الثلاثاء 9 ديسمبر 2025
كانت بين أفريقيا وتركيا منذ زمن قديم روابط متعددة، فالعلاقات بدأت في العهد العثماني، واستمرت حتى يومنا هذا. ولم تقتصر تلك الأواصر على العلاقات بين الممالك والسلطنات والدول فحسب، بل تركت آثارًا واضحة في مجالات الفن والأدب أيضًا. لقد تشكّلت روابط أدبية بين الأدباء والمفكرين الأتراك ونظرائهم الأفارقة منذ قرون مضت.
لقد قام الكاتب التركي ناظم حكمت برحلتين إلى أفريقيا، إحداهما إلى مصر والأخرى إلى تنجانيقا، المعروفة اليوم باسم تنزانيا. كما أقام الشاعر التركي الكبير، كاتب النشيد الوطني، محمد عاكف أرصوي سنوات طويلة في مصر، وتناول أفريقيا في بعض أشعاره، بل وذكر القائد السوداني موسى الزنجيفي (Zenci Musa) في عدة أبيات. ومن بين هؤلاء الكتّاب أيضًا هفزي طوبوز الذي سافر إلى السنغال عام 1962، وعمل هناك صحفيًا، وكان من ضمن مؤلفاته "أفريقيا الساحرة"(Büyülü Afrika) و"الصيحةالسوداء" (KaraÇığlık) في هذه الكتب تناول السياسة والفن والثقافة وطريقة الحياة الأفريقية من جوانب مختلفة، مقدّمًا دراسات ذات قيمة كبيرة، كما يروي ذكرياته مع الكاتب الكونغولي فليكس تشيكايا أوتامسي.
زار هؤلاء الأدباء الأتراك عددًا من البلدان الأفريقية وكتبوا أعمالًا مهمة، استوحَوها من رحلاتهم وتجاربهم في القارة السمراء. ويمكن رؤية أثر هذه الروابط الأدبية بين تركيا وأفريقيا بوضوح في عصور التنظيمات الأدبية، وعهد الجمهورية، وجيل الغريب (Garip Dönemi).
اليوم، يكتب عدد من الشعراء والكتّاب الأفارقة أشعارهم ونصوصهم باللغة التركية، وأسهموا بما قدّموه من إنتاج فكري وأدبي وفلسفي في إثراء المكتبة التركية. ومن خلال هذه الجهود، بُنيت صلة فكرية وفنية قوية بين الأناضول وبلدانهم
أما اليوم، فقد أقام بعض الأدباء الأتراك مثل: أحمد سعيد أكجاي وفيغن غوندوز وأنور أربا في أفريقيا، وعكسوا في أعمالهم العلاقة الخاصة التي نشأت بينهم وبين هذه الجغرافيا. وما تزال هذه الروابط تتواصل حتى الآن من خلال كتّاب جدد، وأشكال متجددة من التفاعل الأدبي والفكري والثقافي والفني.

نماذج لمؤلَّفات جديدة باللغة التركية لشباب من أفريقيا
اليوم، يكتب عدد من الشعراء والكتّاب الأفارقة أشعارهم ونصوصهم باللغة التركية، وأسهموا بما قدّموه من إنتاج فكري وأدبي وفلسفي في إثراء المكتبة التركية. ومن خلال هذه الجهود، بُنيت صلة فكرية وفنية قوية بين الأناضول وبلدانهم. وقد عبّر الكاتب والشاعر سليمان ناصر في كتابه "نسائم شعرية من السودان" (Sudan’dan Bir Şiir Esintisi) عن رحلته في كتابة الشعر بالتركية قائلاً: "بعد أن أنهيت الصف الإعدادي في تعلم اللغة التركية، وجدت نفسي من خلال كتب أستاذنا حسن أكاي أمام أصعب وأدق وأرق وأمتن الجمل التركية". وهذا يدل على تأثره العميق بأستاذه لغويًا وأدبيًا، فكان من ثمرة ذلك كتابه نسائم شعرية من السودان.
ومن بين هذه الأعمال كذلك كتاب "البعد التاريخي للبان أفريكانزم" (Tarihten Öte: Panafrikanizm) للكاتب موسى حسين موسى. حيث تناول في كتابــه، حركة البان أفريكانزم عبر العصور، باعتبارها فلسفة وسياسة وثقافة، ومشروعا نضاليا ضد الاستعمار الأوروبي بكافة أشكاله، مسلّطًا الضوء على نضالات الشعوب الإفريقية بالأمس واليوم.
يقدّم الكاتب التوغولي فاروق مينتويبا في كتاب "أفريقيا من منظور أفريقي" (Afrikalı Gözünden Afrika) رؤية تتحدى السردية السائدة التي تصوّر أفريقيا باعتبارها قارة فقيرة ومتخلّفة. ويغطي الكتاب موضوعات واسعة تمتد من الجغرافيا والثقافات المتنوعة إلى تاريخ الاستعمار، وصولًا إلى الوضع السياسي والاقتصادي الراهن. ويبحث في الأسئلة الجوهرية: ما الذي جعل القارة السمراء، الغنية بمواردها الطبيعية، تصل إلى هذا الوضع؟ وكيف حدث ذلك؟
لم تعد اللغة التركية في أقلام الأفارقة مجرّد وسيلة للتواصل، بل أصبحت لغة أدبية تُمكّن من التفاعل الثقافي بين الشعوب. ولم تعد التركية لغة تُستخدم بين الأتراك فحسب، بل باتت تشكل أرضية للتواصل والوحدة بين القارات والأمم
أما الكاتب الغيني عبد الله بن كومانو فيقدّم في كتابه "أفريقيا التي لا تعرفونها" (Bilmediğiniz Afrika) معالجة عميقة للقيم التقليدية في أفريقيا والطقوس وثقافة السرد الشفوي، ونشاطات الحياة الريفية، إضافة إلى التغيرات التي طرأت على البنية الاجتماعية في سياق التحضّر. كما يبرز مبدأ الضيافة الأفريقية وعلاقة الفرد بالمجتمع، وبنية الأسرة، بوصفها فلسفة حياة تضع الإنسان في مركزها. ويقدم رسالة للقارئ التركي مفادها أن أفريقيا ليست مجرد جغرافيا، بل حكاية إنسانية حيّة منتجة ومتضامنة ومقاومة.

اليوم، تتم إحياء الروابط الأدبية بين تركيا وأفريقيا عددٌ من الجمعيات والروابط الطلابية، ولا سيما تلك التي ينشط فيها الشعراء والكتّاب الشباب. إذ تنظّم الروابط والجمعيات الأفريقية فعاليات أدبية في مدن تركية مختلفة، مما يعزز التفاعل الفني والثقافي بين الجانبين. وعلى سبيل المثال الأمسيات الشعرية التي تنظمها رابطة "Africa Without Borders". ومن خلال هذه المحافل الأدبية، يقدم الشباب قصائدهم، ويعرضون حكاياتهم للمجتمع التركي، ناقلين للقارئ التركي بدون أي حواجز لغوية نظرة الشاب الأفريقي المثقف إلى الحياة، وترجمة مشاعره وحبه وفرحه وحنينه ومصيره وألمه وفكره وتقاليده وماضيه ومستقبله.
يبرز مبدأ الضيافة الأفريقية وعلاقة الفرد بالمجتمع، وبنية الأسرة، بوصفها فلسفة حياة تضع الإنسان في مركزها. ويقدم رسالة للقارئ التركي مفادها أن أفريقيا ليست مجرد جغرافيا، بل حكاية إنسانية حيّة منتجة ومتضامنة ومقاومة
تبنّى هؤلاء الشعراء والكتّاب الشباب اللغة التركية لغةً جديدة للتعبير إلى جانب لغاتهم الأم. ولم يقتصر إنتاجهم على الشعر، بل شمل القصة والحكاية والمقالة والكتب الفكرية والفلسفية أيضًا. لم تعد اللغة التركية في أقلام الأفارقة مجرّد وسيلة للتواصل، بل أصبحت لغة أدبية تُمكّن من التفاعل الثقافي بين الشعوب. وبذلك، لم تعد التركية لغة تُستخدم بين الأتراك فحسب، بل باتت تشكل أرضية للتواصل والوحدة بين القارات والأمم. وتسهم هذه الظاهرة في ترسيخ مكانة اللغة التركية كلغة أدب وفن في الساحة الدولية والإقليمية. وقد فتحت الأعمال التي كتبها الشعراء والكتّاب الأفارقة آفاقًا جديدة أمام الأدب الأفريقي والأدب التركي معًا.
بما أن الأمر كذلك، فهل تُعدّ الأعمال والقصائد المكتوبة باللغة التركية على أيدي الكتّاب والشعراء الأفارقة جزءًا من الأدب التركي أم من الأدب الأفريقي؟ وعلى أي أساس تتم عملية التصنيف؟ هل على أساس لغة الكتابة؟ أم على أساس هوية الكاتب؟ أم على أساس الموضوع المتناوَل؟ وإذا كان الكاتب تركيًا يعيش في أفريقيا ويكتب عنها، فإلى أي فئة ستُدرج أعماله؟ وإن حدث العكس، فهل ستتغيّر الإجابة؟
وهل يمكن اعتبار اللغة التركية اليوم لغة أدبية وليدة داخلة في الأدب الأفريقي؟