الأحد 18 يناير 2026
في خضم تفاقم الأزمات السياسية التي تعرفها البلاد، شهدت العاصمة مقديشو في 13 مايو/ أيار الجاري حفل الإعلان الرسمي عن حزب "العدالة والتضامن"، بزعامة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، وبعضوية كبار مسؤولي الدولة، بما فيهم رؤساء ولايات جلمدغ وجنوب الغرب وهيرشبيلي، إلى جانب رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب، وعدد من الوزراء والمديرين العامين في الحكومة الفيدرالية، مما شكل سابقة في تاريخ التشكلات الحزبية في البلاد.
تأسس الحزب على قاعدة الدولة، من خلال انخراط معظم مسؤوليها التنفيذيين، وعدد كبير من أعضاء السلطة التشريعية، الأمر الذي عزز الانطباع بأن الحزب لم يُنشأ انطلاقًا من حاجة سياسية أو فكرية، بل باعتباره أداة لإطالة أمد حكم الرئيس حسن شيخ محمود، وترسيخ نفوذه في مؤسسات الدولة.
أثار هذا التطور عاصفة من الانتقادات في أوساط المعارضة الصومالية، حيث أصدرت قوى سياسية متعددة، بما في ذلك عدد من الرؤساء ورؤساء الوزراء السابقين، وحكومتا بونتلاند وجوبالاند، بيانات تنديد اعتبرت أن تأسيس الحزب بهذه الطريقة يُكرّس لاستخدام مؤسسات الدولة لأغراض حزبية ضيقة، ويشكّل في الوقت ذاته تهديدا لوحدة البلاد واستقرارها.
رغم البنية الفريدة لحزب "العدالة والتضامن" في المشهد السياسي الصومالي، كونه الكيان الوحيد الذي يضم في صفوفه غالبية المسؤولين ذوي المناصب الرفيعة على المستويين الفيدرالي والإقليمي – باستثناء ولايتين من أصل خمسة – إلا أن مراحل التحضير لإطلاقه لم تخلُ من تحديات وصعوبات، كادت أن تُفشل المشروع أو تحصر نطاقه بشكل محدود. فقد برزت خلافات حادة بين شخصيات يفترض انضمامها حول تقاسم المناصب القيادية، الأمر الذي دفع الرئيس حسن شيخ محمود، المهندس الفعلي وراعي المشروع، إلى تعديل الهيكل التنظيمي المقترح، ما أدى إلى تأجيل حفل الإطلاق لأسبوع كامل عن موعده المقرر.
وقد تمثّل التحدي الأبرز في موقف حاكم ولاية جنوب الغرب عبد العزيز لفتاجرين، الذي رفض في البداية المقترح الذي كان ينص على أن يكون الرئيس محمود مرشح الحزب، وأن يتولى رئيس الوزراء حمزة عبدي بري رئاسة الحزب، بينما يُعيّن هو نائبًا له، مما أثار اعتراضه ودفعه إلى العودة إلى بيدوا احتجاجًا، ليضطر الرئيس إلى إعادة صياغة الهيكل التنظيمي، وطرح نموذج جديد يتولى بموجبه شخصيًا منصبي رئيس الحزب ومرشحه، مع تعيين أربعة نواب متساوين في الدرجة: عبد العزيز لفتاجرين، رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، نائب رئيس الوزراء صالح أحمد جامع، والنائبة الأولى لرئيس مجلس الشعب سعدية ياسين حاجي سمتر، في محاولة لاحتواء الخلافات وضمان انضمام لفتاجرين إلى المشروع.
برزت خلافات حادة بين شخصيات يفترض انضمامها حول تقاسم المناصب القيادية، الأمر الذي دفع الرئيس حسن شيخ محمود، إلى تعديل الهيكل التنظيمي المقترح، ما أدى إلى تأجيل حفل الإطلاق لأسبوع كامل عن موعده المقرر
يولي الرئيس حسن شيخ محمود والمقربون منه أهمية خاصة لوجود لفتاجرين داخل الحزب، لاعتبارات سياسية وقَبلية؛ إذ يُنظر إليه شخصية براغماتية تتمتع بنفوذ واسع يفوق في كثير من الأحيان نظراءه من حكام الولايات، كما يُعد أبرز زعيم سياسي ينتمي إلى عشيرة دَغُل ومرفلي، وهو ما يمنحه وزنًا كبيرًا يصعب تجاوزه، لاسيما في سياق التوازنات الحساسة بين الحكومة والمعارضة، كما أن وجوده داخل الحزب يُسهم في تحسين صورته من الناحية القبلية، ويبدد أي تشويه بأنه حزب مغلق على دائرة عشائرية ضيقة محسوبة على الرئيس، والذي قد يضعف من شرعيته وصورته في المستقبل الحزب.
رغم التوافق الظاهري على توزيع المناصب وإعلان التأسيس، إلا أن ذلك لا يعني أن الطريق بات ممهدا أمام الحزب لتحقيق أهدافه، إذ إن التحديات الحقيقية تبدأ بعد التدشين، فالمشهد السياسي الصومالي يشهد حالة تأزم متصاعد، والمشروع السياسي للحزب، يتمثل وفق الرئيس حسن شيخ محمود، في الانتقال إلى نظام انتخابي يقوم على مبدأ "صوت واحد لكل مواطن"، واستكمال التعديلات الدستورية، وبناء نظام سياسي يعكس تطلعات المواطنين، وهو ما يزال بعيدا عن التحقيق في ظل الانقسامات الحادة، وعدم وجود توافق سياسي حول شكل المسار الانتخابي.
أثارت طريقة تشكيل الحزب الجديد، الذي جمعت تحت مظلّته جميع المسؤولين المتولين للمناصب السياسية على المستويين الفيدرالي والإقليمي، موجة انتقادات لاذعة ضد الرئيس حسن شيخ محمود، وأحدثت ضجة إعلامية واسعة في الشارع الصومالي، حيث اعتبر كثيرون ذلك تكريسا لحكم الفرد، ووسيلة لإطالة أمد البقاء في السلطة بغطاء حزبي.
جاءت الانتقادات الأكثر حدة من ولايتي جوبالاند وبونتلاند، حيث شبّهتا، في بيانين منفصلين، الحزب الجديد بالحزب الاشتراكي الذي أسسه الرئيس الراحل محمد سياد برّي في السبعينيات والثمانينيات، حين احتكر الحياة الحزبية والمشهد الانتخابي، ومنع المنافسة السياسية الحقيقية، واعتبرتا أن إعادة إحياء هذا النموذج لا يعكس واقع البلاد اليوم، ولا ينسجم مع متطلبات المرحلة التي تفرض التصالح والانفتاح السياسي.
في السياق نفسه، توالت بيانات التنديد من السياسيين والمسؤولين السابقين، حيث أصدر 16 سياسيا، يتقدمهم الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد، إلى جانب ستة رؤساء وزراء سابقين ومرشحين رئاسيين آخرين، بيانا مشتركا وصفوا فيه أن "مجلس التشاور الوطني قد تم تقويضه فعليًا"، واستُبدل بمشروع حزبي يخدم أجندة الرئيس، داعين إلى إطلاق حوار وطني شامل، يضم كافة الأطراف السياسية لتجاوز الأزمة. أما الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو، فقد أصدر بيانا منفصلا وصف فيه الخطوة بأنها "خرق صارخ للدستور الانتقالي"، مشيرًا إلى أنها تهدد النظام السياسي القائم على التوافق.
إن التحديات الحقيقية تبدأ بعد التدشين، فالمشهد السياسي الصومالي يشهد حالة تأزم متصاعد، والمشروع السياسي للحزب، يتمثل في الانتقال إلى نظام انتخابي يقوم على مبدأ "صوت واحد لكل مواطن"، واستكمال التعديلات الدستورية، وبناء نظام سياسي يعكس تطلعات المواطنين
تضمنت هذه البيانات والتصريحات المتعددة رسائل موحدة تعكس على الرفض الحاد من المعارضة على النهج السياسي للرئيس حسن شيخ محمود، وقد عكست كثافة البيانات وردود الأفعال الشعبية حجم الفجوة المتسعة بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة، فبينما يسارع الرئيس محمود لتمرير خطته الانتخابية المعتمدة على نظام "صوت واحد لكل فرد" والتعديلات الدستورية دون الاكتراث بمواقف المعارضة، تسعى هذه الأخيرة إلى وقف هذه التحركات والدفع نحو عقد مؤتمر وطني شامل يشكّل منطلقا لمسار انتقالي يُفضي إلى انتخابات توافقية ونزيهة.
لا توحي المؤشرات الحالية بانفراجة قريبة، بل ترجّح تصاعد حدة الأزمة في الشهور المقبلة، في ظل تمسك الرئيس حسن شيخ محمود بخططه الأحادية، وغياب أي إشارات تدل على استعداده للتراجع أو الانفتاح على مسار توافقي، وبالتالي فإنه يبدو أن إمكانية التوصل إلى تفاهم مع المعارضة لا تزال بعيدة في المرحلة الراهنة، رغم أن اقتراب نهاية ولايته قد يضاعف الضغوط السياسية عليه، ويحدّ من قدرته على فرض خياراته دون توافق.
في ضوء هذا المشهد، تبدو البلاد أمام أحد خيارين: إما تصعيد سياسي قد يهدد الاستقرار الهش، أو تدخلات داخلية وخارجية تضغط نحو تسوية تفرض التوافق، باعتبارها ضرورة لا مفر منها لإنقاذ المسار الانتقالي.
في ظل تسارع جهود الرئيس حسن شيخ محمود لدفع مسار الانتخابات وفق نموذج "صوت واحد مقابل شخص واحد"، جاء تأسيسه لحزب "العدالة والتضامن" في هذا التوقيت، ليعكس رهانا سياسيا يراها سانحة لتمديد بقائه في السلطة، غير أن هذا الرهان يصطدم بتحديات كبيرة تهدد نجاحه، في ظل الانقسامات السياسية وغياب التوافق الوطني.
في محاولة لبناء جبهة سياسية موحّدة تربط مصير هذه القيادات بمصيره السياسي، وتعزيز موقعه في أي مواجهة محتملة، عمل على توحيد الشخصيات المتولية مناصب رسمية في الدولة تحت مظلة الحزب الجديد، باستثناء ولايتي بونتلاند وجوبالاند.
كما سعى من خلال تأسيس هذا الحزب إلى استثمار الطموح الشعبي لنظام "صوت واحد مقابل شخص واحد"، الذي يتشبث بها، وتحظى بتأييد قطاعات واسعة من الشارع الصومالي، وإن كانت لا تتفق معه بالضرورة على توقيت تطبيقها أو آليات تنفيذها، إلى جانب الخبرة الحزبية والتنظيمية المتراكمة، منذ قيادته لحزب "السلام والتنمية" الذي دخل في انتخابات عام 2012، وتأسيسه لاحقاً لحزب "الاتحاد من أجل السلام" الذي خاض به انتخابات 2022، ما يجعله أكثر تمرسا من خصومه في إدارة الحملات الانتخابية، وبناء الهياكل السياسية. استشعر من خلال هذه الخطوات فرصًا قد تمهّد الطريق لتمديد بقائه في الحكم.
لا توحي المؤشرات الحالية بانفراجة قريبة، بل ترجّح تصاعد حدة الأزمة في الشهور المقبلة، في ظل تمسك الرئيس حسن شيخ محمود بخططه الأحادية، وغياب أي إشارات تدل على استعداده للتراجع أو الانفتاح على مسار توافقي
لكن في مقابل هذه الفرص، يواجه مشروع الحزب وخطط الرئيس بشكل عام تحديات كبيرة، في مقدّمتها غياب ولايتي بونتلاند وجوبالاند، اللتين تسيطران على مناطق لا تقل مساحة تلك الخاضعة للحكومة الفيدرالية والولايات الثلاث الموالية لها، ما يجعل أي انتخابات تُجرى من دون مشاركتهما منقوصة الشرعية والتمثيل الوطني، كما أن كثيرا من المسؤولين الذين انضموا إلى الحزب قد لا يحملون ولاءا حقيقيا له، إذ إن انخراطهم يبدو مرتبطاً بحسابات ظرفية ومصالح آنية، في ظل غياب أي ضمانات لاستمرارهم في الصف نفسه مستقبلاً، خصوصا أن المصالح والمواقف لدى السياسيين الصوماليين تتغير بوتيرة سريعة.
ومع ذلك، يظل احتمال تصاعد المواجهة بين الرئيس والمعارضة تحديا آخر، خصوصا في ظل وجود شخصيات معارضة ذات نفوذ قوي في العاصمة مقديشو، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، أبرزها الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، والذي قد يدفع الرئيس في نهاية المطاف إلى الرضوخ لمطالب المعارضة وتقديم تنازلات لصالح المصلحة العامة، أو المضي قدما في خيار المواجهة، وكلا الخيارين يحملان في طيّاتهما خسارة كبيرة لمشروعه السياسي.