الثلاثاء 6 أكتوبر 2026
رغم توقف هدير المدافع، فإن الحرب لا تنتهي بالضرورة عندما تصمت البنادق؛ فقد تظل آثارها ممتدة في الأرض، وفي الذاكرة، وفي علاقات المجتمعات، وفي شكل توزيع القوة والثروة. وهذا ما تبدو عليه الحالة في كاودا وجبال النوبة، حيث أخذ التوتر بين مكوّن الأطورو والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال يتجاوز حدود الخلاف السياسي أو العسكري، ليكشف عن أسئلة أكثر تعقيداً تتصل بالأرض والحدود والموارد والتمثيل وميراث عقود طويلة من الحرب.
هنا تبرز الآثار الاجتماعية والاقتصادية للتوتر بين مكوّن الأطورو والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، في جبال النوبة، باعتبارها مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة الأزمة الراهنة. فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يسيطر على الأرض أو من يمتلك قرار الأمن، وإنما بما أحدثته سنوات الحرب من تحولات في أنماط الاستقرار والهجرة والعودة، وبما فرضه صعود الذهب كمورد اقتصادي جديد من إعادة ترتيب المصالح وموازين النفوذ بين المكونات المحلية.
لقد كان الأطورو، مثل غيره من مكونات جبال النوبة، جزءاً من تاريخ طويل من المقاومة المسلحة، ودفع ثمناً بشرياً واجتماعياً واقتصادياً كبيراً خلال عقود الصراع. لكن التحولات التي أفرزتها الحرب السودانية الراهنة، وتبدل التحالفات السياسية والعسكرية، وتغير قيمة الأرض والموارد، أعادت طرح سؤال قديم في سياق جديد، ماذا يحدث عندما تتحول الشراكة التي جمعت مكونات المجتمع في مواجهة خصم مشترك إلى تنافس على شروط المستقبل؟
إن خطورة ما يجري لا تكمن في الخلاف ذاته، فالخلاف السياسي والاجتماعي قابل للاحتواء، وإنما في احتمال انتقاله من مستوى المؤسسات والقيادات إلى مستوى المجتمع، ومن التنافس على القرار إلى التنافس على الأرض والذهب ومصادر الدخل. وعند تلك النقطة يصبح النزاع أكثر قابلية للاستمرار، لأن جذوره لا تعود مرتبطة بقرار سياسي يمكن تغييره، بل بمصالح اقتصادية وحدود اجتماعية وذاكرة جماعية يصعب تفكيكها.
يحاول هذا المقال قراءة التوتر في كاودا من زاوية تتجاوز الحدث الآني، للبحث في جذوره وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية، وفي ما يمكن أن ينتج عنه إذا لم تُفتح مبكراً مسارات للحوار وإعادة بناء الثقة، والفصل بين الانتماء الاجتماعي والموقف السياسي والعسكري.
لم تعد التوترات التي تشهدها منطقة كاودا في إقليم جبال النوبة/جنوب كردفان مجرد خلاف محلي بين مكوّن اجتماعي والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، بل باتت تعكس تحولات أعمق فرضتها الحرب السودانية الراهنة، وتبدّل التحالفات السياسية والعسكرية، وتصاعد أهمية الموارد الطبيعية، ولا سيما الذهب والأراضي الزراعية.
تكتسب هذه التوترات حساسية خاصة بالنظر إلى التاريخ الطويل الذي جمع مكوّن الأطورو بالحركة الشعبية لتحرير السودان، في مسار امتد لنحو أربعة عقود من المقاومة المسلحة ضد السلطة المركزية في الخرطوم، فقد كان كثير من أبناء الأطورو جزءًا من الحرب، وقدموا مقاتلين وضحايا، كما شاركوا في المؤسسات السياسية والإدارية للحركة. ولذلك، يمكن فهم ما يحدث اليوم عبر الإجابة على سؤال جوهري، ماذا تبقى من الشراكة القديمة بعد أن تغيرت طبيعة الحرب والتحالفات وموازين القوة ومصالح الموارد؟
يرتبط تاريخ الأطورو في الحرب الطويلة بجبال النوبة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الحركة الشعبية. وكان من نتائج ذلك الارتباط أن آلافاً من أبناء الأطورو غادروا جبال النوبة باتجاه إثيوبيا في ثمانينيات القرن الماضي، في واحدة من موجات الهجرة التي اتصلت بالحركة الشعبية ومسار التعبئة للحرب. كانت الرحلة قاسية، وشهدت وفيات بسبب الجوع ونقص المياه والعوائق الطبيعية، قبل أن يصل الناجون إلى إثيوبيا. ولم تكن العودة أقل صعوبة. وقد خلقت تلك التجربة ذاكرة جماعية لدى أبناء المنطقة، قوامها أن مجتمعهم دفع ثمناً باهظاً في الحرب، وأن مشاركته في النضال ينبغي أن تنعكس مستقبلاً على موقعه السياسي والاجتماعي، وعلى حقوقه في الأرض والموارد.
غير أن الحرب الطويلة لم تنتج بالضرورة رؤية موحدة للمستقبل. فمع مرور السنوات تراكمت داخل مكونات اجتماعية مختلفة في جبال النوبة تصورات متباينة بشأن إدارة الحركة الشعبية، وتوزيع الموارد والمواقع، ومستقبل المناطق التي ظلت تحت سيطرتها العسكرية. ومن هنا، يمكن فهم جانب من التوتر الحالي بين الأطورو والجيش الشعبي بوصفه انتقالاً من سؤال المشاركة في الحرب إلى سؤال موقع كل مكوّن في النظام الذي قد تنتجه الحرب.
ظلت كاودا طوال سنوات الحرب مركزاً سياسياً وعسكرياً ورمزياً للحركة الشعبية في جبال النوبة. غير أن مركزية كاودا نفسها أفرزت، مع مرور الوقت، تعقيدات اجتماعية واقتصادية متزايدة، فبعض أبناء الأطورو الذين انتقلوا خلال سنوات الحرب إلى مناطق أخرى، خصوصاً هيبان ومناطق الشواية والتيرة، لم يعودوا إلى مناطقهم الأصلية بعد فترات الهدوء ووقف إطلاق النار، وكانت الأرض أحد العوامل الأساسية في ذلك. فقد وجد بعض هؤلاء أراضي زراعية أكثر ملاءمة للاستقرار والإنتاج الزراعي، إلى جانب وجود الذهب في عدد من المناطق. وهكذا، لم تعد مسألة العودة مجرد قضية سكن أو حركة سكانية، بل أصبحت مرتبطة بملكية الأرض والحق في استغلال مواردها، وإمتلاك سلطة تحديد الحدود الاجتماعية والجغرافية للمكونات. ويزداد هذا النوع من النزاعات تعقيداً في المجتمعات التي عاشت عقوداً من الحرب؛ إذ إن الحدود التي كانت مرنة خلال الحرب تتحول بعد تراجع الحاجة العسكرية إلى التحالفات، إلى حدود صلبة مرتبطة بالملكية والموارد والنفوذ.
يمثل الذهب أحد أبرز المتغيرات القادرة على إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في جبال النوبة فالمناطق التي كان يُنظر إليها في الماضي أساساً باعتبارها أراضي زراعية أو مناطق نفوذ اجتماعي، أصبحت اليوم ذات قيمة اقتصادية إضافية نتيجة نشاط التعدين الأهلي والتجاري، وتزايد اهتمام أفراد وشبكات من خارج الإقليم بالذهب.
ترسيم الحدود في بيئة غنية بالموارد لا يكون إجراءً إدارياً محايداً بالضرورة، إذ يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ على الأرض ومصادر الدخل، أو هكذا فُسر الإجراء بواسطة المتضررين
وزادت حساسية المسألة عندما تزامنت عمليات التعدين مع إجراءات ترسيم أو تثبيت الحدود القبلية على الأرض. فترسيم الحدود في بيئة غنية بالموارد لا يكون إجراءً إدارياً محايداً بالضرورة، إذ يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ على الأرض ومصادر الدخل، أو هاكذا فسر الاجراء بواسطة المتضررين. وبالنسبة إلى الأطورو، فإن وجودهم في مناطق ترتبط بالذهب والزراعة خلق مصالح اقتصادية جديدة جعل مسألة العودة منها أكثر تعقيداً. فقد بنت أسر ومجموعات أنماطاً جديدة للمعيشة والاستقرار، وأصبحت مرتبطة اقتصادياً بالمناطق التي استقرت فيها، لذلك، فإن أي محاولة لإعادة توزيع السكان أو فرض عودة جماعية إلى مناطقهم التاريخية، من دون معالجة المصالح الاقتصادية التي تشكلت خلال العقود الماضية، قد تؤدي إلى مزيد من الاحتكاك.
العامل السياسي الأكثر تأثيراً في التوتر الراهن هو التحول في خريطة التحالفات السودانية، فالحرب الحالية أعادت ترتيب العلاقات بين القوى السياسية والعسكرية بصورة غير مسبوقة، وأصبح خصوم الأمس، في بعض الحالات، شركاء في تحالفات جديدة. ويطرح هذا التحول أسئلة صعبة أمام المكونات التي قاتلت السلطة المركزية لعقود، إذا أصبح بعض أعداء الأمس جزءًا من شراكة سياسية وعسكرية جديدة، فمن هو العدو اليوم؟ ومن هو الحليف؟ وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى التضحيات التي قُدمت خلال العقود السابقة؟ وتزداد هذه الأسئلة حساسية مع الطروحات المتعلقة بإعادة تشكيل الدولة السودانية، أو إقامة ترتيبات سياسية جديدة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع والحركة الشعبية.
وبالنسبة إلى قطاعات من المقاتلين والمجتمعات التي ارتبطت بالحركة الشعبية منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن أي تصور جديد للدولة ينبغي أن يجيب بوضوح عن موقع جبال النوبة داخله، وعن مستقبل أراضيها ومواردها، وعن طبيعة العلاقة بين السلطة المحلية والمكونات الاجتماعية. فالقلق هنا لا يتعلق بالتحالف السياسي ذاته فحسب، وإنما بما قد يترتب عليه من إعادة تعريف لموازين القوة ومراكز القرار والموارد.
إلى جانب المتغيرات الخارجية، هناك تراكمات داخلية لا يمكن تجاهلها، فثمة تذمر متداول بين بعض المقاتلين والكوادر بشأن ضعف المخصصات، وطول أمد الحرب، وعدم وضوح الأفق السياسي. كما أن الشعار الذي رفعته الحركة الشعبية في مراحل سابقة حول ضرورة معالجة «جذور الأزمة السودانية» لم يعد، بالنسبة إلى بعض قطاعات القاعدة، كافياً للإجابة عن الأسئلة اليومية المتعلقة بالمعيشة والأمن والحقوق ومستقبل الأرض، ولم يقدم التحالف الجديد -تأسيس- ما يمثل ضمانات لتلك المعالجة الجذرية، وهو ما يراه البعض (إعادة تدوير للأزمة).
فبعد سنوات طويلة من الحرب، أصبح المقاتل نفسه أمام واقع مختلف تبدى في اقتصاد محلي هش، وموارد محدودة، وتراجع في فرص الزراعة، وارتفاع في قيمة الذهب، واتساع في الفجوة بين احتياجات المجتمع ومتطلبات الحرب. وتحول المقاتل من أداة في مشروع عسكري إلى فاعل اجتماعي له مصالح أسرية واقتصادية. وهذا التحول مهم جداً لفهم التوتر الحالي؛ فالمقاتل الذي حمل السلاح لعقود لا ينظر إلى الأرض والذهب والأمن المحلي بالطريقة نفسها التي تنظر بها القيادة العسكرية إلى هذه القضايا.
أخطر ما في الأزمة أن الخلاف بين الأطورو والجيش الشعبي قد ينتقل من المستوى السياسي أو العسكري إلى المستوى الاجتماعي، فجبال النوبة مجتمع متعدد المكونات، وقد حافظت القبائل والمجموعات المختلفة تاريخياً على علاقات تعاون ومصالح مشتركة، رغم وجود تنافسات محلية، لكن الحرب الطويلة أدت إلى إعادة توزيع السكان، وخلقت مناطق نفوذ عسكري، وغيّرت طرق التجارة والزراعة، وأدخلت أسلحة وثقافات سياسية جديدة إلى المجتمعات المحلية. ومع ظهور الذهب بوصفه عاملاً اقتصادياً رئيسياً تحول التنافس على الأرض إلى تنافس على مصادر الدخل، ثم قد يتحول إلى نزاع هوياتي إذا جرى تفسيره باعتباره استهدافاً لمكوّن اجتماعي بعينه. والخطورة الأكبر أن تتحول ذاكرة النضال المشترك إلى ذاكرة صراع داخلي.
المؤشرات التي تكشفها أزمة الأطورو في كاودا تقول إن المنطقة تقف أمام نوع آخر من الصراع؛ صراع لا يبدأ بالضرورة من الجبهة العسكرية، وإنما من الأرض والذهب والحدود والتمثيل والسلطة المحلية، ثم يتسع تدريجياً ليعيد تشكيل العلاقات بين مكونات المجتمع
ستكون الآثار الاقتصادية من أولى نتائج التوتر. فالزراعة، التي تمثل أحد أعمدة الاقتصاد المحلي، تحتاج إلى الاستقرار وحرية الحركة والوصول إلى الأراضي ومصادر المياه والأسواق. وأي توتر مسلح أو أمني يؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة، وتعطيل الموسم الزراعي، ورفع تكلفة نقل المنتجات. أما التعدين-الذي يدار بواسطة الحركة الشعبية بالكامل- فعلى الرغم من أنه يوفر مصدراً سريعاً للدخل، فإنه ينتج اقتصاداً غير مستقر إذا لم يخضع لإدارة محلية شفافة. كما أن دخول شبكات خارجية إلى مناطق التعدين يؤدي إلى خروج جزء كبير من القيمة الاقتصادية للذهب من المنطقة، بدلاً من توظيفه في الخدمات والتنمية المحلية. وبذلك تتحول الثروة المعدنية من فرصة للتنمية إلى عامل إضافي لإعادة إنتاج الصراع.
إن خطورة ما يجري لا تكمن في الخلاف ذاته، فالخلاف السياسي والاجتماعي قابل للاحتواء، وإنما في احتمال انتقاله من مستوى المؤسسات والقيادات إلى مستوى المجتمع، ومن التنافس على القرار إلى التنافس على الأرض والذهب ومصادر الدخل
اجتماعياً، يؤدي استمرار الأزمة إلى إضعاف الثقة بين المكونات المحلية، وكذلك بين هذه المكونات والمؤسسات العسكرية والسياسية. كما أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن ملكية الأرض والحدود ومصير السكان الذين استقروا في مناطق جديدة يخلق بيئة قابلة للنزاع مستقبلاً، حتى إذا توقفت المواجهات المسلحة. ويضاف إلى ذلك احتمال انقسام الأسر والمجتمعات بين مؤيدين للحركة الشعبية ومعارضين لها، أو بين مجموعات ترى في وجود الجيش الشعبي ضمانة للأمن وأخرى تراه مصدراً للتهديد. وهذا النوع من الانقسام أخطر من الخلاف السياسي المؤقت، لأنه يترك أثراً طويل الأمد على النسيج الاجتماعي.
لا يستقيم اختزال موقف الأطورو في كونه رفضاً للحركة الشعبية أو خلافاً مع قيادتها، فالتاريخ أكثر تعقيداً من ذلك، وهناك ذاكرة طويلة من المشاركة في النضال، وكانت هناك خلافات وتوترات سابقة، وتراكمات بشأن الإدارة والتمثيل والموارد. وفي المقابل، فإن الحركة الشعبية نفسها ليست كتلة واحدة؛ فهي تضم مقاتلين وقيادات وموظفين وناشطين ينتمون إلى مكونات اجتماعية مختلفة، وقد شهد تاريخها خلافات وانقسامات سياسية وعسكرية عديدة. لذلك، تتطلب معالجة الأزمة الابتعاد عن التعميم، وعدم تحويل الخلاف مع قيادة الحركة الشعبية إلى صراع بين القبائل، أو تحويل الموقف من الأطورو إلى موقف من مجتمع بأكمله.
إذا كان الهدف هو منع تحول الأزمة الراهنة إلى صراع اجتماعي مفتوح، فإن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط. ثمة حاجة إلى مسار محلي للحوار يضم ممثلين حقيقيين عن الأطورو والمكونات المجاورة، والقيادات المدنية، والإدارة الأهلية، والنساء والشباب، وممثلين عن الجيش الشعبي، بهدف الوصول إلى تفاهمات بشأن الأرض والحدود ومناطق الاستقرار التاريخية. وحقوق السكان الذين استقروا في مناطق جديدة خلال سنوات الحرب. وإدارة موارد الذهب ومنع احتكارها من جانب مجموعات مسلحة أو شبكات خارجية. مع ضمان حق المجتمعات المحلية في الاستفادة من موارد مناطقها. والفصل بين الانتماء القبلي والموقف السياسي والعسكري. وإعادة بناء الثقة بين المقاتلين والمجتمعات المحلية وقيادة الحركة. وإيجاد ترتيبات مدنية لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة، بدل ترك الأمن والخدمات رهينة للبنية العسكرية.
قد يتوقف إطلاق النار، وقد تخفت أصوات البنادق، وقد تنتهي مرحلة من الحرب، لكن ذلك لا يعني أن جبال النوبة دخلت بالضرورة مرحلة السلام. فالمؤشرات التي تكشفها أزمة الأطورو في كاودا تقول إن المنطقة تقف أمام نوع آخر من الصراع؛ صراع لا يبدأ بالضرورة من الجبهة العسكرية، وإنما من الأرض والذهب والحدود والتمثيل والسلطة المحلية، ثم يتسع تدريجياً ليعيد تشكيل العلاقات بين مكونات المجتمع.
والخطر الأكبر أن تتحول قضية الأطورو من خلاف قابل للتفاوض إلى سابقة تؤسس لنمط جديد من الصراع الأهلي في جبال النوبة. فإذا أصبح الانتماء الاجتماعي مدخلاً لتحديد من يملك الأرض، ومن يستفيد من الذهب، ومن يحق له الاستقرار أو العودة، فإن الحدود القبلية قد تصبح أكثر صلابة من الحدود التي رسمتها الحرب نفسها. وعندها لن يكون الصراع مجرد خلاف بين مكوّن اجتماعي وقيادة عسكرية، بل نزاعاً على تعريف من هو «صاحب الحق» في المكان والثروة والقرار.
والأكثر خطورة أن الذهب قد يؤدي الدور الذي لعبته البنادق في مراحل سابقةويصبح أداة لإعادة إنتاج القوة، وتمويل النفوذ، وشراء الولاءات، وتحويل الموارد إلى وقود للصراع. وكلما اتسعت دائرة المستفيدين من اقتصاد الحرب، أصبح السلام أقل جاذبية بالنسبة إلى شبكات المصالح التي نشأت حوله.
لذلك، فإن مستقبل جبال النوبة لن يتحدد فقط بنتيجة الحرب السودانية الكبرى، بل بما ستفعله المجتمعات المحلية والقوى السياسية والعسكرية مع إرث الحرب. فإذا جرى التعامل مع قضايا الأرض والموارد والعودة والتمثيل باعتبارها ملفات مؤجلة إلى «ما بعد السلام»، فقد يصبح السلام نفسه هشاً ومؤقتاً؛ أما إذا فُتحت هذه الملفات الآن عبر حوار محلي حقيقي، وآليات عادلة لإدارة الأرض والموارد، وترتيبات مدنية للسلطة والأمن، فإن الأزمة الحالية يمكن أن تتحول من مقدمة لصراع جديد إلى فرصة لإعادة بناء عقد اجتماعي مختلف.
إن كاودا تقف اليوم أمام مفترق طرق إما أن تتحول ذاكرة النضال المشترك إلى أساس لمصالحة جديدة، أو تتحول ذاكرة التضحيات إلى ذاكرة مظلومية وصراع داخلي. وبين الاحتمالين مسافة قصيرة، لكنها قد تحدد مستقبل جبال النوبة لعقود قادمة.
ولهذا، فإن التحذير الأهم ليس من عودة المدافع، وإنما من أن تبدأ الحرب بعد أن تتوقف المدافع؛ حربٌ تتغير فيها الخنادق إلى حدود اجتماعية، والبنادق إلى أدوات للسيطرة على الموارد، والخصومة السياسية إلى صراع على الأرض والهوية. وإذا لم تُعالج جذور الأزمة قبل أن تتصلب هذه التحولات، فقد تجد جبال النوبة نفسها أمام نسخة جديدة من الحرب، لا يكون فيها المركز هو الخصم الوحيد، بل يصبح الصراع على ميراث الحرب نفسه هو المعركة القادمة.