تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند: اختبار السيادة الصومالية أمام شرعية الأمر الواقع

29 ديسمبر, 2025
الصورة
الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند: اختبار السيادة الصومالية أمام شرعية الأمر الواقع
Share

لم يكن إعلان إسرائيل اعترافها بـصوماليلاند في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2025، مجرد إجراء بروتوكولي، بل علامة على تحوّل أعمق في فهم السيادة داخل القرن الأفريقي. إن المعادلة التي كانت تُدار تاريخياً بمنطق "قدسية الحدود" باتت تُقاس - في نظر كثير من الفاعلين- بمدى القدرة على أداء وظائف أمنية وعسكرية ملموسة، بما يترجم السيادة إلى "فعالية" أكثر منها "شرعية".

يجسد هذا التحول ما وصفه الأكاديمي ستيفن كراسنر بـ "النفاق المنظم" في السياسة الدولية؛ حيث يتم تجاوز القواعد القانونية؛ مثل وحدة الأراضي، لصالح المصالح الأمنية الناجزة. ففي نظر القوى الإقليمية، لم تعد السيادة "حقاً قانونياً" ثابتاً، كما صوره روبرت جاكسون في أطروحته عن "الدول شبه السيادية" أو الدول ذات الضمور السيادي، بل أصبحت "فعالية وظيفية" تُمنح لمن يمتلك القدرة على تأمين الممرات البحرية، وضبط الجغرافيا الحيوية.

يأتي هذا الاعتراف الإسرائيلي في سياق سابقة خطيرة؛ فهو لا يكتفي بمنح شرعية لكيانات الأمر الواقع، بل يضع "الدولة الوطنية" الهشة المعترف بها أممياً، مثل الصومال في مواجهة تحدٍ وجودي: كيف تحافظ على سيادتها في عالم بات يقدّر "الوظيفة" والخدمات الأمنية أكثر مما يقدّر "الشرعية" والأوراق الدبلوماسية؟

تتضاعف خطورة هذا التحول لأنه يتجاوز أطر النزاع بين مقديشو وهرجيسا، ليمتد مباشرة إلى أمن البحر الأحمر ومصالح القوى العربية المركزية. فالاعتراف يرسّخ سابقة تُضعف منطق الدولة الوطنية المعترف بها دولياً، وتمنح شرعية سياسية لكيانات الأمر الواقع، بما يجعل القرن الأفريقي ساحة لاختبار توازنات إقليمية جديدة، ولأمن الممرات البحرية والتجارة العالمية.

يأتي هذا المخاض في ظل مناخ دولي مشحون بالتوترات، امتداداً لترددات الزلزال الجيوسياسي الذي خلفته أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أعادت ترتيب أولويات الأمن الإسرائيلي في البحر الأحمر، وجعل منه ساحة مفتوحة على كافة الاحتمالات. وقد تزامن ذلك مع صعود التنافس الدولي في باب المندب والبحث الأحمر بين القوى الكبرى؛ الصين وأمريكيا على غرار تنافسهم في جيبوتي، وقوى صاعدة مثل تركيا التي فرضت وجودها العسكري في الصومال وجيبوتي.

في هذا المشهد، تسعى تل أبيب لاستغلال الثغرات في جدار السيادة الصومالية، عبر إعادة صياغة عقيدة بن غريون (تحالفات الأطراف)، التي تتجاوز العمل في الظل إلى الاشتباك الجيوسياسي العلني، مدفوعةً بأدوات أكثر حدة وجرأة.

الاعتراف يرسّخ سابقة تُضعف منطق الدولة الوطنية المعترف بها دولياً، وتمنح شرعية سياسية لكيانات الأمر الواقع، بما يجعل القرن الأفريقي ساحة لاختبار توازنات إقليمية جديدة، ولأمن الممرات البحرية والتجارة العالمية

تكمن الإشكالية الجوهرية، حسب الخبراء، في أن هذا الاعتراف يضع الدولة الصومالية الفيدرالية أمام تحدٍّ وجودي مزدوج: شرعية قانونية قائمة، لكنها ضعيفة السيطرة، في مقابل واقع سيادي مفروض يهدد بإطلاق "أثر دومينو" تفكيكي، كما حذر من ذلك داوود أوغلو وزير الخارجية التركي في سياق تعليقه على هذا الاعتراف الإسرائيلي. وأضاف أن خطر الاعتراف لا يقتصر على وحدة الصومال، بل يطال احتمال تحويل الجغرافيا الصومالية إلى ساحة تصفية حسابات مع مصر والسعودية وتركيا.

في توقيت الاعتراف ودوافعه

جاء هذا الاعتراف نتيجة استغلال ذكي لـ "فراغ السلطة" في الصومال، مدفوعاً بخمسة أسباب جوهرية:

أولا، نضج اللحظة تحت مظلة "اتفاقيات أبراهام": رأت إسرائيل أن الظروف قد استوت تماماً لتنفيذ اعترافها، مستغلة التغير الجذري في السياسة الدولية مع عودة دونالد ترامب إلى السلطة. لقد خلق الضغط الأمريكي المتواصل لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" بيئة مواتية لتجاوز العقبات الدبلوماسية، وبما أن الحكومة المركزية في مقديشو رفضت مراراً الانضمام لهذا المسار أو تطبيع علاقاتها، فقد اعتبر نتنياهو اللحظة بمثابة "انتصار ميداني" لرؤيته، حيث صاغ الاعتراف كجزء لا يتجزأ من المنظومة الأمنية لاتفاقيات أبراهام، مقدماً الأقاليم المستعدة للتعاون الوظيفي شريكا بديلا وواقعيا عن المركز الرافض.

ثانيا، إحياء "خطة بن غوريون" بعد زلزال 7 أكتوبر: خلف هذا الحدث وما أعقبه من حصار بحري غير مباشر فرضه الحوثيون على الملاحة المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر صدمة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وأعادت إحياء «عقيدة الأطراف» التي صاغها بن غوريون، والقائمة على بناء تحالفات مع قوى غير عربية على هوامش الإقليم لكسر الطوق الجيوسياسي. في هذا السياق، تراجع جدوى الرهان على إريتريا، التي اقتصر دورها على مراقبة جزئية دون قدرة على تنفيذ عمليات كاملة، نتيجة سعيها لموازنة مصالح متعارضة لمصر والسعودية وإسرائيل في آن واحد. قيد دفع تل أبيب إلى البحث عن موطئ قدم أكثر مرونة وتشغيلاً، فبرزت صوماليلاند بوصفها «الحليف الطرفي» الأنسب، بما توفره من موقع على خليج عدن، وقدرة على تخفيف أثر الحصار الحوثي، وتأمين خطوط الملاحة خارج مسرح المواجهة المباشرة.

ثالثا، التحوط من صعود "المحور التركي" بعد رحيل البعثة الأممية: تزامن هذا التحرك مع قرار إنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة في الصومال، ونقل المسؤوليات بالكامل للحكومة الفيدرالية ما بعد شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل. وربما التخوف الإسرائيلي-الإماراتي المشترك هو أن هذا الانتقال قد يمنح "مقديشو" قوة أكبر في بناء شراكات عسكرية ضخمة مع تركيا، بعيداً عن الرقابة الدولية. لذا، جاء الاعتراف كخطوة استباقية لعرقلة صعود "صومال مركزي قوي" مدعوم من أنقرة، قد يغلق السواحل الشمالية أمام النفوذ الإسرائيلي، ويقلص من قدرة أبوظبي وتل أبيب على المناورة.

رابعا، إجهاض المصالحة وإنقاذ الحليف من الانهيار الميداني: تزامن الاعتراف الإسرائيلي مع شعور هرجيسا بـتهديد وجودي غير مسبوق؛ إذ تآكل ادعاؤها بـ "السيطرة الميدانية الفعالة" بعد خروج مناطق واسعة لصالح ولاية شمال شرق الصومال، وتحريك ملف إقليم أودل أيضا الذي رغم إدارته من قبل صوماليلاند ما زال مرشحا ليخرج عن سيطرتها بعد فقدان سيطرة إقليم سول وبروز الولاية الجديدة هناك. هذا الانحسار الجغرافي لم يضعف موقفها العسكري فحسب، بل ضرب جوهر مطالبتها بالاستقلال القائم على فرض السيادة على حدود عام 1991.

يضع صوماليلاند في مسار تصادمي مع المنظومة الأفريقية القائمة على قدسية الحدود، ويُضعف في الوقت ذاته عمقها العربي والإسلامي. هنا، يصبح الاعتراف علاقة تبعية طويلة الأمد أكثر منه تثبيتاً لسيادة مستقلة وقابلة للاستدامة

في ظل هذا التحدي، يبدو أن الرئيس عبد الرحمن عيرو استخدم ببراعة "الورقة القطرية" عبر زيارته للدوحة، كمناورة استراتيجية للضغط على الإمارات كحليف تقليدي لصوماليلاند لتغير قواعد اللعبة أو قبول انضمام صوماليلاند إلى المحور التركي القطري. لقد أثارت الزيارة قلق أبوظبي، ما دفعت إسرائيل للتعجيل بالاعتراف، ليكون بمثابة "طوق نجاة" سياسي لكيان يترنح ميدانياً، ولقطع الطريق على وساطة تركية أو قطرية قد تؤدي إلى إحياء المفاوضات بين مقديشو وهرجيسا.

التداعيات السياسية والقانونية على الدولة الصومالية

لا يضع الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند الدولة الاتحادية في مقديشو أمام نزاع حدودي جديد فحسب، بل أمام اختبار أعمق يمس جوهر الدولة نفسها. فالقضية هنا لا تتعلق بخطوط على الخريطة، بل بتآكل الفكرة التي قام عليها العقد الوطني الصومالي: وحدة الأرض مقابل وحدة التمثيل والسيادة. هذا الاعتراف يفتح ثغرة في الجدار القانوني الذي استندت إليه الدولة لعقود، ويعيد طرح سؤال مقلق: ما قيمة السيادة إذا لم تعد قادرة على حماية نفسها في الواقع؟

قانونياً، لا يغيّر الاعتراف المنفرد من الوضع الرسمي للصومال في النظام الدولي، فهي ستحتفظ بمقعد الأمم المتحدة فيما تبقى صوماليلاند خارجها على غرار تايوان وكوسوفو. لكن الصومال تواجه معضلة الضمور السيادي أو ما يشبه معضلة أشباه الدول. فالاعتراف يمنح شركات دولية غطاءً سياسياً للتعامل مع هرجيسا باعتبارها سلطة أمر واقع، ما يجرّ مقديشو إلى نزاعات قضائية مع أطراف تستند إلى منطق السيطرة الفعلية لا الشرعية القانونية. بذلك تتحول السيادة من أصل مادي قابل للحماية إلى فكرة مجردة يصعب الدفاع عنها.

سياسياً، هذا التحول لا ينعكس على هرجيسا وحدها، فالرسالة تصل إلى أقاليم بعضها شبه مستقلة، مثل ولاية بونتلاند، ما يعني أن الطريق إلى الخارج لا يمر بالضرورة عبر الدولة المركزية، بل عبر تقديم خدمات أمنية أو جيوسياسية لقوى إقليمية. بذلك تتحول الفيدرالية من إطار لتقاسم السلطة إلى منصة تنافس على الرعاية الخارجية. ومع تراكم هذا المسار، تتآكل الهوية الوطنية الجامعة لصالح كيانات صغيرة مرتبطة بمحاور متنافسة، فيما تصبح الدولة مجرد واجهة دبلوماسية لا مركز قرار فعلي.

في هذا السياق، تتجسد المفارقة التي يشير إليها بعض الباحثين، وفي مقدمتهم حمدي عبد الرحمن: مقديشو تُدفع نحو موقع "دولة السيادة الورقية"، تحتفظ بالاعتراف، ولا تمارس النفوذ، بينما تُعاد صياغة هرجيسا كـ"دولة وظيفية"، تؤدي أدواراً أمنية بالوكالة. هذا الانفصام بين السيادة والوظيفة لا يهدد وحدة الصومال فحسب، بل يحوّل الجغرافيا الصومالية بأكملها إلى منطقة رمادية، مفتوحة أمام صراعات المصالح وتصفية الأزمات الإقليمية والدولية.

الاعتراف الإسرائيل بين المكاسب والمخاطر

تبدو صوماليلاند اليوم وكأنها تراهن على لحظة إقليمية مواتية لتحقيق اختراق في ملف الاعتراف الدولي. غير أن هذا الرهان لا يمثل مساراً مضموناً نحو المكاسب، بقدر ما يضع الإقليم أمام معادلة معقّدة تجمع بين فرص سياسية واقتصادية حقيقية ومخاطر جيوسياسية، قد تقوّض الأساس الذي قام عليه نموذج الاستقرار المحلي منذ 1991.

إن الاعتراف من منظور صوماليلاند - حتى وإن كان جزئياً أو وظيفياً - يكسر حالة "العزلة القاتلة"، ويمنح الكيان مقعداً في معادلات الأمن الدولي، تماماً كما نجحت تايوان في تحويل "ارتهانها" للمظلة الأمريكية إلى محرك للتفوق التكنولوجي والاقتصادي الذي جعل العالم عاجزاً عن تجاهلها، رغم غياب الاعتراف القانوني الكامل. فمن هذا المنظور، قد يفتح التقارب مع إسرائيل أبواب الاستثمارات النوعية في ميناء بربرة، ويمنحها نفاذاً لتقنيات أمنية واستخباراتية متطورة، تعزز قدرتها على مواجهة التهديدات الأمنية أو تثبيت حدودها المترنحة، على غرار تجربة كوسوفو التي استثمرت الحماية الدولية لبناء مؤسسات دولة "واقعية"، فرضت نفسها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه في أي تسوية إقليمية.

مع ذلك، يظل التحدي الجوهري في مدى قدرة النخبة في صوماليلاند على إدارة هذه "التبعية الذكية"، دون الانزلاق إلى مصير الكيانات التي تحولت إلى مجرد "أدوات استنزاف"، حيث أثبت التاريخ أن القوى الكبرى قد تضحي بـ "السيادات الصغيرة" في صفقات المقايضة الكبرى، مما يجعل المسافة بين "الاعتراف الوظيفي" و"الارتهان الكامل" خيطاً رفيعاً، قد ينتهي إلى إعادة تعريف الاستقرار ذاته، من حالة توازن داخلي إلى وضع هش مفتوح على صراعات بالوكالة، تتجاوز كلفتها البشرية والاقتصادية قدرة كيان محدود الموارد والمؤسسات.

كما أن اعتماد أدوار أمنية محددة بوصفها مدخلاً للاعتراف العملي يرسّخ نموذج "السيادة الوظيفية"، حيث تُقاس مكانة الكيان بما يؤديه من وظائف، لا بما يمتلكه من استقلال سياسي فعلي. هذا النموذج قد يوفّر دعماً آنياً، لكنه يضع صوماليلاند في مسار تصادمي مع المنظومة الأفريقية القائمة على قدسية الحدود، ويُضعف في الوقت ذاته عمقها العربي والإسلامي. هنا، يصبح الاعتراف علاقة تبعية طويلة الأمد أكثر منه تثبيتاً لسيادة مستقلة وقابلة للاستدامة.

دبلوماسية رد الفعل الصومالية وحدود فاعليتها

يعكس أداء الدبلوماسية الصومالية في مواجهة هذه التطورات صورة مزدوجة: من جهة، تحرّك تقليدي متماسك نجح في تثبيت الموقف القانوني، ومن جهة أخرى، ارتباك واضح أمام تحولات عميقة في ميزان القوة الإقليمي والدولي. فبعد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، بادرت مقديشو إلى حراك دبلوماسي نشط، حشدت من خلاله دعماً دولياً وإقليمياً مهماً؛ إذ جدّدت الصين والاتحاد الأوروبي تمسكهما بوحدة الأراضي الصومالية، وأكدت جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، مدعومتين بمواقف إحدى وعشرين دولة، الموقف ذاته. كما عبّرت دول من شرق أفريقيا عن دعمها للحكومة الاتحادية. وقد ساعد هذا الزخم على تطويق أثر الاعتراف، ومنع تحوّله إلى مسار دولي واسع، غير أن غموض الموقف الأمريكي حال دون تحويل هذا الدعم إلى عامل ردع مباشر.

لا يضع الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند الدولة الاتحادية في مقديشو أمام نزاع حدودي جديد فحسب، بل أمام اختبار أعمق يمس جوهر الدولة نفسها. فالقضية هنا لا تتعلق بخطوط على الخريطة، بل بتآكل الفكرة التي قام عليها العقد الوطني الصومالي: وحدة الأرض مقابل وحدة التمثيل والسيادة

في المقابل، أظهرت الأزمة اعتماداً مفرطاً على أدوات دبلوماسية نجحت سابقاً في سياق مختلف، ولا سيما في مواجهة «مذكرة التفاهم» الإثيوبية. يومها استطاعت مقديشو، عبر تعبئة الإجماع الأفريقي والدولي، تعطيل المسار الإثيوبي مستفيدة من حساسية أديس أبابا كدولة حبيسة وعضو في المنظومة الأفريقية. غير أن استنساخ التكتيك ذاته في مواجهة إسرائيل يتجاهل الفارق الجوهري بين طبيعة الفاعلين. فبينما تتأثر إثيوبيا بضغوط الجوار والقانون القاري، تتعامل إسرائيل بمنطق مختلف، لا تُجدي معه لغة البيانات ولا قرارات الأمم المتحدة ما لم تقترن بكلفة استراتيجية واضحة.

تعمّق هذا الخلل لأن التحرك الصومالي جاء بعد فرض الأمر الواقع، في لحظة دولية تتقدّم فيها الحسابات الأمنية على الاعتبارات القانونية، خصوصاً بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتصاعد التهديدات الحوثية للملاحة في باب المندب. في مثل هذا السياق، يصبح الاعتماد الحصري على الشرعية الدولية غير كافٍ لردع فاعلين يتحركون بمنطق المنفعة المباشرة.

الأخطر أن الأزمة كشفت ضعفاً في الاستباق الاستخباراتي والسياسي. فقد تحدثت تقارير في الصحافة الإسرائيلية عن زيارة سرّية لرئيس صوماليلاند إلى تل أبيب في أكتوبر/تشرين الأول، قبل الإعلان الرسمي بمدة، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة الدولة الصومالية على رصد التحركات الحساسة في وقتها، وربطها بصنع القرار قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة.

إلى جانب ذلك، أسهم غياب «الردع الخشن» والاعتماد شبه الكامل على تركيا كحائط صدّ رئيسي في كشف أوراق مقديشو. فلم تُبنَ شبكة توازنات أوسع مع قوى كبرى قادرة على رفع كلفة تهميش الدولة المركزية، كما غاب الانخراط البراغماتي الاستباقي الذي بمقدوره أن يحاصر مسارات الالتفاف قبل تفعيلها. فمثلاً، يمكن فتح قنوات تواصل محسوبة مع أطراف فاعلة في اتفاقيات أبراهام لتقديم الصومال شريكا سياديا موثوقا في أمن الملاحة، بما يقلل جاذبية التعامل مع الكيانات الوطنية الفرعية مثل صوماليلاند.

يمتد هذا القصور إلى ضعف قراءة المؤشرات التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول، وعودة ترامب إلى البيت الأبيض، وما رافقها من زخم جديد لتوسيع اتفاقيات أبراهام. ففي الوقت الذي كانت فيه هرجيسا تتحرك بهدوء لبناء قنوات خلفية، والاستعداد لموجة جديدة من التطبيع الوظيفي، واصلت مقديشو الرهان على ثبات القواعد القديمة، فجاء الاعتراف بمثابة صدمة كشفت هشاشة الجبهة الخارجية للدولة.

كما برز إخفاق واضح في إدارة العلاقة مع الإمارات، التي لعبت دوراً خلفياً في مسار الاعتراف، وامتنعت عن إدانته. فبرغم حرص مقديشو على الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقة لضمان استمرار الدعم المالي، لم تنجح في تحويل هذه العلاقة إلى أداة لحماية سيادتها، أو في فرض كلفة سياسية على أي دور يمس وحدة الدولة.

تفرض الوقائع الجيوسياسية الراهنة - وعلى رأسها "الضوء الأخضر" الأمريكي الصريح لتحركات نتنياهو- على مقديشو القطيعة النهائية مع الدبلوماسية التقليدية، والانتقال الفوري نحو استراتيجية "السيادة الذكية" القائمة على اشتباك المصالح لا استجداء المواقف. ففي ظل إدارة أمريكية صفقاتية تدور في فلك نتنياهو ونزواته التوسعية، ترى في "الأمر الواقع" معياراً وحيداً للشرعية، يتحتم على الدولة الصومالية تفعيل أوراق ضغط وجودية لإعادة هندسة التوازنات:

أولاً، استدعاء التوازن القطبي عبر "الورقة الصينية": لا بديل لمقديشو عن التلويح بمنح بكين امتيازات جيوسياسية وقواعد دعم لوجستي على طول الساحل الصومالي. هذا التهديد هو اللغة الوحيدة الكفيلة بضرب عصب المصالح الأمريكية، وتهديد منطقة نفوذ القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا، وإجبار واشنطن على المقايضة بين حماية وحدة الصومال أو خسارة نفوذها في المحيط الهندي لصالح التنين الصيني.

ثانياً، حتمية المحور الإقليمي البديل: إن استعادة التوازن تمر عبر تحويل الوجود العسكري التركي في مقديشو إلى قوة "ردع سيادي" ميدانية، مدعومة بتنسيق استراتيجي مع الرياض والقاهرة. هذا المحور يمتلك المصلحة الحيوية القصوى في منع تحويل خليج عدن إلى "بحيرة إسرائيلية-إثيوبية"، قد تخنق الملاحة في قناة السويس، وتهمش الدور العربي في البحر الأحمر.

ثالثاً، التحذير من "الفراغ السيادي والوظيفي": يجب مواجهة المجتمع الدولي بحقيقة أمنية قاسية؛ وهي أن تقويض الدولة المركزية لصالح كيانات "الأمر الواقع" سيفضي حتماً إلى تحلل سيادي، قد تملأه حركة الشباب. إن الاعتراف الإسرائيلي يمنح الحركة وقوداً أيديولوجياً ودعائياً هائلاً لتصوير الصراع كحرب وجودية ضد "الاختراق الصهيوني"، مما يسهل عليها تجنيد الآلاف تحت راية التحرير الوطني، ويحول القرن الأفريقي من منطقة نزاع سياسي إلى بؤرة إرهاب عابرة للحدود تهدد أمن الملاحة الدولية في أحد أكثر ممراتها حيوية، بشكل يتجاوز قدرة أي اعتراف 'وظيفي على احتوائه.