الأربعاء 17 ديسمبر 2025
إنّ أيَّ مقاربة جادّة للإسلاموية الصومالية المعاصرة وبُناها الفكرية، ولا سيّما من حيث أثرها في تشكيل الخطاب الصومالي ثم في السرديات العالمية الأوسع حول "مكافحة الإرهاب"، تقتضي إدراجها في الإطار العريض لحركات الإسلام السياسي. فأي تحليل رصين لهذه الظاهرة لا يمكن أن يتجاهل فاعلين مركزيين، مثل" حركة «الاعتصام بالكتاب والسنة» وحركة «الشباب المجاهدين»، إذ تعود جذور الحركتين معاً إلى السلفية الجهادية. ومن دون هذا التأطير السياقي يظلّ فهم صعود الفصائل العنيفة مثل «الشباب»، وقدرتها على الصمود ومنطقها الأيديولوجي، فهماً منقوصاً ومجتزأً.
تنحدر كل من «جماعة الاعتصام» و«حركة الشباب» من رحم تنظيم الاتحاد الإسلامي ذي النزعة السلفية الجديدة، وتبدوان كغصنين متداخلين في شجرة فكرية واحدة. وتضطلع الاعتصام بدور التوأم الشرعي لهذا التيار؛ فهي أقلّ صخباً، وأشدّ تغلغلاً في البنى الاجتماعية، وغالباً ما يُستهان بوزنها. وليس مبالغة في القول إنّها إحدى أكثر القوى تأثيراً وأقلّها فهماً في الحياة العامة الصومالية، بل هو إقرار بقوة تراكمية هادئة لشبكةٍ أمضت عقوداً تعيد تشكيل المنابر التعليمية والوعظية والخيرية، ومجالس الإدارة والبلديات، متحدثةً بلغة تكاد تتطابق مع الطموحات العقدية لشقيقتها المقاتلة.
تبدأ السلالة المشتركة من تنظيم الاتحاد الإسلامي الذي ظهر في ثمانينيات القرن الماضي كتيار سرّي جمع بين الإصلاحية السلفية والفكر القطبي الثوري. سعى التنظيم منذ نشأته إلى توسيع نفوذه، باستقطاب عناصر من أجهزة الأمن والمؤسسات التعليمية والشبكات الدينية. وقد غذّى نموَّه الأيديولوجي شعورٌ متزايد بالاستياء من توجّه النظام العسكري-الاشتراكي نحو العلمنة، ومما اعتُبر آنذاك موقفاً معادياً للإسلام. فالتيار الأصولي الديني الصاعد في منتصف السبعينيات رأى في سياسات الدولة تجاه الصحوة الإسلامية، وقبل ذلك في فشل الأيديولوجيا القومية العلمانية في نظره، دليلاً على الحاجة إلى رؤية اجتماعية-سياسية بديلة تستند إلى الإسلام مرجعيةً ومشروعاً. واستفاد الاتحاد الإسلامي وحلفاؤه من هذا المناخ المشبّع بخيبة الأمل، فاستثمروا دعم الأوساط الدينية والشرائح الاجتماعية التي همّشتها سياسات الدولة لتوسيع قاعدتهم الاجتماعية، وتعظيم نفوذهم السياسي.
أدّى انهيار النظام العسكري في الصومال عام 1991 إلى خروج الاتحاد الإسلامي إلى العلن، لكن التنظيم تعرّض في منتصف التسعينيات لانتكاسات حادّة بعد هزائم متتالية على أيدي ميليشيات عشائرية، وزعماء حرب منافسين، وتوغلات إثيوبية، انتهت إلى تفكّكه. من هذا الانكسار برزا مساران متمايزان: ففصيلٌ من الحركة خلص إلى أنّ الظروف غير مواتية لخوض جهاد مسلّح، ليحوّل بوصلة نشاطه نحو الدعوة والتربية الدينية والاجتماعية، ولاحقاً تبلور في إطار مؤسسي هو جماعة الاعتصام. أمّا الفصيل الآخر، المكوَّن من منظّرين متشدّدين ومقاتلين جرّبوا القتال في جبهات خارجية، فتمسّك بالمنطق المسلّح الذي رفد لاحقاً قيادةً وقاعدةً لحركة الشباب المجاهدين. وقد تبلور هذا المسار خلال موجة الصحوة الإسلامية في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، وصولاً إلى صعود اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال.
لم يمثّل هذا الاصطفاف قطيعة لاهوتية؛ فلم تعلن الحركة في نصوصها التأسيسية ووثائقها المرجعية تخلّيها الصريح عن مبدأ الكفاح المسلّح، بل دافعت عن منطق التدرّج والتأني وتهيئة المجتمع. ومن ثم فإن غياب العمليات الانتحارية يعكس اختلافاً في تصوّر التغيير لا في جوهر العقيدة
منذ البداية كان التباين بين الاعتصام وحركة الشباب تبايناً في الوسائل لا في الغايات. فقد استثمرت الاعتصام في بنى مدنية مشروعة، مثل: المعاهد والجامعات ومجالس المساجد ولجان الزكاة والمنظمات غير الحكومية، والمشاريع التجارية، وبفضل هذه الشبكات راكمت شرعيةً ونفوذاً في هرجيسا وغروي ومقديشو، وعبر أرخبيل الأعمال الصومالي الممتد إلى نيروبي والخليج. في المقابل، انخرطت حركة الشباب في تمرّد مسلّح ضد المشروع الفيدرالي والقوى الخارجية، ورسّخت سلطتها عبر العنف والجباية وحكم الظل. ومع ذلك، لم يكن العالمان منفصلين تماماً؛ ففي محطات عديدة تداخلت دوائرهما وتعايشتا، بل وتعاونتا ضمنياً وتكتيكياً، ولا سيّما خلال مرحلة اتحاد المحاكم الإسلامية حين تحدّت التحالفات الإسلامية منظومة أمراء الحرب والحكومة الاتحادية الانتقالية المدعومة من إثيوبيا.
لكن هذه العلاقة حملت في طياتها أيضاً بذور تنافس. فالاحتكاكات الاستراتيجية بين المشاركة والمقاطعة، وبين الإقناع والقسر، وبين النفوذ البلدي والسيطرة الإقليمية، كانت تتصاعد دورياً إلى مواجهات مفتوحة. وفي مطلع العقد الثاني من الألفية، أدّت سلسلة اغتيالات طالت عدداً من أبرز علماء الاعتصام – ونُسبت على نطاق واسع إلى حركة الشباب – إلى تسريع اصطفاف الاعتصام عملياً مع السلطات الرسمية في القرن الأفريقي. ومع ذلك لم يمثّل هذا الاصطفاف قطيعة لاهوتية؛ فلم تعلن الحركة في نصوصها التأسيسية ووثائقها المرجعية تخلّيها الصريح عن مبدأ الكفاح المسلّح، بل دافعت عن منطق التدرّج والتأني وتهيئة المجتمع. ومن ثم فإن غياب العمليات الانتحارية يعكس، مرّة أخرى، اختلافاً في تصوّر التغيير لا في جوهر العقيدة.
تشكّل الشخصيات البارزة جسراً بين البيئتين. فالشيخ حسن طاهر أويس، القائد العسكري في الاتحاد الإسلامي خلال التسعينيات، والذي غدا لاحقاً شخصية محورية في تحالفات إسلامية متعاقبة، يجسّد استمرارية الكوادر والأفكار والشبكات التي تتخطّى الحدود التنظيمية الصارمة. وحتى وهو قيد الإقامة في مقديشو، ظلّ تأثيره ملموساً في التنافس بين التيارات الإسلامية، بما في ذلك بروز تشكيلات سياسية مثل «الدم الجديد». والمقصود هنا ليس الخلط بين العضويات والانتماءات التنظيمية، بل إبراز كيف تتشابك سيرورات التنشئة الفكرية والتراكمات التاريخية، والقواعد الاجتماعية المشتركة في نسج التيارَين «القانوني» و«المسلّح» داخل السلفية الصومالية الجديدة.
تختزل هذه الدينامية منطق «التوأم الصامت»: فالتوأم المرخَّص له يطبع الحياة اليومية عبر التعليم والتوظيف وبناء الشبكات الاجتماعية، فيما يتولى التوأم المقاتل أدوار العقاب والجباية والردع. وكلٌّ منهما، في النهاية، يجعل وجود الآخر أكثر قابلية للتصوّر والقبول
ومع مرور الوقت، تطوّرت حركة الشباب لتصبح الفاعل الصومالي الأكثر شهرة على المستوى العالمي؛ بوصفها فرعاً من تنظيم القاعدة كثيراً ما يُقدَّم ككيان شبه دولتي يمتلك موارد مالية معتبرة، وأدوات قسرية فعّالة، وقدرة على إدارة مناطق واسعة. في المقابل، رسّخت الاعتصام هيمنة أكثر هدوء عبر القطاعات التي تعيد إنتاج السلطة الاجتماعية، لتغدو التيار السلفي الجديد الأكثر نفوذاً في البلاد، ضمن حدود الشرعية الرسمية وشبه الرسمية. بهذا المعنى، تجسّد الحركتان استراتيجيتين متوازيتين تتجهان نحو أفق واحد؛ تنقية المجتمع وإعادة تنظيمه، وإعادة تشكيل بنية الحكم وفق قراءتهما الخاصة للشريعة الإسلامية؛ فإحداهما تسعى إلى تسريع بلوغ هذا الأفق عبر القوة العنيفة وأدوات الإكراه، بينما تعمل الأخرى على تطبيعه وترسيخه عبر التغلغل الاجتماعي العميق وبناء شبكات النفوذ في الحياة اليومية.
تشكل تجربة «اتحاد المحاكم الإسلامية» في منتصف العقد الأول من الألفية مفصلاً كاشفاً في هذا السياق؛ إذ أظهرت كيف تستطيع الفاعليات الإسلامية، في مواجهة خصوم مشتركين، تعليق تناقضاتها الداخلية مؤقتاً، ثم كيف تعود هذه التناقضات إلى الظهور بقوة بمجرد انحسار الضغط الخارجي. كما كشفت التجربة نفسها كيف يمكن للبنى التي تبدو سلمية في ظاهرها – من محاكم ومجالس علمية وشبكات خيرية واتحادات طلابية – أن تعمل كخطوط إمداد أيديولوجية لمشاريع مسلّحة، حتى حين تعلن هذه البنى أمام الجمهور تبرّؤها من العنف. وتختزل هذه الدينامية منطق «التوأم الصامت»: فالتوأم المرخَّص له يطبع الحياة اليومية عبر التعليم والتوظيف وبناء الشبكات الاجتماعية، فيما يتولى التوأم المقاتل أدوار العقاب والجباية والردع. وكلٌّ منهما، في النهاية، يجعل وجود الآخر أكثر قابلية للتصوّر والقبول.
إن الخلط بين الاحترام العلني الذي تحظى به الاعتصام داخل المجتمع، وبين افتراض وجود مسافة أيديولوجية آمنة تفصلها عن «الشباب» يمثّل سوء قراءة عميقاً لبنية القوة في الصومال. فتغلغل الحركة في العُقد الاجتماعية الرئيسة يمنحها قدرة على تحديد الأجندة العامة من دون حاجة إلى عنف استعراضي. وغالباً ما يعكس خطابها – وإن بلغة أقلّ حِدّة – عملية نزع الشرعية عن النظام القائم نفسها التي تتبنّاها حركة الشباب. ففي حين تصف الأخيرة الدولة بأنها خارجة عن الدين وتستهدفها مباشرةً بالقوة، تنازع «الاعتصام» الدولة ذاتها عبر «استعمار» المؤسسات التي تنتج القبول والرضا المجتمعي، مثل: المدارس والمنابر والجمعيات الخيرية وغرف التجارة، المجالس البلدية وفضاءات الرأي العام الأخلاقي. ويقيس الطرفان نجاحهما بالمعيار نفسه: إلى أي مدى تتمكّن رؤيتهما من ضبط تفاصيل الحياة اليومية وتوجيهها؟
تجسّد الحركتان استراتيجيتين متوازيتين تتجهان نحو أفق واحد؛ تنقية المجتمع وإعادة تنظيمه، وإعادة تشكيل بنية الحكم وفق قراءتهما الخاصة للشريعة الإسلامية؛ فإحداهما تسعى إلى تسريع بلوغ هذا الأفق عبر القوة العنيفة وأدوات الإكراه، بينما تعمل الأخرى على تطبيعه وترسيخه عبر التغلغل الاجتماعي العميق وبناء شبكات النفوذ في الحياة اليومية
لا يعني هذا إنكار التحوّلات والانقسامات والتفاوتات المحلية. فموقف الاعتصام من السلطة يختلف بين صوماليلاند وبونتلاند والمركز الفيدرالي، كما أن حملات التطهير الداخلي والضغوط العسكرية والسياسية على «الشباب» تعيد تشكيل تكتيكات الحركة باستمرار. ومع ذلك، تظل العلاقة البنيوية بينهما قائمة: علاقة ألفةٍ وتنافس، وتمكينٍ متبادل وسفك دماء متقطّع، تعمل فيها النشاطية القانونية والتمرّد المسلّح لا كضدّين متنافيين، بل كقواعد تعبير متناوبة لمشروع واحد مشترك.
وعلى هذا النحو، لا تبدو «الاعتصام» مجرد حركةٍ تقف إلى جوار «الشباب»، بل جزءاً مكوِّناً من الحقل الإسلامي الذي يجعل حركة الشباب مفهومة ومُمكنة سياسياً. فـ«التوأم الصامت» ليس صامتاً لأنه يفتقر إلى الكلام، بل لأنه تعلّم أن يتحدّث عبر المدارس والأسواق وشاحنات الإغاثة ولجان الأحياء؛ عبر أدوات القوة الناعمة التي تشتري الوقت والمساحة وتعيد تشكيل المعيش اليومي على مهل. إن تحليل السياسة الصومالية من دون الالتفات إلى هذا التوأم يعني الإصغاء فقط إلى دويّ الانفجار، وتجاهل الطنين المتواصل لعمليات بناء المؤسسات التي تمنح ذلك الانفجار معناه السياسي وتربطه بسياق اجتماعي أوسع.