تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

الإيمان بالديمقراطية: حملة الكنيسة من أجل الديمقراطية الليبرالية في أفريقيا!

10 يناير, 2026
الصورة
الإيمان بالديمقراطية:  حملة الكنيسة من أجل الديمقراطية الليبرالية في أفريقيا!
Share

يحاول كتاب كيت بالدوين " الإيمان بالديمقراطية: منطق المناصرة الكنسية للمؤسسات الديمقراطية الليبرالية في أفريقيا" (2026)، عبر أربعة أقسام متضمنة لتسعة فصول، الإجابة على سؤال رئيس وهو لماذا تتجه بعض الكنائس في أفريقيا لتأييد مؤسسات الديمقراطية الليبرالية، وأن تكون أكثر قوة، فيما تتفادى أخرى مثل هذه المطالب؟ وتتبنى بالدوين مقاربة استفادة الكنائس من الحماية التي توفرها لها "الديمقراطية الليبيرالية" في القارة.

توجز "نظريتها" التي تطبقها على كل من زامبيا وتنزانيا وغانا، أنه في سياقات تستثمر فيها الكنيسة في المدارس وقطاع التعليم ضمن أنشطتها التبشيرية، تكون لهذه الكنائس حوافز للدفاع عن المؤسسات الديمقراطية الليبرالية من أجل حماية سيطرتها عليها، وتوضح هذه النظرية كيف يتفاعل الاعتماد المالي للكنائس على الدولة مع تقديم التعليم من أجل تغيير محفزات هذه المطالبة.

ترتبط أسس الديمقراطية الليبرالية ذاتها من جهة الإجراءات السياسية، ومنها عملية صنع القرار والإدارة التي لا يقوم بها المواطن بشكل مباشر، بل عبر جهات نيابية تقوم بدورها بسن القوانين وتطوير السياسات وتوجيه موظفي الدولة لتطبيقها، أخذًا في الاعتبار، كما لاحظ باتريك دونليفي وبرندان أوليري في كتابهما المرجعي عن "نظريات الدولة: سياسة الديمقراطية الليبرالية" (1987)، أن وصف الليبرالية الملحق بالديمقراطية (Liberal Democracy) يشتق من النزعة الليبرالية، وهي أيديولوجيا سياسية تسبق الديمقراطية في وجودها، وتؤكد على وجوب تحقق قدر كبير من الحرية الفردية في أي مجتمع تتناسب مع حرية الآخرين.

نمت هذه النزعة بشكل كبير في القرنين السابع عشر والثامن عشر كرد فعل فلسفي ـ بالأساس- ضد الدوغمائية الكاثوليكية، وضد حكم الأسر المالكة المطلق في أوروبا حينذاك. ويمكن أن يكشف لنا هذا الترابط، بين الدوافع الدينية لظهور الديمقراطية الليبرالية ودعوة ميلز لدفاع الكنيسة (البروتستانتية والكاثوليكية في الحالات الراهنة التي تدرسها) عن تلك الديمقراطية ومؤسساتها في أفريقيا في الوقت الحالي، عن عمق مضمون هذا الكتاب وخطورة أفكاره فيما تواجه أفريقيا ودولها إشكالات جوهرية في صميم وجودها واستمراره.

نظرية حول الكنيسة والديمقراطية الليبرالية

تستهل بالدوين القسم الأول من الكتاب، الذي يتناول "النظرية" المقصودة هنا، بتجربة هامة وكاشفة في ارتباط مصالح الكنيسة بسلامة مؤسسات الديمقراطية الليبرالية (لاسيما المؤسسات النيابية التنفيذية والتشريعية)، ألا وهي تجربة "مؤتمر زامبيا للأساقفة الكاثوليك" Zambia Conference of Catholic Bishops (ZCCB) الذي عارض علنًا سياسات الرئيس السابق إدغار لونجو المناهضة للمؤسسات الديمقراطية الليبرالية في الفترة 2015-2021، وارتاد المؤتمر، حسب تفاصيل أوردتها بالدوين لاحقًا، حركة المعارضة السياسية للونجو متفوقًا على مجموعات من الناشطين الشباب والنقابات والجماعات الراديكالية في زامبيا. كما مثل المؤتمر تجربة بارزة أفريقيًا مقارنة بفشل كنائس أخرى، مثل: الكنيسة اللوثرية في ناميبيا، والأساقفة الكاثوليك في بنين رغم نفوذهم السياسي الكبير في بلدانهم في مواجهة هذه القضايا السياسية صراحة.

تناول قدرات وحدود الكنائس في حشد أطراف متنوعة بهدف محدد للغاية، وهو لفت انتباه المواطنين لتأثر عمل المؤسسات الديمقراطية الليبرالية عليهم؛ أي بمنأى عن تصور الآثار السياسية الآنية والمباشرة التي تلفت انتباه المواطن تقليديًا

تقوم أولى فرضيات نظرية بالدوين على تفكيك رؤية راسخة، حسب عرضها، مفادها أن أي تدخل كنسي (أو لمؤسسة دينية ما) في السياسة يكون مقيدًا للديمقراطية، وذلك استنادًا لتجربة الكنيسة الكاثوليكية (تحديدًا) في أوروبا وأمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر، حيث كانت من أشد مناوئي إدخال الديمقراطية الليبرالية، كما أعلنها صراحة البابا بيوس التاسع (تولى رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في روما 1846-1878)، واستندت بالدوين في تفكيكها لهذه الرؤية إلى التغير الكبير في رؤى الكنيسة الكاثوليكية منذ مجلس الفاتيكان الثاني في الستينيات، وإلى فكرة بالغة الأهمية، وهي أن المسيحية جاءت بالكثير من القيم التي تجل حقوق الإنسان، لكنها لم تحتو تعاليمًا واضحة حول شكل الحكم.

سردت بالدوين في سياق تنظيرها لصلة الكنيسة بالديمقراطية الليبيرالية أمثلة لحملات كنسية "ناجحة" في زامبيا وغانا وتنزانيا دفاعًا عن مؤسسات هذه الديمقراطية، والتي نظر لها قادة تلك الدول في مراحل مختلفة على أنها تهديد لنظمهم؛ واتهموا الأساقفة في تنزانيا بنشر التضليل الإعلامي. كما هددت السلطات التنزانية الأساقفة الكاثوليك واللوثريون بفرض حظر على سفرهم ومواجهة تحركهم إن لم يرتاجعوا عن انتقاداتهم. ودعا الحزب الحاكم في بوروندي إلى تجريد الأساقفة من رتبهم بعد بيانات أصدروها بدعم حقوق المعارضة في البلاد. وتخلص بالدوين إلى أن "الديمقراطية الليبرالية" بمؤسساتها القوية توفر أكبر ضمانة ممكنة لاستقلال الكنيسة.

وعززت الأحداث التي شهدتها زامبيا مطلع العام الجاري فرضية بالدوين بشكل كبير؛ فقد استدعت السلطات الزامبية رئيس الأساقفة أليك باندا للمثول أمام وحدة تحقيقات مكافحة غسيل الأموال في 5 يناير/كانون الثاني الجاري، الأمر الذي رد عليه مؤتمر الأساقفة الكاثوليك ببيان تضامني مع باندا وجميع أبناء الكنيسة الكاثوليكية "في مواجهة الهجمات الجارية ضد رسالة الكنيسة وقيادتها"، وما وصفه المؤتمر "باضطهاد رعاية الدولة" ضد باندا، وأن موقف السلطات هو محاولة لإسكات صوت "راعي أبرشية لوساكا"، ومواصلة اضطهاد الدولة له، قبل أن يؤكد البيان وقوف الكنيسة الكاثولييكة لسنوات "منارًا للعقيدة والعدل وخدمة شعب زامبيا"، مما يشير ضمنًا إلى موقف الكنيسة الداعم "للديمقراطية الليبرالية"، وتلقيها ضربات جراء موقفها هذا، بغض النظر عن تفاصيل الاتهام الرسمي الموجه لباندا أو حيثياته.

التعليم الكنسي داعمًا للديمقراطية الليبرالية

تناول القسم الثاني من الكتاب مسألة الاستدلال على نشاط الكنيسة الداعم للديمقراطية الليبرالية، لاسيما في مجل التعليم "في أفريقيا جنوب الصحراء"، واعتبرته بالدوين طريقًا ثالثًا مأمونًا بين نشاط سياسي قوي انخرطت فيه بعض الكنائس، وحالة عزلة ملموسة نشدتها كنائس أخرى آثرت التفرغ للعمل التبشيري. وفضلت بالدوين، في الفصل الرابع من الكتاب، النظر للنشاط الكنسي (السياسي والمجتمعي بشكل عام) من زاوية المجتمع المدني، ووفق معيار "سوقي" (religious marketplace) بتعبير بالدوين، بمعنى "أن الكناس التي تواجه مستويات منافسة مرتفعة لديها حوافز أكبر لتقديم منتجات جذابة لمستهلكيها".

وصفت بالدوين هذه "النظرية" بأنها طورت في البدء لتفسير استجابة الكنائس للطلب الاستهلاكي على المنتجات الدينية والنشاط السياسي الذي قامت به تلك الكنائس، لاسيما في أمريكا اللاتينية، دون أن تشير مباشرة للاهوت التحرير وفق تنظير غوستافو جوتيريز ميرينو (G. Gutierrez Merino)، الذي يبدو أنه كان راديكاليًا للغاية بالنسبة لرؤية بالدوين الحالية.

وقوف الكنيسة الكاثولييكة لسنوات "منارًا للعقيدة والعدل وخدمة شعب زامبيا"، مما يشير ضمنًا إلى موقف الكنيسة الداعم "للديمقراطية الليبرالية"، وتلقيها ضربات جراء موقفها هذا، بغض النظر عن تفاصيل الاتهام الرسمي الموجه لباندا أو حيثياته

كما رأت بالدوين أن الكنائس التي تملك نظمًا تعليمية كبرى تجنح بشكل كبير للدفاع عن الديمقراطية الليبيرالية ومؤسساتها، باعتبارها وسيلة لحماية استثماراتها، ودفع ضغوط الحكومات عنها من الناحيتين التنظيمية والمالية، مع ملاحظة إشكالية ترتبط بقدرة المؤسسات السياسية الديمقراطية على حماية استقلال مدارس الكنائس، لكنها تظل أقل تأثيرًا في تأمين تحويلات مالية من الدولة، لأن هذه المؤسسات تكون خاضعة في عملها لتناقض في الأولويات. وتختبر بالدوين في الفصلين الرابع والخامس هذه الفرضيات بنوع من التفصيل الذي تعززه إحصاءات وبيانات غزيرة ودالة للغاية.

واختتمت بالدوين خلاصاتها في هذا الصدد بالتأكيد على أن إطار ما تسميه "السوق الديني" يمكن أن يطبق في بعض الأحيان لفهم النشاط السياسي الذي تقوم به الكنائس، لاسيما في أمريكا اللاتينية، لكن أحد تحديات تطبيق هذا الإطار في أفريقيا جنوب الصحراء، مدار العمل الحالي، أن جميع الكنائس في هذا الإقليم تواجه مستويات كبيرة من المنافسة على ضم أبناء الأبرشيات، مع ملاحظة بالدوين أن زامبيا هي الدولة الوحيدة في أفريقيا التي تقر بالمسيحية دينًا رسميًا لها، في إشارة مبطنة من بالدوين لأوضاع التنوع/ التنافس الديني في بقية دول أفريقيا جنوب الصحراء.

حزام الديمقراطية الليبرالية في أفريقيا

تركز بالدوين في القسم الثالث من الكتاب على تناول التجارب السياسية الراهنة لمطالب الكنيسة بحماية مؤسسات الديمقراطية الليبرالية في ثلاثة دول أفريقية، تتميز بالفعل بهوامش كبيرة نسبيًا من الديمقراطية، وهي: زامبيا وتنزانيا وغانا؛ وكلها دول تشهد عمليات ديمقراطية منتظمة، بما فيها انتخاب رئيس الجمهورية بسبل ديمقراطية سليمة ومستقرة، منذ عقدين على أقل تقدير.

تناولت بالدوين في الفصل السادس قدرة الكنائس في كل من زامبيا وتنزانيا (في إطار فترة زمنية محددة وهي 2017-2021) على حشد الفاعلين المحليين والدوليين، بمن فيهم النخب السياسية، لتنظيم فعاليات داعمة للديمقراطية الليبرالية في البلدين المعنيين، وكذا عبر "تقديم معلومات ذات مصداقية وديناميات تنسيق تؤدي لاحقًا إلى (سهولة) تنظيم النخب السياسية، والمواطنين، واللاعبين الدوليين للدفاع عن مثل هذه المؤسسات" حسب نص بالدوين.

زامبيا هي الدولة الوحيدة في أفريقيا التي تقر بالمسيحية دينًا رسميًا لها، في إشارة مبطنة من بالدوين لأوضاع التنوع/ التنافس الديني في بقية دول أفريقيا جنوب الصحراء

كما تكشف بالدوين عن تبني الكنائس سياسات واستراتيجيات تهدف في النهاية إلى حشد الدعم للديمقراطية الليبرالية، وتستند بالأساس على تغيير آراء المواطنين (والمعنيين الدوليين كما يفهم من السياق) والسلوك المنسق لجمهور الناخبين بالغ التنوع. وترى الكاتبة أن للكنائس قدرة على التأثير الإيجابي على مستوى المؤسسات الديمقراطية الليبيرالية في دولها، عبر حشد مجموعة متنوعة من المواطنين والنخب السياسية واللاعبين الدوليين للتحرك دفاعًا عن تلك المؤسسات، وتعتمد الكنائس في مسعاها، عند تعذر تكوين تحالف واسع للغاية من هذه الأطراف، على عدد صغير من أفراد النخب السياسية لطرح اهتمامات الكنيسة السياسية.

ركزت بالدولين في بقية القسم على تناول قدرات وحدود الكنائس في حشد أطراف متنوعة بهدف محدد للغاية، وهو لفت انتباه المواطنين لتأثر عمل المؤسسات الديمقراطية الليبرالية عليهم؛ أي بمنأى عن تصور الآثار السياسية الآنية والمباشرة التي تلفت انتباه المواطن تقليديًا.

طرح القسم مقاربة ثرية حول تجربة كل من زامبيا وتنزانيا في سياق رؤية بالدوين وجهدها البحثي للإجابة على تساؤلاتها التي طرحتها في مفتتح الكتاب. وخلصت إلى أن الكنيسة في زامبيا (التي تحولت للتعددية الحزبية في تسعينيات القرن الماضي) أظهرت مقدرة خاصة على حشد عموم الناخبين لصالح الديمقراطية الليبرالية ومؤسساتها؛ بينما لم تحقق الكنيسة في تنزانيا نفس القدر من نجاح مثيلتها في زامبيا، وأرجعت ذلك إلى الوضع "الديني" في تنزانيا؛ حيث تشير تقديرات مختلفة إلى أن نسبة المسلمين في البلاد في حدود 35-40٪ من السكان، ما يخرج نسبة كبيرة من أهداف الكنيسة هناك.

أما غانا فقد خصتها بالدوين بالفصل السابع وبالمقارنة مع زامبيا التي يبدو أنها تستحوذ على اهتمام الكتاب، باعتبارها حالة مثالية للغاية لموضوعه وفرضياته؛ وتتبعت في تناولها تأثير الديمقراطية الليبرالية على السياسة التعليمية هناك، وهو التتبع الذي يتفق مع غرض الكتاب بدراسة الكنائس التي تملك نظمًا تعليمية هامة أو كبيرة، ورأت ببراغماتية واضحة أنه بمقدور الكنائس في غانا تعبئة جمهور كبير من الناخبين لدعم المؤسسات الديمقراطية الليبرالية، وأن تقوم الأخيرة بدورها بخلق فرص أمام المدافعين عن سياساتها بتعميق مصالح سياسة التعليم الكنسي في البلاد.

اختتمت بالدوين الكتاب بقسم رابع عن نتائج الدراسة وما يمكن البناء عليه منها في المستقبل؛ ومن هذه النتائج التأكيد على أن مدارس الكنائس تمثل حاضنة مثالية لتعزيز قيم المواطنة، سواء في زامبيا التي تبدو دولة مسيحية مثالية أو في تنزانيا التي تشهد انقسامًا دينيًا بوجود أقلية مسلمة كبيرة إذا جاز التشبيه. كما طرحت بالدوين فرضية عن تنظير الدور الخاص للمدارس التي تديرها الدولة مقابل نظيرتها التي تديرها الكنيسة في الدول الثلاثة المعنية على قيم المواطنة لدى طلاب هذه المدارس، ولاسيما التي تديرها الحكومة.