الاثنين 12 يناير 2026
كشفت بيانات مالية مُدققة عن تكبّد البنك الوطني الإثيوبي (البنك المركزي) خسائر تشغيلية كبيرة خلال السنة المالية 2024/2025، مدفوعة أساساً بخسائر صرف “غير مُحققة” نتجت عن إعادة تقييم الأصول والالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية عقب إصلاحات سوق الصرف. وبحسب التقرير، بلغت الخسائر غير المُحققة نحو 445 مليار بر، ما أسهم في تسجيل خسارة تشغيلية صافية بنحو 428 مليار بر خلال فترة التقرير.
وتأتي هذه التطورات في سياق التحول الذي أطلقته أديس أبابا في 29 يوليو/تموز 2024 عندما انتقلت إلى نظام أكثر اعتماداً على السوق في تحديد سعر الصرف، مع تعويم العملة المحلية. وفي يوم الإعلان، هبط سعر البر بنحو 30% إلى 74.73 بر للدولار مقارنة بـ 57.48 قبل ذلك بأيام، وفق بيانات نقلتها وكالة رويترز عن البنك التجاري الإثيوبي.
وبموجب الإطار التنظيمي الجديد لسوق النقد الأجنبي، توضح وثائق البنك الوطني الإثيوبي أن البنوك والجهات المرخصة “حرة” في تحديد أسعارها وأنها تستطيع شراء وبيع العملات الأجنبية “وفق أسعار يتم التفاوض عليها”. كما ينشر البنك المركزي سعراً “إرشادياً يومياً” محسوباً كمعدل مرجّح لمعاملات اليوم السابق، بهدف تعزيز الشفافية، من دون أن يكون سعراً إلزامياً للتعاملات.
ويمتد هذا التحول إلى برنامج إصلاح اقتصادي أوسع تدعمه المؤسسة الدولية. فصندوق النقد الدولي أقر في 29 يوليو/تموز 2024 ترتيبات “تسهيل ائتماني ممدد” لإثيوبيا بقيمة تقارب 3.4 مليار دولار ضمن برنامج لأربع سنوات، قال إنه يستهدف معالجة اختلالات الاقتصاد الكلي ودعم أجندة الإصلاح الاقتصادي الوطني. وأشار الصندوق لاحقاً إلى أن الانتقال إلى نظام سعر صرف أكثر مرونة ساعد على تقليص الفجوة بين السوق الرسمية والموازية وتحسين توفر النقد الأجنبي، مع بقاء بعض الطلب غير المُلبّى في مرحلة التكيف مع الإطار الجديد.
وفي ما يتعلق بخسائر البنك المركزي، قالت “ذا ريبورتر” الإثيوبية إن القوائم المالية المُدققة – الموقعة من محافظ البنك المركزي المعين حديثاً إيوب تيكالين – حذّرت من أن تعرض البنك لالتزاماته بالعملة الأجنبية قد يتجاوز رأسماله واحتياطياته عند حلول آجال السداد، ما يستدعي “تدخلاً استراتيجياً” لإدارة المخاطر وضمان الاستمرارية. وبحسب التقرير، أظهرت الحسابات اتساع الفجوة في حسابات إعادة التقييم، في وقت بلغت فيه أصول البنك نحو 1.6 تريليون بر مقابل التزامات وصلت إلى نحو تريليوني بر، من بينها التزامات كبيرة تجاه جهات دولية. كما لفت التقرير إلى قفزة في نفقات شراء الذهب وإلى خسائر مرتبطة بأنشطة تداول الذهب، إلى جانب التزامات وودائع خارجية مقومة بالدولار، ما يرفع حساسية الميزانية لتقلبات سعر الصرف.
ويرى محللون أن الأثر المالي لإصلاحات سعر الصرف لا يقتصر على السوق النقدية، بل يمتد إلى حسابات القطاع العام وتكلفة خدمة الدين. وفي هذا السياق، تنقل “ذا ريبورتر” عن الخبير المالي عبد المنان محمد قوله إن حجم الخسائر كان “متوقعاً لكنه صادم”، محذراً من أن استمرار تراجع البر قد يفاقم الخسائر وأن معالجة الفجوة قد تنتهي – بصورة أو بأخرى – إلى تحميلها على المديونية العامة أو أدوات تمويل تصدرها الحكومة.
وتتقاطع هذه المخاوف مع مسار إعادة هيكلة الدين السيادي لإثيوبيا. ففي يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت وزارة المالية التوصل إلى اتفاق مبدئي مع مجموعة من حاملي سندات يوروبوند بقيمة مليار دولار، في خطوة ضمن مفاوضات أوسع لإعادة هيكلة الدين بعد تعثر البلاد عن سداد سندها الدولي أواخر 2023، وبالتوازي مع التزاماتها تجاه برنامج الصندوق.
وبينما يقدّم صندوق النقد إصلاح سعر الصرف كجزء من حزمة تهدف إلى تحسين كفاءة تخصيص الموارد وتقليص التشوهات، تُبرز نتائج القوائم المالية للبنك المركزي أحد “كلفة الانتقال” المحتملة: تضخم خسائر إعادة التقييم على الالتزامات المقومة بالدولار في بيئة يتراجع فيها سعر العملة المحلية. ومع استمرار الإصلاحات، ستتركز الأنظار على كيفية إدارة الحكومة والبنك المركزي لمعادلة الاستقرار النقدي من جهة، وإعادة بناء متانة الميزانية العمومية للبنك المركزي من جهة أخرى، بما يحد من مخاطر انتقال هذه الخسائر إلى المالية العامة والاقتصاد الحقيقي.