تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الاتحاد الأفريقي الغائب عن أزماته

7 مارس, 2026
الصورة
الاتحاد الأفريقي الغائب عن أزماته
Share

في مقياس اختلال النظام الدولي، يحتلّ الاتحاد الأفريقي موقعاً خاصاً. هذا ما أراد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قوله، حين خاطب القمة السنوية للاتحاد الأفريقي في 14 فبراير/شباط، واصفاً الاتحاد بأنه "راية للتعددية" في عالم يزداد انقساماً وارتياباً. غير أن هذا الإطراء، على بلاغته، بدا بعيداً من الواقع، تماماً كما لو أُطلق اليوم على الأمم المتحدة نفسها. فالمؤسستان معاً تتقاسمان، بدرجات متفاوتة، المعضلة نفسها: عبارات سامية في القاعات الكبرى، وعجز فادح حين يتعلّق الأمر بإدارة الحروب، وردع المتدخّلين، وفرض تسويات سياسية في الأزمات الأكثر دموية.

القمة التي انعقدت في أديس أبابا استقبلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ضيفة شرف، بعد يوم واحد من رئاستها قمة إيطالية أفريقية في المكان ذاته. وبالطبع، جرى تجاوز الإشارة، بلباقة دبلوماسية محسوبة، إلى هزيمة إيطاليا الساحقة أمام القوات الإثيوبية في معركة عدوة عام 1896. لكن ما لم يكن قابلاً للتجاوز هو طبيعة الرسالة الإيطالية نفسها. فـ"خطة ماتّي" التي تروّج لها ميلوني تبدو، في جوهرها، امتداداً أوروبياً لخطة "البوابة العالمية" التي تقودها المفوضية الأوروبية: استثمارات في البنية التحتية مقابل تشديد الحكومات الأفريقية قبضتها على تدفقات الهجرة نحو أوروبا. وتحت عبارة "مستقبلنا يعتمد على مستقبلكم"، تسعى روما إلى تقديم نفسها جسراً بين القارتين، مع أن هذا "الجسر" مبني، إلى حدّ بعيد، على اعتبارات أمن الحدود الأوروبية أكثر مما هو قائم على شراكة متكافئة.

غوتيريش أضاف، في كلمته، أن استمرار غياب أفريقيا عن العضوية الدائمة في مجلس الأمن "أمر لا يمكن الدفاع عنه". كما كرّر الدعوات المعتادة إلى وقف إطلاق النار، وإلى حلول سياسية "تقودها أفريقيا". لكن هذه اللغة المطمئنة لم تقترب من السؤال الأصعب: لماذا يبدو الاتحاد الأفريقي مغيّباً، أو مهمَّشاً، أو عاجزاً في أبرز الملفات الأمنية بالقارة؟ ولماذا بات حضوره السياسي في مسارات الوساطة وحلّ النزاعات أضعف من أي وقت مضى، فيما تتكاثر النزاعات وتتعمّق التدخّلات الخارجية؟

حتى في ملفّ يلامس الأمن الإقليمي المباشر في القرن الأفريقي، لم تصدر الدعوة الأوضح إلى خفض التصعيد بين إثيوبيا وإريتريا من داخل المنظومة الأفريقية، بل من مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الذي حذّر في 10 فبراير/شباط من أخطار الانزلاق مجدداً نحو الحرب في تيغراي وما حولها. هذه المفارقة تكشف حجم الخلل: من يفترض أنهم الأكثر تضرراً من انفجار جديد في القرن الأفريقي ليسوا هم من يقودون التحذير أو يملكون زمام المبادرة.

خارج الجلسات الرسمية، كانت الصورة أكثر قسوة. فقد ركّزت مناقشات المجتمع المدني على الهوة الآخذة في الاتساع بين الاتحاد الأفريقي وشعوب القارة. ووجّه ناشطون انتقادات حادّة إلى الاتحاد بسبب تهنئته الفائزين في انتخابات وُصفت بأنها عنيفة ومزوّرة في تنزانيا وأوغندا. هنا لا يعود السؤال مقتصراً على الضعف المؤسسي، بل يمتدّ إلى أزمة شرعية: كيف يمكن لمنظمة إقليمية أن تدّعي الدفاع عن الديمقراطية والاستقرار بينما تمنح غطاءً سياسياً لعمليات انتخابية مطعون في نزاهتها؟

الأزمة، في نهاية المطاف، ليست فقط في الأشخاص، بل في طبيعة المؤسسة ذاتها: جهاز ضخم، طموحاته تفوق إمكاناته، وقراراته تتكاثر فيما تنحسر قدرته على التنفيذ

قبل انعقاد القمة، لخّصت مجموعة الأزمات الدولية هذه الحالة بعبارة لافتة: "حين تكون الحاجة إلى الاتحاد الأفريقي في أقصاها، يكون في أضعف حالاته منذ تأسيسه مطلع هذا القرن". يستشهد منتقدو الاتحاد بقرار القادة انتخاب وزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف رئيساً لمفوضية الاتحاد في فبراير/شباط 2025، متقدماً على الكيني رايلا أودينغا، أحد أبرز السياسيين والدبلوماسيين في القارة، والذي توفي في أكتوبر/تشرين الأول. أودينغا كان يملك، بحكم تجربته وشبكاته ومكانته، ثقلاً سياسياً أفريقياً ودولياً لا يملكه منافسه. أما يوسف، فرغم خبرته الدبلوماسية، فقد بدا محدود التأثير، وظهر ذلك سريعاً حين حاول التوسّط في جنوب السودان عقب اعتقال نائب الرئيس رياك مشار، ليجد نفسه في مواجهة تجاهل واضح من الرئيس سلفا كير.

هذا الاختيار لم يكن مجرد تفصيل إداري، بل مثّل أيضاً إحراجاً للرئيس الكيني وليام روتو، الذي خلف الرئيس الرواندي بول كاغامي في لعب دور قائد أجندة إصلاح الاتحاد الأفريقي منذ عام 2022. روتو حاول الدفع باتجاه إعادة هيكلة عمل الاتحاد، لكنه اصطدم بعوائق بنيوية وسياسية عميقة. فالأزمة، في نهاية المطاف، ليست فقط في الأشخاص، بل في طبيعة المؤسسة ذاتها: جهاز ضخم، طموحاته تفوق إمكاناته، وقراراته تتكاثر فيما تنحسر قدرته على التنفيذ.

من أبرز حملات روتو سعيه إلى إقناع الدول الأعضاء بالمساهمة بمليار دولار في صندوق أفريقي مشترك للسلام، بما يسمح للاتحاد بتمويل مقاربة "حلول أفريقية للنزاعات الأفريقية". وفي يوليو/تموز 2024، أعلن الاتحاد أن الدول الأعضاء تعهّدت بتقديم 392 مليون دولار إلى صندوق السلام، وقد جرى تسويق الرقم بوصفه اختراقاً مهماً مقارنة بمساهمة لم تتجاوز 7.5 ملايين دولار في عام 2016. لكن حتى هذا "التقدّم" يظلّ غامضاً، إذ ليس واضحاً ما إذا كانت هذه التعهّدات تمثل التزاماً ثابتاً أم مجرد مساهمات ظرفية.

في كل الأحوال، فإن هذا المستوى من التمويل لا يقرب الاتحاد من الاكتفاء الذاتي. فبعثة "الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال" وحدها، المعروفة باسم "أوصوم"، تحتاج إلى 832.5 مليون دولار على مدى خمس سنوات، بينما لم يساهم صندوق السلام التابع للاتحاد إلا بعشرة ملايين دولار العام الماضي. الفجوة هنا ليست محاسبية فقط، بل سياسية أيضاً: منظمة تريد أن تكون فاعلاً أمنياً مستقلاً، لكنها لا تملك مالاً يكفي لتثبيت مهمة واحدة في دولة واحدة.

في عرضه لخطة الإصلاح، قال روتو إن الاتحاد "يجب أن يكثّف استجابته للانقلابات العسكرية والتغييرات غير الدستورية في الحكم من خلال الاستثمار أكثر في الديمقراطية الوقائية"، في إشارة إلى انقلابات الساحل وغرب أفريقيا، وكذلك إلى ما شهدته مدغشقر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. غير أن معهد الأجندة الأفريقية الشاملة، قبيل قمة أديس أبابا، ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن القانون التأسيسي للاتحاد لعام 2002 صار أشبه ببقايا نظام عالمي أحادي القطبية تشكّل بعد الحرب الباردة تحت الهيمنة الأميركية. المشكلة، بحسب هذا المنظور، ليست فقط في ضعف التنفيذ، بل في أن بنية الاتحاد نفسها صيغت لعالم لم يعد قائماً.

يذهب النقد إلى أن أكبر إخفاقات الاتحاد يظهر في مجالات السلم والأمن، كما يتجسد بوضوح في الحرب المدمّرة بالسودان، وفي الانسدادات المستمرة في ليبيا، وشرق الكونغو الديمقراطية، والصومال. فالسلطة الدستورية التي تتيح للاتحاد التدخل دعماً للاستقرار أو لحماية الدول الأعضاء قائمة على الورق أكثر مما هي قائمة في الواقع. تنص المادة الرابعة من ميثاق الاتحاد على إمكان التدخل حين تفقد الحكومات السيطرة على أراضيها، لكن الاتحاد ظلّ صامتاً، أو جرى استبعاده عملياً من مبادرات السلام، في كل واحدة من هذه الأزمات.

هذا الفراغ لم يبقَ فراغاً طويلاً. لقد ملأته قوى خارجية، خصوصاً الإمارات العربية المتحدة والسعودية، عبر إدارة صراعات بالوكالة تقوّض الدول الإقليمية بدل أن تدعمها. والسودان هو المثال الأكثر فجاجة. فالإمارات، بحسب كمّ واسع من الأدلة، واصلت تسليح قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، الذي تتخذ إمبراطوريته التجارية من دبي مقراً. وبينما ظلّ الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ينفي أي تورّط، تراكمت التقارير الصادرة عن تحقيقات أممية، ومراقبة جوية أميركية، وتحقيقات صحافية مستقلة، لتشير إلى عكس ذلك بوضوح.

في الكواليس، أضفت الشائعات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي في دول الخليج شيئاً من الضجيج على أجواء أديس أبابا، مع أحاديث عن تدهور صحة محمد بن زايد واحتمال تعرّضه لتمرّد عائلي. وسارع آخرون إلى وصف هذه الروايات بأنها دعاية ممولة من السعودية لإضعاف فرع أبوظبي داخل النظام الملكي الإماراتي. لكن، بصرف النظر عن صحة هذه الأحاديث، فإن ما يهمّ أفريقيا أكثر هو أن دعم أبوظبي لميليشيا حميدتي، التي حمّلها الأمم المتحدة مسؤولية مباشرة عن مذابح واسعة في دارفور خلال العامين الماضيين، دفع داعمي الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان إلى رفع مستوى إمداداتهم العسكرية.

السلطة الدستورية التي تتيح للاتحاد التدخل دعماً للاستقرار أو لحماية الدول الأعضاء قائمة على الورق أكثر مما هي قائمة في الواقع

فإلى جانب الدعم المصري والتركي المستمر للقوات المسلحة السودانية، دخلت السعودية بثقل مالي أكبر، عبر تمويل صفقة تقدر بنحو 1.5 مليار دولار مع باكستان لتزويد الجيش بطائرات "كاراكورام" المقاتلة، وطائرات "إف-17" المطوّرة بالتعاون مع الصين، إلى جانب طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي. والنتيجة هي تكريس توازن دموي على أرض المعركة، في وقت تبدو فيه "الرباعية" التي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، والمفترض أنها تعمل للتوصّل إلى وقف إطلاق نار واتفاق سلام، أقرب إلى إطار عاجز أو متناقض مع نفسه. بالنسبة إلى السودانيين، ليس في الأمر ما يدعو إلى الاطمئنان: الوسطاء الدوليون، مثل نظرائهم في الاتحاد الأفريقي، يبدون أضعف من المصالح التي يفترض بهم كبحها.

إذا كانت الدبلوماسية الأميركية والأوروبية عاجزة عن لجم مصالح دول الخليج، فمن الصعب توقّع أن يذهب محمود علي يوسف إلى مواجهة أبوظبي أو الرياض. لكن الأخطر أن التنافس بين السعودية والإمارات، المتصاعد منذ أواخر العام الماضي، لم يعد محصوراً بالخلافات الاقتصادية أو النفوذ الإقليمي التقليدي، بل أخذ شكلاً أكثر حدة، بدأ في جنوب اليمن وتمدّد أساساً عبر وكلاء داخل أفريقيا. وهكذا، تتحول القارة مرة أخرى إلى ساحة تصفية حسابات بين قوى غير أفريقية، فيما الاتحاد الذي يفترض أنه مظلتها السياسية والأمنية يراقب من الهامش.

داخل قمة الاتحاد، كان القلق الأكبر، في الجلسات المغلقة، يتمحور حول احتمال أن تدفع الإمارات وإسرائيل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى مغامرة عسكرية غير محسوبة للسيطرة على ميناء عصب الإريتري على البحر الأحمر. لكن الاتحاد، وفاءً لتقليد بات أقرب إلى التواطؤ مع الصمت، استبعد رسمياً الخوض في المخاطر الأمنية للدولة المضيفة. وهكذا، بقي شبح الحرب المتجددة بين أديس أبابا وأسمرة خارج جدول الأعمال، رغم أنه من أخطر الملفات على أمن القارة في هذه اللحظة.

إلى جانب سوء الخيارات الاستراتيجية، ثمّة عامل جوهري آخر يفسر ضعف الاتحاد: اقتصاده السياسي. فالمؤسسة لا تملك الموارد المالية التي تمكّنها من فرض إرادتها دبلوماسياً، ناهيك عن نشر قوات قادرة على فرض السلام. والاقتصادات الصغيرة داخل الاتحاد لا تثق بالدول الأكبر، ولا تريد أن تمنحها نفوذاً إضافياً مقابل مساهمات مالية أكبر. النتيجة أن الاتحاد يظلّ معتمداً على الخارج، مالياً وتقنياً وسياسياً.

في عام 2024، قدّم الاتحاد الأوروبي 370 مليون دولار من أصل ميزانية سنوية للاتحاد الأفريقي بلغت 605 ملايين دولار، كما موّل ملايين الدولارات من "الدعم التقني" لمفوضية الاتحاد، المصممة على نموذج المفوضية الأوروبية، وهي تعمل على تنسيق اللوائح الخاصة بمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. وكان يفترض أن يصل الاتحاد إلى التمويل الذاتي بحلول عام 2020 عبر رسم موحّد بنسبة 0.2٪ أوصي به في 2016. لكن 17 دولة فقط من أصل 55 تطبّق هذا الرسم. وهذه بدورها نقطة ضعف بنيوية أخرى: الاتحاد يصدر كماً كبيراً من القرارات والتوصيات، ثم تُنسى بمجرد عودة القادة إلى عواصمهم.

لم يكتفِ الاتحاد الأوروبي وبكين بتمويل مؤسسات الاتحاد بدافع "المساعدة"، بل استخدما ذلك أيضاً لضمان مقعد، إن لم يكن صوتاً مقرراً، على طاولة النفوذ الأفريقي. فالقارة، رغم محدودية حصتها من النمو العالمي، تظلّ سوقاً صاعدة ومجالاً استراتيجياً بالغ الأهمية. وقد بُني مقر الاتحاد الأفريقي على نفقة الصين، التي تمضي كذلك في إنشاء مقر جديد للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. ومثل هذه الحقائق تشرح لماذا يصعب الحديث عن "استقلالية أفريقية" كاملة في ظل بنية تمويل تسمح للمانحين الأجانب بالتأثير في الأولويات والمسارات.

وجّه ناشطون انتقادات حادّة إلى الاتحاد بسبب تهنئته الفائزين في انتخابات وُصفت بأنها عنيفة ومزوّرة في تنزانيا وأوغندا. هنا لا يعود السؤال مقتصراً على الضعف المؤسسي، بل يمتدّ إلى أزمة شرعية

لا يقتصر العجز على الاتحاد الأفريقي وحده. فالتكتلات الإقليمية الأخرى تعاني بدورها من امتناع الدول الأعضاء عن سداد مساهماتها، ومن تجاهل البروتوكولات الموقعة. وحتى داخل مجموعة شرق أفريقيا، التي تُعدّ من أكثر الكتل الإقليمية تماسكا، ما تزال الحواجز التجارية كثيرة، فيما تلتزم كينيا ورواندا وحدهما تقريباً بدفع مساهماتهما بانتظام. وهذا يكشف مشكلة أوسع من مجرد فشل مؤسسة بعينها: أزمة التزام سياسي حقيقية لدى الحكومات الأفريقية تجاه العمل الإقليمي المشترك.

مع ذلك، يرى بعض قادة المجتمع المدني في أديس أبابا ونيروبي أن تقليص ميزانيات التنمية في الدول الغربية، بما يفرض على الاتحاد الأفريقي أن يعتمد أكثر على نفسه، قد يحمل وجهاً إيجابياً. فإجبار الحكومات الأفريقية على تمويل الاتحاد قد يجعل المنظمة، وكذلك القادة الوطنيين، أكثر خضوعاً للمساءلة. وكما يقول مهاري تادلي مارو، رئيس معهد الأجندة الأفريقية الشاملة: "حين تموّل منظمة ما، فإنك تحاسبها". وهو حكم يختصر المعضلة المتمثلة باستحالة شراء الاستقلال السياسي من الخارج.

غير أن هذا النقاش المالي والمؤسسي يقود إلى سؤال أشد حساسية، هل ما زال الاتحاد يتعامل مع الدول الأفريقية كما هي على الورق، لا كما أصبحت على الأرض؟ هنا يذهب بعض المفكرين الأفارقة إلى طرح راديكالي. فالمحبوب معلم، الأمين التنفيذي السابق للهيئة الحكومية للتنمية في القرن الأفريقي "إيغاد"، يرى أن مشاكل الاتحاد "سياسية بطبيعتها"، لأنه يلاحق أهدافاً أكثر من طاقته، وينتشر على جبهات أكثر من قدرته، ويعتمد أكثر مما ينبغي على التمويل الخارجي. أما مهاري مارو فيدعو القادة الأفارقة إلى مواجهة حقيقة صعبة: ليبيا والسودان، في جوانب كثيرة، جرى تفكيكهما فعلياً بالفعل.

الأرقام تدعم هذا التشخيص القاتم. فقد ارتفع عدد القتلى الأفارقة في الحروب الأهلية والنزاعات من نحو 44 ألفاً بين 2004 و2008 إلى 414 ألفاً بين 2019 و2023، وذلك قبل اندلاع الحرب الأهلية السودانية التي دخلت عامها الثالث، وقبل التصعيد الحاد في شرق الكونغو الديمقراطية. لذلك، يدعو مارو إلى "إعادة تخيّل الدولة" في أفريقيا، عبر مزيد من اللامركزية، والفيدرالية، والكونفدرالية. الفكرة هنا ليست الاحتفاء بالتفكك، بل الاعتراف بأن صيغ الدولة المركزية الصلبة، الموروثة من الحدود الاستعمارية، لم تعد قادرة دائماً على استيعاب التعدد ولا على منع الانهيار.

لكن هذا الطرح نفسه ينطوي على مخاطر جديدة. فقد تبناه، مثلاً، برنار بيسيموا، زعيم حركة "إم 23" المدعومة من رواندا، حين قال قبل القمة إن منظمته قد تقبل بصيغة "كونفدرالية" في الكونغو الديمقراطية. وهذا النوع من الخطاب يثير مخاوف مشروعة من أن يتحول "الواقعي" إلى وصفة لتشريع الوقائع العسكرية التي تفرضها الميليشيات والقوى الخارجية. غير أن مارو يصرّ على أن البديل أسوأ: إذا لم تُبتكر صيغ تحفظ تماسك الدول مع الاعتراف بتنوعها، فإن مزيداً من التشظي ينتظر القارة. وهو يذهب إلى حد القول إن "صوماليلاند هي التالية، وقد تتبعها كيانات أخرى".

هنا تحديداً تتضح المعضلة الوجودية للاتحاد الأفريقي. فالميثاق المؤسس للاتحاد يقوم على صيانة الحدود الموروثة عن الاستعمار بوصفها أساس النظام الإقليمي. لكن الوقائع السياسية والعسكرية والاقتصادية تدفع في اتجاهات أكثر سيولة. وتقدم مقاربات الملكيات الخليجية مثالاً صارخاً على هذا الانقسام. فالإمارات، بدعمها قوات الدعم السريع في السودان، وبالتعاون مع إسرائيل في الاعتراف بكيان صوماليلاند المنفصل، تبدو منسجمة مع خريطة أفريقية جديدة أكثر تفككاً. أما السعودية، التي ما تزال شبكاتها الأفريقية أقل رسوخاً من شبكات الإمارات، فتميل إلى تفضيل الإبقاء على النظام القائم للدول والحدود، وهو أيضاً المبدأ المكرّس في ميثاق الاتحاد.

في المحصلة، لا تكمن أزمة الاتحاد الأفريقي فقط في ضعف موارده أو ارتباك قيادته أو هشاشة آليات إنفاذه. أزمته الأعمق أنه لم يحسم بعد طبيعة دوره في قارة تتغير أسرع من مؤسساته: هل هو منصة خطابية تمنح الشرعية للأنظمة القائمة وتستجدي تمويلاً خارجياً، أم إطار سيادي قادر فعلاً على صوغ أمن أفريقي مستقل، ومساءلة القادة، ومواجهة المتدخلين، والاعتراف بوقائع جديدة من دون السقوط في شرعنة التفكك؟ ما دامت الإجابة معلّقة، سيظل الاتحاد حاضراً في القمم، وغائباً عن الأزمات. ذلك هو التناقض الذي يختصر حال مؤسسة كان يفترض أن تكون بيت السياسة الأفريقية، فإذا بها، في أكثر اللحظات خطورة، تقف على العتبة لا في الداخل.