تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الاتفاقية الدفاعية بين تركيا وجيبوتي: بوابة نفوذ جديد للبحر الأحمر

5 أغسطس, 2025
الصورة
الاتفاقية الدفاعية بين تركيا وجيبوتي: بوابة نفوذ جديد للبحر الأحمر
Share

تواصل تركيا توسيع نطاق حضورها في القرن الأفريقي، ضمن استراتيجية متعددة المسارات تجمع بين التعاون العسكري والدبلوماسي. فبعد خطواتها المتقدمة في الصومال وإثيوبيا والسودان، وجّهت أنقرة بوصلتها نحو جيبوتي، الدولة الصغيرة التي تحتل موقعًا محوريًا على البحر الأحمر؛ فهي واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة من حيث تمركز القواعد العسكرية الأجنبية. وقّع البلدان في يوليو/تموز 2025، بروتوكولا لتعاون العسكري يُنظر إليه كجزء من استراتيجية تركية أشمل لتعزيز حضورها في البحر الأحمر، وموازنة النفوذ الخليجي المتنامي في شرق أفريقيا.

السياق العام للاتفاقية

وقّعت وزارة الدفاع التركية ونظيرتها الجيبوتية بروتوكول تعاون عسكري جديد على هامش معرض الصناعات الدفاعية الدولي (IDEF) 2025 في إسطنبول، وذلك في 21 يوليو/تموز 2025. وتم التوقيع بحضور وزير الدفاع التركي يشار غولر ووزير الدفاع الجيبوتي حسن عمر محمد، ويتضمن الاتفاق محاور متعددة منها: التدريب العسكري والدعم الفني والتزوّد بمنتجات الصناعات الدفاعية، بالإضافة إلى تنفيذ تدريبات مشتركة بين الجيشين.

في واقع الأمر، لم يكن هذا البروتوكول سابقة في العلاقات بين البلدين، بل يمثل امتدادًا لمسار تعاون دفاعي بدأ عام 2024، حين وقّع الطرفان ثلاث اتفاقيات في فبراير/ شباط 2024 تضمنت الدعم المالي والتدريب والمساعدات العسكرية، ما يكشف بوضوح عن تصاعد العلاقات الثنائية بين البلدين في المجال الأمني. تندرج هذه التحركات في سياق إقليمي مضطرب، يشهد تزايد التوترات في البحر الأحمر على إثر الحرب الإسرائيلية على غزة.

في سياق متصل، يكتسب البروتوكول العسكري زخمه من تطور موازٍ في العلاقات السياسية بين الجانبين؛ إذ وقّع حزب العدالة والتنمية التركي والحزب الحاكم في جيبوتي في فبراير/ شباط 2025 اتفاق شراكة سياسية، يهدف إلى توسيع التعاون في المجالات الحزبية والاقتصادية والثقافية.

تسعى أنقرة إلى تأمين موطئ قدم في هذا المعبر الاستراتيجي، ضمن رؤية أشمل لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر

على مستوى أعمق، يتبلور هذا التحرك ضمن توجه تركي أوسع في القرن الأفريقي، تجلّى في توقيع اتفاقية دفاعية استراتيجية مع الصومال عام 2024، وتطوير العلاقات الأمنية مع إثيوبيا، واستمرار الحضور في السودان رغم الأزمات الداخلية. وفي ظل انكماش أدوار بعض الفاعلين الدوليين، تعمل أنقرة على إعادة تموضعها في المنطقة عبر أدوات متوازية تشمل الشراكة الأمنية والدبلوماسية الحزبية والتعاون الاقتصادي.

دوافع التوجه التركي نحو جيبوتي

يمثل الموقع الجيوستراتيجي لجيبوتي أحد المحركات الرئيسية للتوجه التركي نحوها، إذ تقع البلاد عند نقطة التقاء البحر الأحمر بخليج عدن، في منطقة مضيق باب المندب الحيوي، الذي تمر عبره حوالي 12٪ من نسبة التجارة البحرية الدولية. هكذا جعل الموقع من جيبوتي مركزًا رئيسيًا للنقل البحري واللوجستيات، ومنحها أهمية فائقة في معادلات الأمن البحري الإقليمي والدولي، ما حدا بأنقرة إلى السعي لتأمين موطئ قدم في هذا المعبر الاستراتيجي، ضمن رؤية أشمل لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر وشرق أفريقيا، والتفاعل المباشر مع التوازنات الجيوسياسية المتغيرة في المنطقة.

على صعيد آخر، شكّلت التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، خاصة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أحد الدوافع المحورية وراء توقيع الاتفاقية بين تركيا وجيبوتي. فقد أدت سلسلة الهجمات الحوثية المتكررة على السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل إلى زعزعة استقرار الممرات البحرية، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكلفة الشحن.

على هذا النحو، دفع الوضع الأمني المتدهور أنقرة إلى البحث عن موطئ قدم عسكري أقرب إلى هذه المنطقة الحساسة، ما يجعل التعاون مع جيبوتي خطوة استباقية لحماية مصالحها، وتعزيز حضورها في معادلات أمن البحر الأحمر.

علاوة على ذلك، يشكّل التراكم العسكري والسياسي لتركيا في الصومال منذ افتتاح أكبر قاعدة عسكرية لها عام 2017 خلفية مهمة لفهم توجه أنقرة نحو جيبوتي، وعقد اتفاقية دفاعية معها. فمع تصاعد الاضطرابات الأمنية في مقديشو وتراجع الاستقرار السياسي هناك، تبرز الحاجة إلى موقع أكثر استقرارًا يمكن من خلاله إدارة المصالح التركية في القرن الأفريقي. وجيبوتي، بما تملكه من موقع استراتيجي وبنية عسكرية جيدة، توفّر نقطة ارتكاز بديلة وآمنة، وتخدم هدف أنقرة في تعزيز انتشارها الإقليمي وسط تنافس محتدم مع قوى دولية فاعلة في البحر الأحمر.

مكاسب جيبوتي من الاتفاقية

تحقّق جيبوتي من توقيع الاتفاقية الدفاعية مع تركيا مكاسب متعددة، على رأسها تعزيز قدراتها العسكرية الذاتية في ظل واقع يفرض عليها الاعتماد على قوات محدودة الإمكانات. فعلى الرغم من استضافة البلاد لعدد كبير من القواعد العسكرية الأجنبية، إلا أن هذه القواعد تخدم مصالح القوى المالكة لها، ولا تساهم فعليًا في بناء الجيش الجيبوتي أو تطوير جاهزيته. من خلال التعاون مع تركيا، تأمل جيبوتي في الحصول على برامج تدريب نوعية ودعم تقني، وربما معدات من الصناعات الدفاعية التركية، على غرار ما قدمته أنقرة سابقًا للجيش الصومالي.

كما تمنح الاتفاقية جيبوتي فرصة لتوسيع هامش تحركها الخارجي في بيئة إقليمية مضطربة، إذ تتبع جيبوتي سياسة متوازنة، تقوم على تنويع الشركاء لتفادي الانحياز إلى أي محور دولي أو إقليمي، وتأتي الشراكة مع تركيا كإضافة نوعية في هذا السياق، خصوصًا أن أنقرة لا تُصنَّف ضمن القوى التقليدية المهيمنة في البحر الأحمر. بذلك، تتيح الاتفاقية للقيادة الجيبوتية تعزيز موقعها التفاوضي أمام القوى الكبرى الموجودة بالفعل على أراضيها، مثل: فرنسا وأمريكا والصين، دون المساس بتوازناتها الداخلية.

مع تصاعد الاضطرابات الأمنية في مقديشو وتراجع الاستقرار السياسي هناك، برزت الحاجة إلى موقع أكثر استقرارًا يمكن من خلاله إدارة المصالح التركية في القرن الأفريقي

فضلاً عن ذلك، قد تفتح الاتفاقية الدفاعية الباب أمام شراكات أوسع في مجالات البنية التحتية والخدمات اللوجستية، كما يمكنها أن تصبح بوابة محتملة لتعميق العلاقات التجارية وجذب الاستثمارات، خاصة في ظل حرص جيبوتي على ترسيخ مكانتها مركزا لوجستيا إقليميا ومحورا رئيسيا لنقل على البحر الأحمر.

الاتفاقية في ظل تنامي الحضور الخليجي والإسرائيلي في شرق أفريقيا

يأتي التوسع التركي في جيبوتي في ظل تصاعد واضح للدور الخليجي، خاصة السعودي والإماراتي، في شرق أفريقيا والبحر الأحمر. فخلال السنوات الأخيرة، ضاعفت كل من الرياض وأبوظبي من استثماراتهما في البنية التحتية والموانئ في دول مثل السودان وإريتريا والصومال، فضلًا عن الحضور العسكري المباشر أو غير المباشر عبر اتفاقيات تعاون أمني.

امتد هذا النفوذ إلى جيبوتي نفسها، حيث أسست الإمارات سابقًا وجودها عبر شركة موانئ دبي العالمية، قبل أن تتوتر العلاقة مع الحكومة الجيبوتية. تسعى أنقرة في هذا السياق إلى كسر الهيمنة الخليجية على الشراكات الاقتصادية والأمنية، وتقديم نفسها كطرف بديل لدول القرن الأفريقي.

تمنح الاتفاقية جيبوتي فرصة لتوسيع هامش تحركها الخارجي في بيئة إقليمية مضطربة

على الجانب الآخر، لا ينفصل التحرك التركي نحو جيبوتي عن إدراك أنقرة لتغير موازين القوى في البحر الأحمر، حيث باتت أبوظبي والرياض تتعاملان مع هذا الشريط الساحلي كامتداد مباشر لأمنهما القومي. فالمشاريع الإماراتية في موانئ القرن الأفريقي، من بربرة إلى بوصاصو، والجهود السعودية لتكثيف حضورها في دول شرق أفريقيا ومنطقة البحر الأحمر، تعكس طموحًا خليجيًا واضحًا للسيطرة على الممرات البحرية والتأثير في المعادلات الإقليمية. ومن ثم، فإن توسيع تركيا لعلاقاتها مع جيبوتي يمثّل محاولة لموازنة هذا النفوذ، وفتح مسارات تحرّك جديدة في منطقة تزداد فيها المنافسة على الموانئ والنقاط الاستراتيجية.

أما على مستوى العلاقة مع إسرائيل، فهناك قلق تركي متزايد من تعزيز تل أبيب لعلاقاتها الأمنية والتجارية مع بعض دول شرق أفريقيا في أعقاب اتفاقات التطبيع. فإسرائيل تسعى لتأمين منفذ استخباراتي ولوجستي قريب من البحر الأحمر، وتطوّر علاقاتها مع إثيوبيا والسودان، وتسعى لنفوذ غير مباشر في ممرات الملاحة. وبالتالي، فإن توقيع الاتفاقية مع جيبوتي يمنح أنقرة موقعًا متقدمًا للمراقبة والتفاعل مع هذه التغيرات، ويُعزز من قدرتها على التأثير في ترتيبات الأمن البحري المتشكّلة في المنطقة، في ظل صمت وتراجع بعض الأدوار الغربية التقليدية.

في ضوء ما سبق، تشكّل الاتفاقية العسكرية بين تركيا وجيبوتي حلقة جديدة في مسار شراكة ثنائية، تطورت بهدوء خلال السنوات الماضية، وتأتي في وقت يشهد تصاعدًا في التنافس الإقليمي على البحر الأحمر. بينما تكتسب تركيا موطئ قدم إضافي في منطقة استراتيجية، تحرص جيبوتي على تنويع شركائها دون الإخلال بتوازناتها الدقيقة مع القوى الدولية.