الأحد 8 مارس 2026
في شمال‑شرق نيجيريا تتصاعد الأزمة الإنسانية بشكل حاد نتيجة تداخل الجفاف الممتد مع الصراع المسلح المستمر منذ أكثر من عقدين، ما يضع ملايين السكان في مواجهة مباشرة مع انعدام الأمن الغذائي وفقدان سبل العيش. تعتمد معظم المجتمعات في ولايات بورنو وأداماوا وويوبي على الزراعة التقليدية وتربية المواشي، لكن قلة التساقطات المطرية في السنوات الأخيرة، وتقلص بحيرة تشاد أدى إلى فقدان مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي، مما يزيد من هشاشة الأسر، ويجعلها أكثر عرضة للجوع والفقر. تشير الدراسات إلى أن أكثر من 6 ملايين شخص سيواجهون نقصاً شديداً في الغذاء خلال الأشهر المقبلة، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال الذين يعانون بالفعل من سوء التغذية الحاد، بما في ذلك الوذمة وفقدان الوزن الحاد، وهي حالات تهدد حياتهم إذا لم تتدخل الجهات الإنسانية بشكل عاجل.
تتفاقم الأزمة البيئية بفعل الصراع المسلح المستمر مع جماعات مثل بوكو حرام والفروع المتطرفة التابعة لها، حيث أدى النزاع إلى تهجير أكثر من مليوني شخص داخليًا، وتحويل القرى والمدن الصغيرة إلى مناطق غير آمنة، مما يعطل الزراعة والتجارة والتوظيف، ويحد من قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين. مع تزايد العنف، أصبحت القرى النائية شبه معزولة، ما يدفع السكان للجوء إلى مناطق أكثر أماناً، إلا أن موارد المعيشة محدودة هناك أيضاً.
تضاف إلى ذلك تحديات مالية، إذ أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه قد يضطر إلى وقف المساعدات الغذائية الطارئة لما يقرب من 1.3 مليون شخص بحلول نهاية يوليو/تموز 2026، إذا لم يتم تأمين تمويل عاجل، وهو ما قد يزيد من معدلات سوء التغذية والوفيات بين الأطفال والنساء وكبار السن. وتبلغ نسبة الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد في بعض مناطق بورنو وأداماوا أكثر من 15٪، ما يضع المنطقة ضمن مناطق الطوارئ الإنسانية القصوى حسب تصنيف الأمم المتحدة.
من الناحية التحليلية، تعكس هذه الأزمة فشلاً مزدوجاً في مواجهة التحديات البيئية والأمنية. ضعف البنية التحتية وانعدام التنسيق بين السلطات المحلية والدولية يزيد من صعوبة إيصال المساعدات، بينما تعتمد المجتمعات على الزراعة التقليدية التي لا تتحمل تقلبات المناخ أو تأثير النزاع المسلح، ما يخلق حلقة مفرغة من الفقر والجوع والنزوح. ويشير خبراء إلى أن استمرار هذه الأزمة قد يؤدي إلى زيادة نشاط الجماعات المسلحة، واستغلال هشاشة السكان لتوسيع مناطق نفوذها، إضافة إلى تراجع الاستقرار المجتمعي على المدى المتوسط.
من منظور أمني، تتركز الهجمات المسلحّة في مناطق بورنو وأداماوا ويوبي، حيث تتعرض القرى لنهب المحاصيل والمواشي وتهجير السكان، مما يزيد من حدة انعدام الأمن الغذائي، ويعيق وصول المساعدات. علاوة على ذلك، فإن استمرار هذه الظروف يجعل السكان أكثر عرضة للأمراض المرتبطة بسوء التغذية ونقص المياه النظيفة، مما يزيد من الضغط على النظام الصحي المحلي، الذي يعاني بدوره من نقص الموارد والمعدات الطبية.
تستدعي هذه الأزمة استجابة دولية شاملة ومتكاملة تشمل مزيجاً من المساعدات الطارئة طويلة الأجل، وتحسين نظم الري والزراعة، وتنمية سبل العيش البديلة، إلى جانب تعزيز الأمن المحلي لمواجهة التهديدات المسلحة. كما يجب أن ترافق التدخلات الإنسانية استراتيجيات سياسية لتقوية مؤسسات الدولة، وتحسين التنسيق مع المنظمات الدولية، لضمان استدامة الحلول، وتقليل هشاشة السكان في مواجهة الصدمات المستقبلية.