تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند... تحركات مقديشو وأساليب المواجهة

31 ديسمبر, 2025
الصورة
الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند... تحركات مقديشو وأساليب المواجهة
Share

في خطوة هزت المشهدين الصومالي والصوماليلاندي، وأثارت صدمة واسعة في مقديشو مقابل ارتياح كبير في هرجيسا، صدر الإعلان الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في 26 ديسمبر/كانون الأول الجاري، ما فتح الباب أمام تداعيات واسعة وتحركات متعارضة من الطرفين؛ بين مساع صومالية لمواجهة هذه الخطوة عبر تحرك دبلوماسي نشط داخل المؤسسات الإقليمية والدولية ومع حلفاؤها حول العالم، وجهود من جانب صوماليلاند للدفاع عنها، وتسويقها داخليًا من خلال إبرازها فرصة طال انتظارها لما يقرب من أربعة عقود.

جاء هذا التطور في ظل ظرف عصيب على مقديشو، فالبلاد تشهد انقسامات سياسية حادة بين الحكومة الفيدرالية من جهة، والمعارضة المتمثلة في مجلس مستقبل الصومال، الذي يضم قيادتي ولايتي بونتلاند وجوبالاند، إلى جانب أعضاء منتدى الإنقاذ المعارض الذي يتخذ من مقديشو مقرًا له. ومن جهة أخرى، بسبب قضايا مختلفة، أبرزها آلية الانتخابات المقبلة، مما يضع علامة استفهام حول قدرة الحكومة على مواجهة خطوة من هذا النوع، نظرا لما تتطلبه من توحيد الشارع المحلي، وخلق صف وطني خلفها قبل التحرك دبلوماسيا ضدها.

تحركات مقديشو لحشد دعم إقليمي ودولي

فور الإعلان عن تبادل الاعتراف بين إسرائيل وصوماليلاند، وما رافقه من مظاهر احتفالية في مناطق الإقليم ترحيبا بهذه الخطوة، دخلت مقديشو حالة استنفار سياسي، باتت مهامها شبه مقتصرة على التفاعل مع هذا التطور، من خلال تحرك دبلوماسي شمل التواصل مع الدول الحليفة والمنظمات الدولية والإقليمية التي تتمتع بعضويتها، للمطالبة بإدانة الخطوة والعمل على مواجهتها.

فالرد السريع جاء من مصر وتركيا وجيبوتي، البلدان الذين يعتبران أن الاعتراف الإسرائيلي وتداعياته يمسّ مصالحهما في الصومال والمنطقة؛ إذ جرى خلال ساعات قليلة اتصال هاتفي مشترك ضم وزراء خارجية الدول الثلاث مع نظيرهم الصومالي، أكدوا خلاله الرفض التام للاعتراف وإدانته، والتشديد على دعم وحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بالسيادة الصومالية أو فرض كيانات موازية تتعارض مع وحدة الدولة.

برز غياب مواقف رسمية من دول إقليمية وازنة ومؤثرة في المشهد الصومالي، لم تصدر بيانات إدانة، من بينها إثيوبيا والإمارات وكينيا، في ظل حديث عن تواطؤ أديس أبابا وأبوظبي في ترتيبات وصول إسرائيل إلى المنطقة عبر الاعتراف بصوماليلاند

واصلت مقديشو تكثيف اتصالاتها لحشد موقف دولي وإقليمي داعم لها، لتتوالى الإدانات، حيث أصدرت 22 دولة إسلامية وأفريقية، إلى جانب منظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، بيان إدانة مشترك. كما أعلنت دول كبرى، من بينها الصين وأذربيجان، ومنظمات دولية وإقليمية أخرى رفضها للخطوة. وفي السياق ذاته، عقدت اجتماعات طارئة لمجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية بطلب من الحكومة الصومالية.

لكن في المقابل، برز غياب مواقف رسمية من دول إقليمية وازنة ومؤثرة في المشهد الصومالي، لم تصدر بيانات إدانة، من بينها إثيوبيا والإمارات وكينيا، في ظل حديث عن تواطؤ أديس أبابا وأبوظبي في ترتيبات وصول إسرائيل إلى المنطقة عبر الاعتراف بصوماليلاند، وسط مؤشرات على اصطفاف غير معلن لبعض القوى الإقليمية، ولا سيما إثيوبيا وكينيا، ضمن مقاربة واحدة لهذا التطور.

ميدانيا، شرع الرئيس حسن شيخ محمود في جولة خارجية، بدأها بزيارة إلى جيبوتي كأول محطة منذ اندلاع هذا التطور، لبحث تداعياته مع نظيره الجيبوتي، الذي يُنظر إليه على أن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند يشكل تهديدًا لمصالح بلاده في مجالات متعددة. بعد ذلك، انتقل الرئيس إلى تركيا، الحليف الأقرب لمقديشو، في مؤشر واضح على سعيه لتعزيز التنسيق وتوسيع التعاون معها، في ظل اعتبار أنقرة أن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند وحضورها في المنطقة يأتي ضمن استهداف نفوذها ومصالحها الجيوسياسية في الصومال والمنطقة.

أعلن السيناتور عثمان دبّى، أحد أبرز أعضاء مجلس الشيوخ والمنحدرين من صوماليلاند، استقالته من منصبه احتجاجًا على سياسات مقديشو تجاه سكان الإقليم، مؤكدًا تخليه عن خيار الوحدة وعودته إلى صوماليلاند

ومع كسب الصومال التعاطف الدولي بفعل الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تبذلها، لا تبدو البلاد في الوقت الراهن قادرة على حسم المعركة عبر دفع الكيان الإسرائيلي إلى سحب اعترافه، أو حتى خفض زخمه، باعتقادها أن ما تحصل عليه يفوق ما تخسره، لكنها في أفضل الحالات، قد تنجح في تأجيل اندفاع دول أخرى نحو اتخاذ خطوات مماثلة في المدى القريب، ما يجعل المعركة الدبلوماسية طويلة النفس، ومفتوحة على جولات متتابعة أكثر من كونها حسما سريعا.

محاولات لتوظيف الشارع ضد الخطوة

بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية المكثفة التي تقودها مقديشو لمواجهة الإعلان الإسرائيلي، برز مسار آخر لا يقل نشاطا، تمثّل في محاولات توظيف الشارع المحلي لخلق رأي عام رافض لهذه الخطوة. قاد الرئيس حسن شيخ محمود منذ صدور الإعلان جهودًا مكثفة لتعبئة الرأي العام، شملت لقاءات مكوكية مع مختلف القوى الفاعلة في البلاد، بما في ذلك أعضاء منتدى الإنقاذ المعارض وحكام الولايات الإقليمية الموالية له. وفي هذا السياق، دُفِعت تلك الولايات، إلى جانب شرائح مجتمعية أخرى، نحو إصدار بيانات إدانة منفصلة، بالتوازي مع تنظيم مظاهرات رافضة متتالية في مقديشو.

جاءت اللقاءات الأكثر أهمية مع المسؤولين المنحدرين من مناطق صوماليلاند، ممن يشغلون مناصب في المؤسسات الفيدرالية من وزراء ونواب. ففي الساعات الأولى لظهور هذا التطور، عقد الرئيس حسن شيخ محمود لقاءً خاصًا مع رئيس مجلس الشعب عبد حاشي عبد الله، تلاه اجتماع آخر مع عدد من النواب المنتمين إلى الإقليم، غير أن هذه اللقاءات جرت في أجواء غير بنّاءة، سادها الشك وانعدام الثقة بين الطرفين، وهو ما تجسّد لاحقًا في غياب عبد حاشي ومعظم هؤلاء النواب عن الجلسة البرلمانية المشتركة المنعقدة في 28 ديسمبر/كانون الأول الجاري.

وعاد الرئيس نفس مساء يوم 28 ديسمبر/كانون الأول ليعقد لقاءً موسعا، ضم وزراء ونوابا وعددا من الشخصيات البارزة المنحدرة من صوماليلاند، غير أن اللقاء عُقد في غياب عبد حاشي، في محاولة لاحتواء التوتر وطمأنتهم وإقناعهم بضرورة العمل معه خلال هذه المرحلة الحساسة. سعى الرئيس، من خلال هذه اللقاءات، لدفع هؤلاء المسؤولين للاضطلاع بدور في حشد موقف شعبي رافض للاعتراف الإسرائيلي، وخطوة حكومة إدارة صوماليلاند، لكن النواب أبدوا تحفظا على هذا الطرح، مبرّرين ذلك بأن الواقع لا يتيح لهم القيام بمثل هذه التحركات. وفي المقابل، فسّر البعض هذا التحفظ باعتباره تعبيرا عن امتعاض ممثلي صوماليلاند في مقديشو من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الفيدرالية سابقا بحق الإقليم، ومن بينها نظام التأشيرة الإلكترونية وطريقة تعامل الحكومة مع إدارة شمال شرق البلاد والمناطق الشرقية من صوماليلاند، وهي خطوات اعتبرها هؤلاء المسؤولون سببًا دفع إدارة الإقليم للانفتاح على إسرائيل، بوصفه انعكاسًا لتراكمات سياسية قائمة.

الصومال، بوصفه بلدا منقسما إداريا وسياسيا واجتماعيا، لا يكفي فيه صوت الحكومة الفيدرالية وحده، رغم كونها الجهة المعترف بها دوليا والمخولة للمخاطِبة مع العالم الخارجي

وفي هذا السياق، أعلن السيناتور عثمان دبّى، أحد أبرز أعضاء مجلس الشيوخ والمنحدرين من صوماليلاند، استقالته من منصبه احتجاجًا على سياسات مقديشو تجاه سكان الإقليم، مؤكدًا تخليه عن خيار الوحدة وعودته إلى صوماليلاند. وقد فُسّرت هذه الخطوة على أنها مؤشر على احتمال تصعيد حكومة صوماليلاند لضغوطها داخل مقديشو، عبر ممارسة ضغوط سياسية ومعنوية على المسؤولين المنحدرين من مناطقها داخل المؤسسات الفيدرالية، لدفعهم نحو العودة إلى الإقليم أو التزام الصمت والابتعاد عن التفاعل مع تطورات هذه الخطوة.

أيا كانت النتيجة التي سيكشفها الزمن وحده، فلا شك أن كل طرف يبذل أقصى جهوده لمواجهة خطط الآخر. ويبدو أن رهان مقديشو يقوم على الدبلوماسية والضغوط الخارجية على إسرائيل لإلغاء هذه الخطوة، بينما تركز هرجيسا على الحفاظ على وحدتها الداخلية، واستقطاب المنتمين إليها في مقديشو ضمن استراتيجية تصعيدية في حربها النفسية، وهو ما يعكس أن الصراع لا يقتصر على الساحة الدولية فحسب، بل يمتد أيضا إلى المنافسة على النفوذ بين المنتمين إلى صوماليلاند داخل المؤسسات الفيدرالية في مقديشو.

انقسام داخلي وانعكاساته المحتملة

على الرغم من الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تبذلها مقديشو، بالتوازي مع محاولات تعبئة الرأي العام المحلي للضغط باتجاه سحب الاعتراف الإسرائيلي، فإن هذه المساعي تصطدم بجملة من العوامل الداخلية، في مقدمتها هشاشة الوضع الداخلي الناجمة عن الانقسامات السياسية العميقة بين القوى الصومالية، ودخول البلاد مرحلة انتقالية مع اقتراب انتهاء الولاية الرئاسية للحكومة الحالية، وهو ما من شأنه إضعاف فرص تحقيق نتائج ملموسة على هذا المسار.

فالصومال، بوصفه بلدا منقسما إداريا وسياسيا واجتماعيا، لا يكفي فيه صوت الحكومة الفيدرالية وحده، رغم كونها الجهة المعترف بها دوليا، والمخولة للمخاطبة مع العالم الخارجي؛ إذ تظل قدرتها على توحيد الجبهة الداخلية محدودة، في مقابل امتلاك الولايات الإقليمية هامشا أوسع للتأثير في الشارع وتعبئته.

ومن مظاهر هذا الانقسام وتأثيراته المباشرة، يبرز موقف ولايتي بونتلاند وجوبالاند، اللتين لم تصدرا حتى الآن أي تعليق أو بيانات إدانة بشأن الخطوة الإسرائيلية، وهو ما يمكن قراءته ضمن سياقين محتملين؛ أولهما خضوع الولايتين لضغوط من بعض الدول التي يُنظر إليها على أنها متواطئة مع الخطوة الإسرائيلية، بما يدفعهما إلى تجنّب اتخاذ موقف علني، بينما السياق الثاني، يتمثل في سعي قيادتي الولايتين إلى توظيف القضية كورقة ضغط على الحكومة الفيدرالية، عبر ربط دعمهما للتحرك الدبلوماسي بتقديم تنازلات مسبقة في القضايا الخلافية العالقة بين الطرفين.

وفي سياق مشابه، تعامل أعضاء منتدى الإنقاذ المعارض بحذر مع الرئيس حسن شيخ محمود عقب اللقاء الذي جمعه بهم عند صدور الاعتراف الإسرائيلي، إذ اشترطوا العمل معه مقابل طرح خطة واضحة لتوحيد البلاد، تبدأ بالدعوة إلى حوار وطني شامل، وتنتهي بالتوصل إلى توافقات حول القضايا الخلافية الراهنة، باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا لإنقاذ البلاد من تداعيات الاعتراف الإسرائيلي والمخاطر الأخرى المحيطة به، وهو ما يعكس سعي خصوم الرئيس إلى استثمار القضية كورقة ضغط سياسية لدفعه إلى تقديم تنازلات بشأن أجندته الخلافية مقابل الإصطفاف معه في هذه المواجهة.

ما لم تجد مقديشو سبيلا لتسوية الملفات الخلافية العالقة وخلق إجماع وطني، فإن الانقسامات الداخلية والمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد قد تحد من قدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة في حملتها لمواجهة الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، حيث إن استمرار هذا الخلاف قد يتيح للمحاور المتواطئة مع الخطوة الإسرائيلية استغلال الوضع، عبر دفع الولايات المتمردة على الحكومة الفيدرالية إما إلى تأييد هذه الخطوة أو إلى البقاء بعيدًا عن التفاعل معها، وهو ما قد يقود البلاد نحو مزيد من التفكك ويجعلها رهينة لمصالح دول خارجية.