الأحد 8 مارس 2026
في تزامن لافت يعكس تعدد مسارات التحرك السياسي السوداني في ظل الحرب المستمرة، جاءت زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الدوحة يوم 27 يناير/ كانون الثاني بالتوازي مع وجود نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار في جوبا، بما يوحي بمحاولة إدارة الأزمة السودانية عبر مسارين متكاملين؛ مسار عربي–دولي تقوده القيادة العسكرية، ومسار إقليمي أفريقي يتولاه أحد الوجوه السياسية المرتبطة باتفاقيات السلام والهامش.
زيارة البرهان إلى العاصمة القطرية الدوحة تأتي في سياق بالغ التعقيد، إذ يواجه السودان حربًا مفتوحة ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد، ووحدة الدولة، وعلاقاتها الخارجية. وتكتسب الدوحة أهمية خاصة في هذا التوقيت لكونها فاعلًا إقليميًا، يمتلك شبكة علاقات واسعة وقدرة على التواصل مع أطراف دولية مؤثرة، إضافة إلى سجل سابق في ملفات الوساطة والاستثمار وإعادة الإعمار. ومن المرجح أن المباحثات التي أجراها البرهان ركزت على شرح موقف القيادة العسكرية من تطورات الحرب، ومحاولة حشد دعم سياسي واقتصادي يخفف من حدة الضغوط المفروضة على الحكومة السودانية، لا سيما في ما يتعلق بالوضع الإنساني وتراجع مؤشرات الاقتصاد، إلى جانب السعي لتأمين غطاء عربي أوسع في مواجهة ما تعتبره الخرطوم تهديدًا وجوديًا تمثله قوات الدعم السريع.
في هذا الإطار، لا تنفصل زيارة البرهان عن الحسابات العسكرية الجارية على الأرض، إذ تسعى القيادة السودانية إلى ربط أي تحرك دبلوماسي بهدف دعم المجهود الحربي، سواء عبر تأمين موارد، أو تقليص هامش الحركة السياسية والمالية لخصومها، أو تقديم نفسها بوصفها الطرف القادر على إعادة الاستقرار حال حسم الصراع.
في المقابل، تتحرك زيارة مالك عقار إلى جوبا في اتجاه مختلف لكنه لا يقل أهمية. فجوبا تمثل عمقًا جغرافيًا وسياسيًا للسودان، وترتبط معه بحدود طويلة ومصالح متشابكة، على رأسها ملفات النفط، والتجارة، وحركة السكان، فضلًا عن الإرث المعقد لاتفاقيات السلام. وجود عقار في جوبا يحمل بعدًا سياسيًا واضحًا، بوصفه أحد الموقعين على اتفاق جوبا للسلام، ووجهًا مقبولًا لدى قطاعات من القوى الإقليمية والدولية التي تنظر إلى الحرب السودانية من زاوية أوسع تتجاوز الصراع العسكري المباشر.
تشير تحركات عقار ولقاءاته في جوبا إلى سعي الخرطوم لطمأنة دولة جنوب السودان بشأن تداعيات الحرب، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة ارتدادية للصراع أو ممر مفتوح لدعم أطراف بعينها. كما تحمل الزيارة رسالة سياسية مفادها أن الحكومة السودانية تحاول الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع دول الجوار الأفريقي، وتأكيد أن ما يجري في السودان ليس شأنًا داخليًا معزولًا، بل أزمة ذات أبعاد إقليمية تهدد الاستقرار في القرن الأفريقي وحوض النيل.
في الوقت نفسه، تعكس تصريحات ومواقف عقار خلال وجوده في جوبا تصعيدًا في الخطاب تجاه ما تعتبره الخرطوم دعمًا خارجيًا لقوات الدعم السريع، وهو خطاب يهدف إلى تدويل المسؤولية عن استمرار الحرب، وإعادة تعريف الصراع بوصفه مواجهة مع شبكات إقليمية عابرة للحدود، وليس مجرد نزاع على السلطة داخل الدولة. هذا الطرح يمنح الحكومة هامشًا أوسع للمناورة السياسية، ويبرر تحركاتها الدبلوماسية في المحيطين العربي والأفريقي على السواء.
اللافت في تزامن الزيارتين أن السلطة السودانية بدت وكأنها توزع أدوارها الخارجية بعناية؛ البرهان يخاطب العواصم العربية المؤثرة ويبحث عن دعم سياسي واقتصادي مباشر، بينما يتحرك عقار في الفضاء الأفريقي لضبط الجوار الإقليمي، والحفاظ على تماسك اتفاقيات السلام، ومنع اتساع رقعة الحرب خارج الحدود. ويكشف هذا التوازي عن إدراك متزايد داخل القيادة السودانية بأن إدارة الحرب لا تقتصر على الميدان العسكري، بل تتطلب جهدًا دبلوماسيًا متشعبًا يوازن بين المصالح، ويحد من العزلة، ويعيد رسم صورة الدولة في الخارج.
في المحصلة، فإن وجود البرهان في الدوحة ومالك عقار في جوبا يعكس لحظة سياسية كثيفة في مسار الأزمة السودانية، لحظة تحاول فيها القيادة إعادة ترتيب أوراقها إقليميًا ودوليًا في ظل حرب مفتوحة الأفق. ورغم اختلاف طبيعة الزيارتين ومساراتهما، فإنهما تلتقيان عند هدف واحد يتمثل في تعزيز موقع الدولة السودانية في معركة طويلة، تتداخل فيها السياسة بالسلاح، والدبلوماسية بحسابات البقاء والاستقرار.