السبت 7 مارس 2026
لم تسلم أنظمة الاتصالات من ويلات الحرب الدائرة في السودان، حيث دخلت مناطق ومدن كاملة إلى عزلة رقمية أوقفت سير الحياة نتيجة استهداف البنية التحتية للاتصالات، فالأنترنت ليس مجرد وسيلة للتواصل فقط، بل أداة للبقاء على قيد الحياة لمعظم السودانيين المعتمدين على التحويلات الخارجية. ومع الفراغ الرقمي، برزت تقنية ستارلينك لتُقدم نفسها بديلاً حيويًا للأنترنت، وازدهرت سوق سوداء لأجهزة ستارلينك في السودان تقودها قوات الدعم السريع، لترسم هذه التقنية بذلك خريطة الحرب بصورة أخرى.
في خضم الحرب القائمة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع التي اندلعت بوادرها في منتصف أبريل/ نيسان 2023، تدرجت البنية التحتية للاتصالات في ساحة الحرب، وقد شهدت اضطرابات كبيرة، وتم تدميرها بشكل منهجي من طرفي الصراع، ما أدى إلى عزل مناطق بأكملها، وحرمان المدنيين من خدمات الهاتف والأنترنت لأشهر متواصلة. فقد شهدت منطقة ود مدني انقطاعا للأنترنت دام عاما كاملا، ولم يتم استرجاعه إلا في يناير/ كانون الثاني 2025.
في أعقاب الحرب، أمرت القوات المسلحة السودانية بقطع الأنترنت على المناطق الخاضعة لقوات الدعم السريع، لا سيما في ولايات دارفور وكردفان. كما انقطعت خدمة الاتصالات على حوالي 30 مليون سوداني في فبراير/ شباط 2024 لقرابة شهر، نتيجة ضربات الدعم السريع على أهم ثلاث شركات للاتصالات في البلاد (سوداني، زين، MTN) في مدينة الخرطوم.
هنا، ظهر الدور الحيوي لشبكة ستارلينك، كبديل للأنترنت، وتعد ستارلينك شبكة أنترنت تعمل عبر الأقمار الصناعية في مدار أرضي منخفض، وتتبع شركة سبيس إكس الأمريكية المختصة في الفضاء والطيران، والتابعة لرائد الأعمال إيلوم ماسك.
يزدهر عمل هذه الشبكة في المناطق النائية ومناطق النزاعات، كطوق نجاة واستجابة سريعة للأزمات الطارئة. وأهم ما يميزها كونها لا تحتاج لبنية تحتية لتعمل بها، فقط عبارة عن أجهزة بحجم دوائر البيتزا، يتم تركيبها بسهولة، لتحصل على أنترنت سريع وبتكلفة قليلة.
هذه الخدمة ليست مصرح بها في السودان، ولكنها دخلت بطرق غير قانونية، عبر شبكات تهريب منظمة تسيطر عليها قوات الدعم السريع السودانية. ونظرًا لانقطاع الأنترنت في المناطق التابعة لنفوذ الدعم السريع تحت تعليمات الجيش السوداني، اتجهت الميليشيا للبحث عن بدائل لاستكمال التواصل أثناء القتال. وهنا حضرت أجهزة ستارلينك؛ فبحسب تقرير لصحيفة وويل ستريت جورنال الأمريكية، تبدأ شبكات التهريب من نقطة التصنيع في الولايات المتحدة، حيث تُنتج أجهزة ستارلينك، قبل أن تُعاد توجيهها تجاريًا نحو أسواق وسيطة، أبرزها الإمارات العربية المتحدة.
تحوّل ستارلينك إلى مورد استراتيجي في اقتصاد الحرب، تستخدمه أطراف النزاع لتعزيز السيطرة الميدانية، وإدارة العمليات، في ظل انهيار البنية التحتية الرسمية للدولة
حيث باتت الإمارات عُقدة مركزية في شبكة تهريب ستارلينك إلى قوات الدعم السريع، ليس فقط كنقطة عبور لوجستي من الولايات المتحدة، بل كرقعة لتجميع الأجهزة وتفعيلها تقنيًا، ما يضمن جاهزيتها للاستخدام فور وصولها إلى مناطق النزاع دون الحاجة لأي إجراءات محلية. ومن ثم نقل المعدات إلى العاصمة التشادية، وأخيرًا وصولها إلى الحدود السودانية.
لا يقتصر التهريب على المسار التشادي فقط. وفقًا لتقرير لوكالة فرنس برس، تمتد شبكات إدخال ستارلينك إلى مسارات موازية عبر ليبيا وجنوب السودان وإريتريا، ما يعكس طابعًا إقليميًا منظمًا لعملية التهريب قائم على مسارات عديدة لتقليل المخاطر في حال إغلاق أحد الخطوط.
في هذا السياق، تبرز أبعاد سياسية وعسكرية للشبكة، خصوصًا مع تقارير تفيد بأن عبد الرحيم حمدان دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع، أشرف بشكل مباشر على شراء مئات من أجهزة ستارلينك من تجار في الإمارات. هذا المعطى لا يضع ستارلينك فقط في إطار أداة اتصال مدنية، بل يكشف كيف تحوّلت إلى مورد استراتيجي في اقتصاد الحرب، تستخدمه أطراف النزاع لتعزيز السيطرة الميدانية، والتواصل، وإدارة العمليات، في ظل انهيار البنية التحتية الرسمية للدولة.
لقد نشأت سوق سوداء لبيع هذه الأجهزة المُهربة، تسيطر عليها بطبيعة الحال قوات الدعم السريع، حيث يتم بيع الجهاز الواحد في حدود 2500 دولار، أي خمس أضعاف السعر الرسمي. ناهيك عن فرض قوات الدعم السريع في بعض المناطق، وخاصة في دارفور، ضرائب سنوية على أجهزة ستارلينك بقيمة 500 دولار للجهاز. ولا يتوقف الأمر على هذا الحد، بل امتد ليشمل إنشاء مقاهي للأنترنت المؤقتة تتقاضى عنها قوات الدعم من 2 إلى 3 دولار للساعة، وأحيانًا يصل في بعض المناطق إلى 6 دولار. وهكذا نشأ اقتصاد ظل في خضم الحرب، تستفاد منه في المقام الأول قوات الدعم السريع.
لا يُعرف العدد الدقيق لأجهزة ستارلينك في السودان، لكن وفقًا لمركز "Global Voices advox"، تشمل ولاية الجزيرة باستثناء منطقة المنجيل، وولاية الخرطوم باستثناء أجزاء من منطقة أم درمان. كما تنتشر هذه الأجهزة في ولايات دارفور الجنوبية والشرقية والغربية والوسطى. وهذا ما أكدته خريطة أُعدت في سبتمبر/ أيلول 2024 بواسطة منصة إخبارية محلية سودانية مستقلة، أظهرتأن هذه الخدمة باتت المصدر الرئيسي للأنترنت في مناطق السودان المكتظة بالسكان، مثل: الخرطوم والجزيرة ودارفور.
لم يقتصر استخدام ستارلينك في ميدان الاتصالات بين أفراد الدعم السريع فقط، بل توصل استخدامها في العمليات العسكرية، حيث شُوهِد استخدام هذه الأجهزة في العديد من قواعد قوات الدعم السريع، وتم تركيبها على شاحنات تويوتا المستخدمة لديهم. علاوة على ذلك يتم استخدامها لربط الطائرات بدون طيار وتوجيهها لمهاجمة قوات الجيش السودانية.
منذ بدايات انتشار أجهزة ستارلينك في السودان، اتخذت القوات المسلحة السودانية موقفًا حذرًا بل وعدائيًا تجاه هذه الخدمة،
نتيجة توافره، تحولت ستارلينك إلى شريان اتصال حيوي في المشهد السوداني، إذ أتاحت استمرار عمل المنظمات الإنسانية، مثل منظمة الإغاثة الإسلامية وغيرها في تنسيق عمليات الإغاثة، وتقييم الاحتياجات ومتابعة إيصال المساعدات في ظل انهيار شبكات الاتصال الأرضية. كما مكّنت السكان من الحفاظ على التواصل مع أسرهم، وتلقي التحويلات المالية من الخارج عبر التطبيقات الإلكترونية، وهو ما أسهم بشكل مباشر في تلبية الاحتياجات الأساسية، والبقاء على قيد الحياة في مناطق واسعة من البلاد.
منذ بدايات انتشار أجهزة ستارلينك في السودان، اتخذت القوات المسلحة السودانية موقفًا حذرًا بل وعدائيًا تجاه هذه الخدمة، انطلاقًا من اعتبارها شبكة اتصالات تعمل خارج سيطرة الدولة. ففي 31 يناير/ كانون الثاني 2024، أصدرت السلطات السودانية الموالية للجيش قرارًا يقضى بمنع وحظر استيراد واستخدام وامتلاك أجهزة ستارلينك. وتبعًا للحظر، صادرت السلطات آلاف الأجهزة في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، لكنها تتجاهل القرار في بعض المناطق، بينما ظلَّت الخدمة تُستخدم على نطاق واسع في أماكن سيطرة الدعم السريع.
لم يكن هذا الموقف تقنيًا فحسب، بل ارتبط مباشرة بالسياق العسكري. فبحسب تقارير صحفية، رأت قيادة الجيش أن الانتشار الواسع لستارلينك، خصوصًا في مناطق دارفور والخرطوم، منح قوات الدعم السريع تفوقًا اتصاليًا واضحًا، مكّنها من تنسيق العمليات العسكرية، وتشغيل الطائرات المسيّرة، وبث مواد دعائية على منصات التواصل الاجتماعي. وهو ما دفع الجيش إلى تصنيف ستارلينك كأداة تُستخدم لصالح العدو، وليس مجرد خدمة إنترنت بديلة.
في هذا الإطار، تقدّمت وزارة الاتصالات السودانية بشكوى رسمية إلى شركة سبيس إكس، المشغّلة لخدمة ستارلينك، طالبت فيها بوقف الخدمة داخل السودان أو إخضاعها لتنظيم مشترك مع الدولة السودانية، بما يسمح للسلطات بالتحكم في مناطق التغطية، خاصة تلك الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع. إلا أن عدم استجابة الشركة لهذه المطالب دفع الهيئة التنظيمية إلى تشديد القيود على استيراد الأجهزة، واعتبار استخدامها مخالفة قانونية تستوجب العقوبة، دون تحديد آليات تنفيذ واضحة في ظل الحرب.
لكن هذا الرفض الصارم لم يصمد طويلًا أمام الواقع الميداني. فمع استمرار الانقطاع شبه الكامل للاتصالات في بعض المناطق، ولا سيما في أم درمان وأطراف الخرطوم، وجد الجيش نفسه أمام معضلة مزدوجة، إما التمسك بالحظر الكامل، وترك السكان في عزلة رقمية خانقة، أو القبول المؤقت باستخدام ستارلينك كحل إسعافي. وبالفعل، أفادت تقارير بأن القوات المسلحة السودانية سمحت بتركيب بعض أجهزة ستارلينك في مناطق خاضعة لسيطرتها، وقدّمت الخدمة مجانًا للمواطنين في أجزاء من أم درمان، في تراجع جزئي وعملي عن سياسة الحظر.
على الرغم من كونه إحدى أكثر مناطق النزاع احتياجًا للاتصال والمساعدات الإنسانية، لوّحت شركة ستارلينك بوقف الخدمة في البلاد، مبررة ذلك بانتهاكات شروط الاستخدام
يعكس هذا التحول تناقضًا جوهريًا في موقف الجيش، فمن جهة، يرفض ستارلينك بوصفها شبكة غير خاضعة للسيادة الوطنية، وتُستخدم عسكريًا من قبل خصمه الرئيسي. ومن جهة أخرى، يسعى إلى توظيفها بشكل محدود لتقويض التفوق التكنولوجي لقوات الدعم السريع، واحتواء الغضب الشعبي الناتج عن انقطاع الإنترنت. وتشير تقارير إلى أن الجيش بدأ، في مراحل لاحقة، البحث عن طرق للحصول على أجهزة ستارلينك خاصة به، أو إيجاد بدائل تقنية مشابهة، في اعتراف ضمني بأن معركة الاتصالات باتت جزءًا لا يتجزأ من الحرب.
لطالما قدّم إيلون ماسك خدمة ستارلينك باعتبارها أداة اتصال حاسمة في مناطق النزاع، وهو ما ظهر بوضوح منذ بداية الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022، حين أعلن تفعيل الخدمة لدعم أوكرانيا، بما في ذلك استخدامها عسكريًا في توجيه الضربات. كما أصرّ على إتاحة ستارلينك في إيران خلال احتجاجات عام 2022 عقب مقتل مهسا أميني، رغم اعتراض السلطات الإيرانية، وأعلن كذلك تفعيلها في فنزويلا عقب التطورات السياسية الأخيرة هناك.
غير أن هذا النمط لا ينطبق على السودان. فعلى الرغم من كونه إحدى أكثر مناطق النزاع احتياجًا للاتصال والمساعدات الإنسانية، لوّحت شركة ستارلينك بوقف الخدمة في البلاد، مبررة ذلك بانتهاكات شروط الاستخدام. ما يثير تساؤلات واسعة، خاصة في ظل الدور الحيوي الذي تؤديه الخدمة في سياقات مشابهة.
ورغم ترحيب واسع باستمرار ستارلينك في السودان، فإن تهديد ماسك بتعليقها اعتبارًا من 30 أبريل/نيسان 2024 دفع 94 منظمة إنسانية إلى توجيه نداء مباشر له، معتبرة أن وقف الخدمة سيشكّل نوعًا من العقاب الجماعي لملايين السودانيين الذين يعتمدون عليها في التواصل وتلقي الدعم الإنساني والتحويلات المالية. وعلى الرغم من أن الخدمة لا تزال متاحة في ولايات عديدة في السودان، فإن خطر انقطاعها يظل قائمًا في أي لحظة، ما يفاقم حالة عدم اليقين الرقمي في بلد تعاني فيه شبكات الاتصالات التقليدية من انهيار شبه كامل.
في النهاية، يوضح حضور ستارلينك في السودان كيف أعاد انهيار البنية التحتية للاتصالات تشكيل طرق الوصول إلى الإنترنت خلال الحرب. فقد أدّت الخدمة دورًا عمليًا في سد فراغ الاتصالات، سواء في تمكين المدنيين والمنظمات الإنسانية من الاستمرار في التواصل، أو في منح أطراف الصراع أدوات إضافية لإدارة العمليات. وبين الحظر الرسمي، والانتشار غير المنظم، وتداخل الاستخدامات المدنية والعسكرية، تحولت ستارلينك إلى واقع مفروض أكثر منها خيارًا سياسيًا، ويبقى مستقبلها مرتبطًا بمسار الحرب نفسها.