الأربعاء 20 مايو 2026
المجتمعات التي عاشت تحولات سياسية عميقة، لا يكون الصراع فيها حول الحاضر فحسب، بل حول معنى الماضي ذاته؛ فالذاكرة ليست مجرد سجل للأحداث، بل هي فضاء يتشكل داخله وعي الجماعات بتاريخها وهويتها. ومن هنا، تنشأ ما يعرف بسياسات الذاكرة؛ حيث تتقاطع السلطة والتاريخ والسرد في تشكيل الرواية الجماعية للماضي.
انطلاقا من التصور الفلسفي الذي قدمه بول ريكو حول العلاقة المعقدة بين الذاكرة والتاريخ والنسيان، ومحاولة لقراءة التوترات التي تحكم الذاكرة السياسية في السودان، نجد أنفسنا بين: الذاكرة الثورية والسرديات السلطوية وذاكرة الضحايا المنسية. هنا نكتشف أن الصراع حول الماضي ليس مجرد جدل تاريخي، بل هو أعمق من ذلك، لأنه يتعلق بالهوية والعدالة وإمكانية بناء مستقبل مختلف.
لا ينظر بول ريكور إلى الذاكرة باعتبارها مرآة تعكس الماضي كما هو، بل يراها فعلا تأويليا يعيد بناء ذلك الماضي داخل شروط الحاضر؛ فكل عملية تذكر تنطوي – ضمنيا - على خيارات ما ينبغي استحضاره، وما الذي يمكن تجاوزه. وهذا الاختيار لا يحدث من فراغ، بل يتأثر بالبنية الثقافية، وبالسلطة السياسية، وبالخطابات السائدة داخل المجتمع.
لهذا، الذاكرة ليست مجرد وظيفة نفسية مراكمة للأحداث، بل ممارسة اجتماعية تحدد من خلالها الجماعات الطريقة التي تفهم بها تاريخها. وعندما تستحضر جماعة ما حدثا معينا وتمنحه مكانة مركزية في سرديتها التاريخية، فإنها لا تقوم بتوثيق الماضي فقط، بل تعيد تعريف ذاتها داخل هذا الزمن. بهذا المعنى تصبح الذاكرة أحد العناصر التأسيسية للهوية الجماعية؛ لأن الهوية لا تتشكل عبر المصالح المشتركة أو الحدود الجغرافية، بل عبر القصص التي ترويها الجماعات عن نفسها وعن ماضيها.
هذه العملية السردية لا تجري في فضاء محايد، بل داخل شبكة من علاقات القوة التي تحاول تنظيم الذاكرة بما يخدم تصورا محددا للعالم. وهنا يظهر ما يسميه ريكور "إساءة استخدام الذاكرة"؛ أي تحويل الماضي إلى أداة أيديولوجية تمنح السلطة شرعية تاريخية.
الهوية لا تتشكل عبر المصالح المشتركة أو الحدود الجغرافية، بل عبر القصص التي ترويها الجماعات عن نفسها وعن ماضيها
تعيد الأنظمة السياسية كثيرا ما ترتيب الوقائع التاريخية؛ بحيث يبدو الحاضر امتدادا طبيعيا لمسار تاريخي محدد، حتى لو كان هذا المسار قد خضع - في الواقع - لعمليات محو وانتقاء. وهذا لا يعني أن السلطة تخلق التاريخ من العدم، بل إنها تعيد تأطيره عبر اختيار أحداث معينة والتغاضي عن أخرى، من خلال تقديم تفسير محدد لها؛ ليصبح مع الوقت جزءا من الوعي الجماعي. في هذه اللحظة، تتحول الذاكرة من مجال للفهم إلى "مورد رمزي للشرعية السياسية"، إذ يصبح الماضي نفسه جزءا من الخطاب الذي يبرر تناقضات الحاضر.
في هذا السياق، يقدم ريكور أحد أهم تحليلاته؛ بحيث يتناول مسألة النسيان بطريقة تكشف لنا أن النسيان قد يكون - في كثير من الأحيان - فعلا سياسيا مقصودا وممنهجا. فالأنظمة السياسية تمارس ما يمكن تسميته ب"النسيان المؤسسي"، أي تجاهل أحداث أو تجارب معينة في الخطاب الرسمي والمناهج التعليمية؛ بحيث تختفي تدريجيا من الوعي العام.
غير أن ريكور يستوضح نوعين من النسيان: نسيان قسري يخدم السلطة عبر محو الضحايا من التاريخ التراكمي، ونسيان آخر قد ينشأ بعد الاعتراف بالحقيقة، ويصبح شرطا لإعادة بناء المجتمع. بهذا المعنى، تتحول مسألة الذاكرة إلى مسألة أخلاقية تتعلق بالعدالة التاريخية، لأن الطريقة التي يتذكر بها المجتمع ماضيه، تحدد بكل تأكيد الطريقة التي يعترف بها بمعاناة ضحاياه.
عندما نسقط هذه الأفكار في سياق مجتمعات الجنوب العالمي - خصوصا التي نشأت خلال وبعد الاستعمار - تتخذ مسألة الذاكرة أبعادا أكثر تعقيدا؛ فهذه المجتمعات لم ترث المؤسسات السياسية والحدود الجغرافية التي رسمتها القوى الاستعمارية فحسب، بل ورثت بنية متصدعة ومتوترة، تجمع بين سرديات متعارضة: ذاكرة الاستعمار وذاكرة المقاومة وذاكرة الصراعات الداخلية التي عقبت الاستقلال.
في كثير من الأحيان، تحاول الدولة الوطنية بناء سردية موحدة تتجاوز هذه التوترات، لكنها تفعل ذلك عبر اختزال الذاكرة الجماعية في رواية رسمية واحدة. وهذا ما يحول التاريخ الوطني إلى نوع من "الأسطورة السياسية" التي تهدف إلى خلق شعور بالوحدة والاستمرارية، حتى لو كانت هذه الوحدة تخفي خلفها تعددية ثقافية وإثنية بتناقضاتها العميقة.
تتحول الذاكرة من مجال للفهم إلى مورد رمزي للشرعية السياسية، إذ يصبح الماضي نفسه جزءا من الخطاب الذي يبرر تناقضات الحاضر
من خلال هذا الإطار، يمكن فهم التجربة السودانية كمثال يستدل على تعقيد سياسات الذاكرة في العالم ما بعد الاستعمار؛ لأنه لم يشهد صراعا حول السلطة بل شهدت صراعا مستمرا حول معنى تاريخها. فمنذ الاستقلال، تعاقبت على الدولة لحظات ثورية كبرى؛ من أكتوبر وأبريل، وصولا إلى ديسمبر. وهي لحظات أنتجت ذاكرة جماعية قوية، أعادت تعريف المجتمع بوصفه فاعل تاريخي قادر على تحدي جبروت السلطة.
في تلك اللحظات، تتشكل سردية أخلاقية عن الحرية التي تتجسد في الشعارات والأغاني والرموز؛ التي تمنح المجتمع إحساسا بأنه يستعيد ذاته ويعيد كتابة تاريخه. لكن هذه الذاكرة الثورية غالبا ما تبقى "لحظة عاطفية" أكثر منها مشروعا تاريخيا مستقرا؛ لأنها تدخل سريعآ في دوامة صراع مع سرديات أخرى تحاول إعادة تفسير الحدث أو اختزال دلالته.
تنشأ في مقابلها ذاكرة سلطوية تعمل على إعادة كتابة الماضي بما يمنح النظام السياسي شرعية تاريخية، مستخدمة الانتقاء التاريخي والتأطير الأيديولوجي والمؤسسات التعليمية من أجل تثبيت هذه الرواية في الوعي العام.
ومع ذلك، فإن هذه الذاكرة السلطوية لا تستطيع السيطرة الكاملة على المجال الرمزي؛ لأن المجتمع يحتفظ دائما بذكريات أخرى لا تنسجم مع الرواية الرسمية. وهنا تظهر ما يمكن وصفها ب"الذاكرة المنسية"؛ وهي ذاكرة الضحايا والمجموعات المهمشة التي ظلت تجاربها خارج الأرشيف الرسمي للدولة، لكنها تستمر في العيش داخل الروايات الشفوية.
وقد أشار الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي إلى أن دولة ما بعد الاستعمار كثيرا ما تبني شرعيتها عبر إدارة انتقائية للذاكرة؛ بحيث يتم الاحتفاء ببعض الأحداث وإقصاء أخرى. غير أن تجاهل الذاكرة لا يؤدي إلى اختفائها، بل يؤدي إلى تراكم قسري للتوترات التاريخية التي قد تظهر لاحقا في شكل صراعات بصورة جديدة.
عندما تستحضر جماعة ما حدثا معينا وتمنحه مكانة مركزية في سرديتها التاريخية، فإنها لا تقوم بتوثيق الماضي فقط، بل تعيد تعريف ذاتها داخل هذا الزمن
من خلال هذا الاستدلال، يمكن فهم تكرار الأزمات السياسية في السودان، ليس فقط أزمة مؤسسات فحسب، بل بوصفها "أزمة ذاكرة سياسية" التي شوهت الوعي العام؛ فالمجتمع الذي لا يستطيع تحويل تجاربه التاريخية إلى درس جماعي مستقر، سيظل معرضا لإعادة إنتاج الصراعات نفسها عبر الأجيال.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في بناء مؤسسات سياسية جديدة فحسب، بل في بناء علاقة نقدية مع الماضي؛ بحيث تسمح بتحويل الذاكرة من عبء تاريخي إلى أفق للتعلم والمصالحة. ما تستوضحه فلسفة ريكور هو أن إدارة الذاكرة لا تعتبر قضية ثقافية ثانوية، بل هي واحدة من الشروط المهمة لبناء دولة حديثة؛ فالدولة لا تقوم فقط على الدساتير والمؤسسات كما المألوف، بل تقوم على سردية تاريخية مشتركة تسمح للمجتمع بأن يرى نفسه كجماعة سياسية واحدة رغم اختلافاته.
هذه السردية لا يمكن أن تكون عادلة إلا إذا ظلت مفتوحة للنقد والتعدد؛ لأن احتكار الذاكرة يعتبر شكلا من أشكال السلطة الرمزية. فالمجتمع الذي يمتلك الشجاعة لمواجهة تاريخه بصدق، لا يكتفي بتذكر الماضي، بل يحوله إلى أفق للتعلم التاريخي. أما المجتمع الذي يحاول الهروب من ماضيه عبر النسيان القسري، فإنه سيظل محكوما بعودة ذلك الماضي في أشكال جديدة من الصراع.
إن مسألة الذاكرة لا تتمحور حول ما حدث في الماضي، بل حول المعنى الذي تمنحه الجماعة لذلك الماضي، وحول الكيفية التي سيحدد بها هذا المعنى إمكانية العيش المشترك في المستقبل. وفي هذا الأفق تحديدا، تتحول الذاكرة - كما أراد لها ريكور - من مجرد أرشيف للتاريخ إلى شرط أخلاقي لإمكانية الحرية نفسها كمفهوم.