احتفظت فئات واسعة من المجتمع بامتيازاتها الاقتصادية. لذلك رأى بعض المنتقدين أن الحقيقة كشفت، لكن العدالة الاجتماعية لم تتحقق بالكامل.
أما المغرب، فقد اختارت الدولة مطلع الألفية مسارا خاصا لمعالجة إرث ما عُرف بـ"سنوات الرصاص"، وهي فترة شهدت اعتقالات سياسية وتعذيبا واختفاءات قسرية خلال عقود من التوتر السياسي، ففي عام 2004 أُنشئت "هيئة الإنصاف والمصالحة" للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتعويض الضحايا وعائلاتهم، في خطوة عدت الأولى من نوعها في العالم العربي. وقد أتاحت جلسات الاستماع العلنية للضحايا سرد معاناتهم أمام الرأي العام، مما كسر حاجز الصمت حول تلك المرحلة، وفتح نقاشا وطنيا حول مسؤولية الدولة في ما وقع، كما أوصت الهيئة بإصلاحات مؤسساتية لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
إن الصراع حول الذاكرة يتحول هنا إلى صراع حول معنى العدالة ذاته، وهل المطلوب طي صفحة الماضي من أجل الاستقرار، أم كشفه من أجل مستقبل أكثر عدلا؟
هذه التجربة أيضا رافقتها انتقادات مهمة، إذ لم تكن الهيئة مخوّلة بتسمية المسؤولين أو تقديمهم للمحاكمة، واقتصر عملها على كشف الوقائع والتوصية بجبر الضرر، وهو ما جعل بعض الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان يرون أن الحقيقة قدمت دون مساءلة قانونية فعلية.
عاد هذا النقاش بقوة بعد احتجاجات عام 2011 في سياق الحراك الإقليمي، حيث شهدت البلاد موجة اعتقالات ومحاكمات لناشطين، ثم تجدد الجدل بشكل أوسع خلال حراك الريف في 2016-2017، حين انتهت الاحتجاجات الاجتماعية في شمال البلاد باعتقال عدد من قادة الحراك وأحكام قضائية قاسية في نظر مؤيديهم. أعادت هذه الأحداث إلى الواجهة سؤالا كان يعتقد أنه طُوي مع هيئة الإنصاف والمصالحة: هل نجحت المصالحة فعلا في ضمان عدم تكرار ممارسات الماضي، أم أن الإصلاحات بقيت محدودة أمام عودة التوتر بين الدولة والاحتجاج الاجتماعي؟
أخيرا، في غامبيا حيث أنشئت بعد نهاية حكم يحيى جامع لجنة الحقيقة والمصالحة وجبر الضرر للتحقيق في انتهاكات عقود من القمع والاختفاء القسري والقتل خارج القانون، مع توصيات بتعويض الضحايا ومحاسبة المسؤولين. غير أن مسار العدالة ظل بطيئا، إذ حصلت بعض العائلات على تعويضات مالية بعد سنوات طويلة من الانتظار، بينما بقيت ملفات كثيرة دون محاكمات حاسمة أو كشف كامل للحقيقة. وقد شعر عدد من الضحايا بأن الاعتراف الرسمي لم يتحول بعد إلى عدالة ملموسة تغيّر حياتهم أو تنهي معاناتهم.
يظهر بعد فلسفي آخر يتعلق بملكية الذاكرة نفسها؛ من يملك حق رواية الماضي؟ من ينسج السرديات؟
تظهر التجربة الرواندية توترا مستمرا بين الحاجة إلى إعادة بناء "مجتمع ممزق" بسرعة، وبين الحاجة إلى عدالة فردية تشفي جراح الضحايا على المستوى الشخصي. كما تكشف تجربة جنوب أفريقيا أن الحقيقة نفسها يمكن أن تصبح شكلا من أشكال العدالة (العدالة = الحقيقة)، لأن الاعتراف يعيد للضحايا إنسانيتهم التي حاول النظام السابق محوها، غير أن الواقع بعد المصالحة كشف استمرار تفاوتات اقتصادية واجتماعية عميقة.
تبين التجربة المغربية، توترا مستمرا بين خطاب المصالحة والواقع السياسي، إذ تظهر أن العدالة الانتقالية ليست لحظة تنتهي بإصدار تقرير أو صرف تعويضات، بل عملية طويلة تتوقف على قدرة الدولة والمجتمع على تحويل الذاكرة من مجرد اعتراف بالماضي إلى ضمانات فعلية لعدم تكراره. فالمصالحة تظل ناقصة ما دام المواطنون يشعرون بأن أدوات القمع يمكن أن تعود، كلما اشتدت الأزمات الاجتماعية والسياسية، ما دام سؤال العدالة مفتوحا في الذاكرة الجماعية. وتبرز تجربة غامبيا توترا واضحا بين عدالة مؤسساتية تحاول إغلاق ملفات الماضي، وعدالة اجتماعية ينتظرها الناس كي يتمكنوا من استعادة ثقتهم في الدولة والعيش دون أن يظل الماضي حاضرا كجرح مفتوح في حياتهم اليومية.
كل هذه الحالات تكشف أن العدالة بعد الحروب أو الصرعات ليست وصفة جاهزة يمكن نقلها من بلد إلى آخر، بعض المجتمعات تختار المحاكم، وبعضها يفضّل المصالحة، وبعضها يحاول طيّ الصفحة الماضي بسرعة. لكن المشكلة الأعمق تبقى واحدة: الماضي لا يختفي بمجرد توقيع اتفاق المصالحة أو إنشاء لجنة تحقيق، وإنما في بقاء أسباب العنف قائمة مثل: الفقر والتهميش والصراع على السلطة وسوء توزيع الموارد.. فإن الجراح القديمة قد تفتح من جديد.
في عمق هذا النقاش، يظهر بعد فلسفي آخر يتعلق بملكية الذاكرة نفسها؛ من يملك حق رواية الماضي؟ من ينسج السرديات؟ الحكومات غالبا ما تحاول صياغة سرديات رسمية توحّد المجتمع وتحمي صورة الدولة، بينما تصرّ عائلات الضحايا والباحثون عن الحقيقة والمثقفون النقديون على كشف ما جرى فعلا؛ إن الصراع حول الذاكرة يتحول هنا إلى صراع حول معنى العدالة ذاته، وهل المطلوب طي صفحة الماضي من أجل الاستقرار، أم كشفه من أجل مستقبل أكثر عدلا؟ هكذا يكون التحدي الحقيقي أمام قارتنا اليوم لا يتمثل فقط في محاسبة الجناة، بل في إعادة بناء الثقة بين الناس، وإيجاد مستقبل يشعر فيه الشعب بأنهم جزء من دولة عادلة.
إن "المصالحة لا تعني النسيان، والعدالة لا تعني الانتقام". المطلوب هو القدرة على مواجهة الماضي دون البقاء أسرى له، وتحويل الذاكرة من مصدر انقسام إلى أساس لبناء تضامن جديد، فما العدالة في نهاية المطاف إلاّ "الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية".