تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 10 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند… هل انتهى رهان مقديشو على المفاوضات غير المجدية؟

1 فبراير, 2026
الصورة
الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند… هل انتهى رهان مقديشو على المفاوضات غير المجدية؟
Share

في ظل احتدام دبلوماسية الكرّ والفرّ بين الحكومة الفيدرالية وصوماليلاند، مرّ شهر على قرار الاعتراف الإسرائيلي، في خطوة لم تعد تُدرج في إطار الخلاف الداخلي الصومالي فحسب، بل تحوّلت إلى معركة نفوذ بين محاور إقليمية ودولية تنقسم بين الاصطفاف مع مقديشو أو هرجيسا، سعيًا لحماية مصالحها الجيوسياسية في المنطقة؛ إذ أصبحت بمثابة ورقة يتصارع عليها الأطراف المنخرطة في هذا الصراع الإقليمي والدولي، ما يجعل الحلول التقليدية عاجزة عن معالجة الملف.

في ظل هذه التطورات والتحولات المفاجئة، تبرز تساؤلات حول مدى دفع هذه الأحداث على صانع القرار في مقديشو، الذي طالما قدّس الوحدة وراهن على المفاوضات، إلى الاقتناع بأن المقاربة التقليدية القائمة على التمسك بالوحدة لم تعد قابلة للمراهنة، وحول طبيعة الخيارات المتاحة أمامه للاستجابة لهذه المتغيرات.

مفاوضات شكلية بلا نتائج

ما يقرب من عقدين، كرّست مقديشو جهودها لتسويق سردية الانفتاح على المفاوضات مع صوماليلاند لمعالجة قضية الانفصال؛ إذ أجرى الطرفان جولات متعددة من المحادثات، تنقّلت بين أبوظبي، مرورًا بإسطنبول وأديس أبابا، وصولًا إلى جيبوتي، وتفاوت مستوى التمثيل فيها بين لقاءات على مستوى الرؤساء وأخرى على مستوى لجان فنية، لكن هذه الجولات المتكررة لم تُفضِ إلى وضع القضايا الخلافية الجوهرية بينهما على الطاولة، سواء ما يتعلق بخيارَي الوحدة أو الانفصال، أو طرح أي من الطرفين تصورًا بديلاً يمكن أن يحظى بقناعة الآخر ويدفعه إلى التنازل عن مساعيه.

أصبحت هذه المفاوضات مجرد جلسات بروتوكولية لالتقاط الصور وإصدار بيانات لا تمس جوهر الخلاف القائم بين الطرفين. ويُعزى ذلك إلى عدة اعتبارات، أبرزها أن هذه المحادثات لم تنطلق بإرادة حقيقية لدى الجانبين، بل جاءت بدفع من أطراف خارجية، إضافة إلى غياب الاستعداد لدى أي منهما لتقديم تنازلات تمس مواقفه المبدئية. فبينما تتمسك مقديشو بقدسية الوحدة، تتعامل هرجيسا مع خيار الانفصال بنفس المنطق، ما جعل مخرجات الجلسات المتعاقبة تتلخص في نتيجة واحدة تعني بلا شيء.

استمرار مقديشو في اعتماد خطابها التقليدي بشأن قضية صوماليلاند لم يعد يخدم مصالحها، خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية متغيرة، ومزاج شعبي في صوماليلاند يزداد تشددًا في التمسك بخيار الانفصال

ومع تساوي الطرفين في التمسك بقدسية خيارَي الوحدة أو الانفصال، يختلفان في الهوامش التفاوضية التي تمنح كل منهما القدرة على المرونة والجرأة. فهرجيسا تتمتع بمؤسسات وأطر سياسية أكثر تنظيمًا، وتفويض شعبي يمنحها هامشًا أكبر لاتخاذ القرار على طاولة المفاوضات، حتى وإن تضمن ذلك تقديم بعض التنازلات، على خلاف مقديشو التي يصعب عليها حتى اختيار فريقها التفاوضي دون التشاور مع بعض الولايات ذات النفوذ، فضلًا عن محدودية قدرتها على اتخاذ قرارات قد تنطوي تنازلات أو ترتيبات تقود إلى ذلك في النهاية.

ينعكس هذا التفاوت بين الطرفين في أن مقديشو، بوصفها الطرف المدافع عن الوحدة، لا تملك خيارات قادرة على استمالة هرجيسا أو إقناعها بالتراجع عن موقفها الانفصالي، ويُعزى ذلك إلى حالة تعدد السلطات التي تعيشها البلاد؛ إذ توجد حاليًا سبع حكومات في ظل نظام فيدرالي لم يكتمل نضجه بعد، نتيجة ضعف البنية القانونية والسياسية التي يُفترض أن تنظّمه. وتتوزع هذه السلطات بين الحكومة الفيدرالية وست إدارات ذاتية الحكم، لكل منها قراراتها وحساباتها الخاصة، فيما نادرًا ما تنفرد الحكومة الاتحادية باتخاذ قرارات وطنية دون مواجهة اعتراض بعض الولايات الإقليمية، ما يحدّ من قدرتها على تقديم أي حوافز أو ضمانات سياسية موثوقة يمكن أن تشكّل أساسًا لتسوية تفاوضية مع هرجيسا.

هنا يتضح أن مقديشو لم تتعامل مع المفاوضات بالجدية المطلوبة، لمعالجة قضية تُعدّ من أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة، فقد بدا أن هدفها من المشاركة في المفاوضات لم يكن الوصول إلى حل حاسم، بقدر ما كان المناورة وكسب الوقت، من خلال الإبقاء على مسار تفاوضي مفتوح شكليًا دون الاستعداد للنزول إلى جوهر الخلاف، ما جعل تلك المفاوضات مجرد إجراءات شكلية خالية من نتائج فعلية.

عموما، ظلت صوماليلاند منذ ما يقرب من أربعة عقود تقرع أبواب الاعتراف الدولي، دون أن تُفضي جهودها إلى نتائج تُذكر، سوى ما راكمته عبر بناء نظام حكم ناجح، يُعد استثناءً في المنطقة من حيث الاستقرار وتداول السلطة، إلى أن جاءت الخطوة الإسرائيلية لتشكل أول اختراق من هذا النوع، وهو ما انعكس على حالة من الترحيب والارتياح في أوساط سكان الإدارة، على عكس التوقعات التي كانت ترجّح أن تثير العلاقات مع إسرائيل واعتراف دولة مثلها اعتراضات اجتماعية، بحكم الطبيعة المحافظة للمجتمع والمواقف التقليدية السائدة تجاهها.

سقوط سردية الوحدة المقدسة من مقديشو

بالسجال السياسي والإعلامي المحتدم بين الطرفين، الذي تصاعد بعد الاعتراف الإسرائيلي ووصل إلى الشارع الشعبي، حيث انعكس على حالة غضب واسعة في أوساط مجتمع صوماليلاند تجاه مقديشو واتهامها بمحاولة حرمانهم من حق تقرير المصير عبر الإصرار على فرض وحدة قرروا التخلي عنها قبل أكثر من ثلاثة عقود، أصبح من الضروري أن تتخلى مقديشو عن سردية الوحدة المقدسة التي لطالما تبنتها، وتعيد التفكير في مقاربة أكثر مرونة تتوافق مع متطلبات الواقع الجديد.

مقديشو لم تتعامل مع المفاوضات بالجدية المطلوبة لمعالجة قضية تُعدّ من أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة، فقد بدا أن هدفها من المشاركة في المفاوضات لم يكن الوصول إلى حل حاسم، بقدر ما كان المناورة وكسب الوقت

فالاعتراف الجديد، وإن جاء من إسرائيل وحدها، إلى جانب التأييد الشعبي الواسع لخيار الانفصال في صوماليلاند، وتنامي القناعة بين أبنائها بأن لحظة استكمال الانفصال قد اقتربت، إضافة إلى انتقال ملف الاعتراف من شأن داخلي إلى قضية تنظر إليها أطراف إقليمية ودولية كبوابة لتعزيز نفوذها الجيوسياسي، بما في ذلك التأثير على الممرات البحرية الحيوية القريبة، هي عوامل تجبر مقديشو على بلورة أفكار جديدة أكثر واقعية وجرأة، تتماشى مع التحولات الجارية ومتطلبات المرحلة المقبلة.

ومع كل ما تبذله مقديشو لمنع دول أخرى من حذو إسرائيل، مستعينة بدعم حلفائها وتحركات متعددة الأوجه تشمل محاولات التأثير على سكان مناطق الأطراف في صوماليلاند لتوظيفهم ضد الانفصال، إلى جانب تشديد الضغوط الدبلوماسية على الدول المرشحة للسير على خطى الاعتراف الإسرائيلي، فإن انضمام دول أخرى إلى هذا المسار يبدو مسألة وقت، حيث يعزى ذلك إلى الثقل السياسي والدولي لإسرائيل، وما تمتلكه من حضور وتأثير قادر على دفع بعض حلفائها إقليميًا ودوليًا نحو الاعتراف بصوماليلاند، فضلًا عن مؤشرات على تواطؤ أو قبول ضمني من بعض دول المنطقة مع الخطوة الإسرائيلية.

وفي ظل ما سبق، يبدو أن استمرار مقديشو في اعتماد خطابها التقليدي بشأن قضية صوماليلاند لم يعد يخدم مصالحها، خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية متغيرة، ومزاج شعبي في صوماليلاند يزداد تشددًا في التمسك بخيار الانفصال، ما يفرض على مقديشو ضرورة الانتقال من السرديات الجاهزة والمواقف الجامدة إلى تبني مقاربات أكثر واقعية وجرأة، تنطلق من التعاطي الجدي مع التحولات الجارية ومتطلبات المرحلة المقبلة.

خيارات مقديشو

في ظل اتساع فجوة العجز التي جعلت المقاربات التقليدية غير قادرة على معالجة الملف، وتنامي آفاق الاعتراف الدولي بصوماليلاند، يبدو أن الوقت قد حان لاعتماد استراتيجية مختلفة، وسط تساؤلات حول الخيارات المتاحة أمام مقديشو في مرحلة تتطلب كسر الجمود الذي طبع مقاربتها لعقود.

كلفة الخيارين على مقديشو؛ فالأول قد يجنب البلاد الانزلاق إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية، ويخفف من معاناة صراع طويل الأمد، بينما يحمل الثاني مخاطر الزج بالبلاد في أتون صراع بالوكالة قد ينتهي في نهاية المطاف إلى النتيجة ذاتها التي تحاول مقديشو تفاديه

تبدو هذه الخيارات المتاحة أمام مقديشو محصورة في مسارين، حيث يتمثل الأول في القبول بمطلب الانفصال والدخول في ترتيبات “الطلاق” بين الجانبين، مع حصره في المناطق التي تطالب به فعليًا، واستثناء مناطق الشرق التي أعلنت رفضها للانفصال وأقامت ولاية فيدرالية بدعم من مقديشو، أو في الحد الأدنى الإصرار على إجراء استفتاء نزيه يتيح لسكان تلك المناطق حرية الاختيار.

أما المسار الثاني، فيتمثل في الاستمرار في تحدي مطلب الانفصال عبر أدوات أكثر صدامية، تشمل مواجهات سياسية وربما عسكرية غير مباشرة، من خلال خلق وكلاء محليين في المناطق الحدودية، واستثمار ورقة العشائر في سول وسناغ وأودل في محاولة لإضعاف الإدارة من الداخل، وهو ما بدأت ملامحه تظهر في تحركات مقديشو الأخيرة.

وتختلف كلفة هذين الخيارين على مقديشو؛ فالأول قد يجنب البلاد الانزلاق إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية، ويخفف من معاناة صراع طويل الأمد، بينما يحمل الثاني مخاطر الزج بالبلاد في أتون صراع بالوكالة قد ينتهي في نهاية المطاف إلى النتيجة ذاتها التي تحاول مقديشو تفاديه المتمثلة بالانفصال.

وبالنظر إلى ذلك، تبدو مقديشو أمام لحظة مفصلية تفرض عليها إعادة تقييم شاملة لمقاربتها تجاه قضية صوماليلاند، بعيدًا عن التردد أو تقديس سرديات لم تعد تستجيب لمتطلبات المرحلة، فإما أن تختار المسار الأقل كلفة، الذي قد يحدّ من المخاطر ويخفف تداعيات الأزمة، أو أن تمضي في المواجهة والمناورة، بما قد يجعل الملف رهينًا لأطراف خارجية، ويزيد من تعقيداته، ويفتح منافذ جديدة تغذي عدم الاستقرار.