الأحد 19 أبريل 2026
يمنح الموقع الجغرافي الاستراتيجي القارة الأفريقية خريطة بحرية متميزة، جعلتها وجهة عالمية مثلى؛ قديما للاستعمار وحديثا للاستثمار، فهي تضم 38 دولة؛ أي ما يعادل 70 ٪ من بلدان القارة دول ساحلية أو جزرية، ناهيك عن خط ساحلي يزيد طوله عن 47 ألف كلم يجمع بين البحار والمحيطات، يعزز شبكة الموارد المائية الداخلية التي تشكل الأنهار والبحيرات أساسها المتين في القارة.
قدرات مائية هائلة داخلية وأخرى محيطة بالقارة من كل الجوانب؛ فشمالا يحدها البحر الأبيض المتوسط، ومن الجنوب المحيطين الهندي والأطلسي، في الشرق البحر الأحمر وقناة السويس والمحيط الهندي، ثم المحيط الأطلسي من الغرب، ما يمنح أفريقيا إمكانيات للدخول إلى عالم الاقتصاد الأزرق من أوسع أبواب؛ بتقوية الاستثمارات في الملاحة البحرية، خصوصا وأن 80 ٪ من التجارة العالمية تتم عن طريق البحر، وكذا حسن استغلال الثروات السمكية أحد القطاعات الواعدة في الاقتصاد الأزرق.
وعت القارة في السنوات الأخيرة بأهمية ما يخترقها ويحفها من مؤهلات كامنة، فعمدت إلى تنظيم مؤتمر دولي، في العاصمة الكينية نيروبي، في خريف 2018، شهد مشاركة ممثلين عن 184 دولة، تحت عنوان "الاقتصاد الأزرق وأجندة 2030 للتنمية المستدامة"، استعرض واقع الموارد الساحلية والبحرية والفرص التي يتيحها هذا الاقتصاد في مختلف المجالات (التجارة والصيد والنقل والسياحة...)، فهو المفتاح الأساسي لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وضمان الأمن الغذائي في أفريقيا.
تشهد أفريقيا اختلالا بيّنا في الإنتاج السمكي مقارنة بالموارد المائية الهامة التي تتوفر عليها، فالقارة لا تساهم ذاتيا سوى بنحو 14,4٪ من الإنتاج العالمي، وفق لإحصائيات منظمة الفاو. تواضع الأرقام في القطاع التي يعد الأكبر في قطاعات الاقتصاد الأزرق، بدت واضحة في مساهمته، فإجمالي المشتغلين في مصائد الأسماك لا تتعدى 12 مليون شخص في القارة، يوَّلِدون قيمة مضافة تُقدر بنحو 24 مليون دولار؛ أي ما يعادل 1,26 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأفريقية.
انعكس ذلك على نصيب الأفارقة من استهلاك ثرواتهم السمكية، فأبناء القارة، وحتى عام 2001 لم يتمكنوا من بلوغ معدل الاستهلاك العالمي لعام 1961 (9,1 كلغ/ للفرد)، حيث كان نصيب المواطن الأفريقي 7,8 كلغ فقط، ما جعلها في ذيل قائمة القارات من حيث الاستهلاك العالمي للأسماك. إذا كان هذا الحال قبل عقدين، فكيف هو اليوم يا تُرى مع بلوغ معدل الاستهلاك العالمي 20,7 كلغ للفرد في عام 2022؟
تذهب الثروات السمكية الأفريقية، غرار باقي خيرات القارة، نحو أوروبا والصين واليابان، فالاتحاد الأوروبي لوحده أبرم 12 اتفاقا مع بلدان القارة لتنظيم عمليات صيد الأسماك، تخسر بموجبها القارة سنويا 11 مليار دولار كل عام، ناهيك عن خروقات بالجملة في علميات الصيد، ما يهدد الثروة السمكية بالعديد من المناطق في القارة.
صفقات غير عادلة، تنال بموجبها الدول زهاء 104 مليون دولار؛ تشمل مبلغ الصفقة مضاف إليها رسوم أصحاب السفن نظير تراخيص الصيد. يُرتقب أن تنتهي في مجملها ما بين عامي 2026 و2029، باستثناء السنغال التي أعلنت رفضها التجديد بعد انتهاء الاتفاقية، صيف العام الماضي، في انتظار مراجعة بنودها، بشكل يستجيب للمصالح الوطنية للبلد. فيما جدّدت غينيا بيساو الاتفاق مع دول الاتحاد الأوروبي، قبل أسابيع خلت، بعد انتهائه في سبتمبر/ أيلول، عقب مفاوضات انتزعت بواسطتها بعد المكاسب.
خلق التنافس العالمي على القارة الأفريقية باعتبارها قارة المستقبل ثورة في السواحل الأفريقية في العقود الأخيرة، فتزايد الإقبال على تشديد الموانئ وتحديث الموانئ القديمة حتى تواكب متطلبات الملاحة البحرية على الصعيد العالمي. ما أضفى دينامية على الجهات الثلاث لإفريقيا (الشمال والشرق والغرب) تعزز تلك الدينامية التقليدية المسجلة بموانئ جنوب القارة (جنوب أفريقيا ومدغشقر وموريشيوس وناميبيا...).
تحتل منطقة الشمال الأفريقي الصدارة في ارتباطها بمجال النقل البحري، فميناء طنجة المتوسطي الواقع على أحد أهم المضائق حول العالم؛ جبل طارق الفاصل بين قارتي أوروبا وأفريقيا، يرتبط مع 186 ميناء حول العالم موزعة على 74 بلدا. وصنفه تقرير البنك الدولي لعام 2023 في المرتبة الرابعة في قائمة أكثر الموانئ تنافسية في العالم، من أصل 405 ميناء شملها تقرير "مؤشر أداء ميناء الحاويات 2023". يتلوه ميناء بور سعيد المصري في المركز الثاني على الصعيد القاري (16 عالميا).
في الشرق، تحظى موانئ صوماللاند والصومال وجيبوتي وكينيا بدور محوري متزايد، فهناك أكثر من 8 موانئ بحرية متطورة، تربط المراكز التجارية الناشئة هناك بدول آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وزاد اندماج هذه الموانئ في مشروعين متعارضين؛ مبادرة "الحزام والطريق" الصينية وممر التنمية الآسيوي الأفريقي الهندي الياباني عاملا إضافيا، عزز من الصراع عليها. يتصدر ميناء بربرة في صوماليلاند الذي تديره شركة موانئ دبي العالمية قائمة موانئ الشرق الأفريقي، بحكم موقعه بمضيق باب المندب، حيث تمر 40 ٪ من حركة المرور البحرية. وبحسب تقرير البنك الدولي الخاص بأفضل أداء للموانئ في العالم، تم تصنيف ميناء بربرة كأفضل ميناء في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في عام 2023. كما احتل المرتبة 103 في التصنيف العالمي الإجمالي.
تحاول بلدان ساحل غرب ووسط أفريقيا الدفع بالموانئ الرئيسية مثل: كريبي (الكاميرون) وميناء لومي (التوغو) وميناء أبيدجان (ساحل العاج) وميناء ليكي (نيجريا) وميناء تيما (غانا)... في قائمة تضم 130 ميناء على خط غرب أفريقيا مستغلة طفرة الملاحة البحرية في القارة. فالسنغال مثلا أطلقت عام 2022 ندايان في المياه العميقة بشراكة بقيمة مليار دولار مع موانئ دبي، ما سيجعل من داكار مركزا لوجستي رئيسي وبوابة غرب أفريقيا نحو القارتين الأوروبية والأمريكية.
تعد الصين أكبر المحركين لهذه الدينامية بالسواحل الأفريقية، بأساليب شتى بحسب أهمية وحاجيات البلد، تتراوح ما بين التشييد أو التمويل أو التطوير والتشغيل، فالأرقام تتحدث عن حضور صيني في نحو 50 ميناء أو محطة بحرية في 25 دولة من أصل 38 دولة ساحلية بالقارة. يتوزع الحضور الصيني بين الشرق، حيث ترعى بكين 21 ميناء على البحر الأحمر والمحيط الهندي، والغرب الأفريقي بأكثر من 28 مشروعا تمتد على طول المحيط الأطلسي، ولديها في الشمال الأفريقي 5 موانئ معظمها في مصر.
على غرار التنافس على الموارد الطبيعية والنفوذ داخل القارة، تشهد معظم سواحل أفريقيا حربا حامية الوسيط بين الكبار على أهم المناطق الاستراتيجية البحرية، فهي جسر العبور نحو خيرات ومغانم الداخل، ما يجعل دوائر الصراع في تزايد مستمر؛ في الشمال نظرا لقربه من القارة الأوروبية، وفي غرب القارة لاعتبارات تاريخية عززتها معطيات الحاضر، أما الشرق وتحديدا منطقة القرن الأفريقي الواقعة على مضيق باب المندب وخليج عدن فتحولت إلى ساحة دولية للعديد من الأجندات الخارجية.
تسعى إثيوبيا أكبر دولة حبيسة في العالم بقوة إلى "تحرير نفسها من سجن الجغرافيا"، بتعبير رئيس الوزراء أبي أحمد، وذلك بإيجاد موطئ قدم لها في البحر الأحمر، يخولها لعب أدوار جيوسياسية واستراتيجية أكبر في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل والبحيرات الكبرى. ما دفعها إلى توقيع مذكرة تفاهم بين أديس أبابا وهرجيسا مطلع العام الماضي، تقضي بمنح إثيوبيا وصولا إلى ساحل خليج عدن، بجانب قاعدة بحرية هناك، في سابقة من نوعها بالمنطقة. لكن الوساطة التركية التي عُرفت باسم "ْإعلان أنقرة" بين الصومال وأثيوبيا قد تغير من مسار الاتفاقية آو تدخل بنودًا جديدة فيها، وهو أمر لم يتضح بعد.
يدافع آبي أحمد عن هذا الاختيار الذي وصفه مراقبون ب"العقيدة المركزية" لدى الرجل، معتبرا أن "غياب مرفأ بحري يمنع إثيوبيا من أن تتبوأ مكانتها في أفريقيا"، مستندا في ذلك إلى الكلفة المرتفعة لعملية الاستيراد والتصدير، فنسبة 95 ٪ من التجارة الخارجية الإثيوبية للبلاد لها فاتورة سنوية ثقيلة تتعدى المليار دولار سنويا من الرسوم، مبلغ مرتفع يعمق مشاكل دولة مثقلة بالديون، ما يجعل البحث عن منفذ ضرورة قصوى.
حاول المغرب من جهته استغلال نفوذه البحري في سياسة التغلغل في أفريقيا، فطرح في 6 نونبر/ تشرين الأول 2023 "المبادرة الأطلسية" الرامية إلى مساعدة بلدان الساحل (مالي وتشاد والنيجر بوركينافاسو) على الولوج إلى المحيط الأطلسي، في خطوة يرمي وراءها المشاركة في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية بمنطقة الساحل وجنوب الصحراء، في رد غير مباشر على تعليق انضمامه للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، بالدعم غير المباشر لتحالف الساحل بتوفير بدائل من شأنها المساعدة في تحقيق الاستقرار بالمنطقة.
لكن الرهان الأكبر للمغرب من الخطوة هو ضمان تنشيط ميناء الداخلة الأطلسي الذي يرتقب نهاية الأشغال فيه مطلع عام 2028، ليساهم في تعزيز الحضور المغربي في أفريقيا، خصوصا بلدان الساحل حيث تعد مالي الوجهة الثالثة للاستثمارات المغرب في القارة. ناهيك عن زيادة الحضور في القارة، فخلال عقدين قفزت صادرات المملكة من 300 مليون دولار إلى أكثر من 3 مليارات دولار (2004-2024).
صورة أخرى لاستغلال البحر لجني مكاسب سياسية واقتصادية، على غرار ما قامت به صوماليلاند، يقوم بها المغرب في غرب أفريقيا، بتميكن دول حبيسة من منافذ تسمح لها بولوج البحر نظير عوائد في السياسة والاقتصاد وحتى الجيوسياسي، ما يجعل السواحل والبحار ثروات في حد ذاتها، ما على الدول الأفريقية سوى حسن استغلالها واستثمارها لما يخدم مصالح الدول.