الثلاثاء 14 يوليو 2026
يُعد الاستعمار السام إحدى أبرز مظاهر الهيمنة الجديدة، حيث تقوم الدول الصناعية الكبرى بتصدير موادها الكيميائية المحظورة إلى الدول الأقل نموا، مستغلة هشاشة أنظمتها البيئية والقانونية. يتضح ذلك جليا في انتهاج الاتحاد الأوروبي سياسة تتسم بازدواجية المعايير، فبينما يفرض الاتحاد معايير بيئية صارمة تخدم مصالحه السياسية والاقتصادية، نجد أنه يُصدِّر المخاطر البيئية والصحية للقارة السمراء. فبالرغم من حظر عدد من المبيدات الكيميائية داخل الاتحاد الأوروبي، لما تُشكله من مخاطر جسيمة سواء على البيئة أو صحة الإنسان، إلا أن الشركات الأوروبية تواصل تصنيع وتصدير هذه المبيدات المحظورة إلى البلدان الأفريقية.
تلعب عدد من الشركات الأوروبية دورا هاما في تصدير المبيدات المحظورة خارج الاتحاد الأوروبي، لاسيما شركة (BASF) الألمانية وشركة (Syngenta) السويسرية، فقد كشف التحقيق الاستقصائي الذي أجرته منظمتا "Public Eye" و "Unearthed"، أن الاتحاد الأوروبي وافق عام 2024 على تصدير ما يقرب من 122 ألف طن من المبيدات الحشرية التي يحظر استخدامها في مزارعه؛ بسبب المخاطر التي تشكلها على صحة الإنسان والبيئة.
تكشف البيانات عن أرقام مقلقة تخص القارة الأفريقية، فقد كان نصيب أفريقيا من هذه الكمية حوالي 9000 طن من المبيدات المحظورة في بلدان المنشأة. وقد حلّت كل من المغرب وجنوب أفريقيا في طليعة الدول المستوردة لهذه المواد، مما يسلط الضوء على الفجوة التشريعية الكبيرة بين القوانين المحلية والاتفاقيات الدولية، ويستدعي تحركاً عاجلاً لإعادة النظر في معايير السلامة الزراعية المعتمدة.
وافق الاتحاد الأوروبي عام 2024 على تصدير ما يقرب من 122 ألف طن من المبيدات الحشرية التي يحظر استخدامها في مزارعه؛ بسبب المخاطر التي تشكلها على صحة الإنسان والبيئة
فعلى سبيل المثال، نجد في مقدمة هذه السموم المُصدَّرة مبيد "1،3-ثنائي كلوروبروبين" الذي يُصنَّف كمادة مسرطنة محتملة، ومحظور في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2007 لتسببه في تلوث المياه الجوفية. إلى جانب ذلك، تُصدِّر الشركات الأوروبية مبيد "ثياميثوكسام" شديد السمية للنحل، والمحظور استخدامه في الاتحاد الأوروبي منذ 2018، مما يساهم في تدمير الملقحات (النحل والفراشات وغيرها)، حيث بدونها لن يتم إنتاج أغلبية المحاصيل الغذائية في العالم ثماراً أو بذوراً، وسينهار الأمن الغذائي بالكامل. كما يُصدَّر "كلوروثالونيل" الذي حُظر عام 2019 لكونه ملوثاً للمياه الجوفية ومادة مسرطنة للبشر.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فمبيدات أخرى مثل: "إيبوكسيكونازول" و"مانكوزيب" – المحظورة في الاتحاد الأوروبي عامي 2020 و2021 على التوالي، بعد تصنيفها كمواد ضارة بالخصوبة والأجنة. ما تزال تصدر إلى الخارج. هذه الشواهد تجسد بوضوح ازدواجية المعايير في السياسات البيئية الأوروبية.
وفي قراءة لحالات الدول الأفريقية المتضررة من هذه التجارة، تبرز أوغندا كنموذج صارخ، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 51٪ و59٪ من أصل 41 مبيداً شديد الخطورة (HHPs) المسجلة للاستخدام في الحقول الأوغندية محظورة حاليا في الاتحاد الأوروبي. ورغم هذا الحظر، يستمر تدفق هذه الكيماويات مسببا أضرارا صحية جسيمة، حيث أثبتت الدراسات العلمية وجود تلوث خطير بالمبيدات في سوائل وأعضاء حيوية من جسم الإنسان، مثل: البول والدم وحليب الأم.
علاوة على ما سبق، تكبدت رواندا خسار فادحة في قطاع تربية النحل الذي استثمرت فيه بقوة لدعم اقتصاداتها الريفية، إذ فقدت أكثر من 60٪ من مستعمرات النحل في بعض المناطق، مما أدى إلى تراجع إنتاج العسل بنسبة 40٪ بين عامي 2021 و2023. توجه أصابع الاتهام في هذا التدهور البيئي إلى الاستخدام الواسع لمبيد "روكيت" (Rocket) الذي يعتمد عليه 72٪ من المزارعين هناك، ويحتوي على مادة "بروفينوفوس" شديدة السمية للنحل والمحظورة في الاتحاد الأوروبي.
في ضوء هذه المخاطر، تعهدت المفوضية الأوروبية في أكتوبر/تشرين الأول 2020، بوضع حد لتصدير المبيدات المحظورة داخل الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذا التعهد لم يُترجَم على أرض الواقع حتى الآن؛ إذ لم يتم إصدار قانون ملزم بحظر التصدير، بسبب الضغوط التي تمارسها الشركات الأوروبية على الاتحاد الأوروبي بهدف عرقلة إصدار تشريعات تحظر تصدير المبيدات السامة إلى خارج الاتحاد الأوروبي.
في هذا الصدد، استعرض تقرير صادر عن مرصد الشركات الأوروبية الحجج والمبررات التي تسوقها هذه الشركات للدفاع عن موقفها، والتي تتمحور حول الاعتبارات الاقتصادية زاعمة أن حظر التصدير سيكبد المصنعين الأوروبيون خسائر مالية فادحة تحرمهم من أرباح طائلة تجنيها من بيع هذه المواد الكيميائية المحظورة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، فضلا عن الاضطرار لتسريح العمال العاملين في هذا القطاع.
تذهب هذه الشركات أبعد من ذلك بالادعاء بأن قرار الحظر يتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية (WTO)، متذرعة بأنها تحترم القوانين المحلية للدول المستوردة، وأن لكل دولة السيادة الكاملة في تقرير ما يناسب مزارعيها. بيد أن الحقيقة الثابتة تكشف أن دافع هذه الشركات لا يتعدى تعظيم الأرباح المادية، ملقية بعرض الحائط بأي معايير لحماية صحة الإنسان وبيئة الدول المستوردة.
تمتلك أوروبا القدرة على صياغة القواعد البيئية بينما تتحمل أفريقيا العواقب، وتتضح أبرز مظاهر العلاقات غير المتكافئة بين الجانبين في احتفاظ الشركات الأوروبية بالأرباح الطائلة جراء تصدير المبيدات المحظورة نحو القارة، بينما تتحمل هي المخاطر البيئية والصحية (تشوهات، سرطانات، تلوث مياه)، فضلا عن تحمّل المصدرين الأفارقة تكلفة التكيف مع معايير الاتحاد الأوروبي، الذي يسمح فقط بدخول المنتجات الغذائية التي تحتوي على بقايا مبيدات محظورة، بشرط ألا تتجاوز نسبة هذه البقايا 0.01 مليجرام لكل كيلوجرام، وهو مستوى بالغ الصغر يُعرف بـ"الصفر الفني". معنى ذلك بوضوح أن المنتج يُعتبر مقبولا قانونيا طالما أن الأثر ضئيل جدا لدرجة أنه لا يمكن قياسه إلا بأجهزة دقيقة.
يعد الاستعمار السام إحدى أبرز مظاهر الهيمنة الجديدة، حيث تقوم الدول الصناعية الكبرى بتصدير موادها الكيميائية المحظورة إلى الدول الأقل نمواً، مستغلة هشاشة أنظمتها البيئية والقانونية
لكن ثمة مقترح جديد يُعرف بسياسة "صفر تسامح"، والذي يهدف إلى رفض أي منتج يحتوي على أي كمية من هذه المبيدات، مهما كانت صغيرة، حتى لو كانت أقل من 0.01. وقد أعلنت فرنسا عن هذا التحول، إذ أصدرت في 7 يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما طارئا يحظر استيراد أي غذاء يحتوي على بقايا خمسة مبيدات محددة، هي: مانكوزيب، ثيوفانات-ميثيل، كاربندازيم، بينوميل، وجلوفوسينات، وقد دخل هذا القرار حيز التطبيق اعتبارا من 8 فبراير/شباط 2026.
في خطوة لاحقة ومهمة، بتاريخ 26 يناير/كانون الثاني 2026، أسست المفوضية الأوروبية رسميا فريق عمل متخصصا (Task Force) لتعزيز قدرة الاتحاد على مراقبة المنتجات المستوردة. وستركز هذه الهيئة الجديدة بشكل خاص على بقايا المبيدات، وتوحيد فحوصات الاستيراد في جميع نقاط الدخول إلى الاتحاد الأوروبي.
قصد توضيح المعايير الجديدة للمصدرين الأفارقة، عمد الأمانة العامة لبرنامج "تسريع الأعمال البستانية" (CEHA) التابع لمنطقتي الكوميسا وشرق أفريقيا –، مطلع عام 2026 إلى إصدار بيان للدول الأفريقية الأعضاء والمصدرين إلى الأسواق الأوروبية. وجاء في البيان أن الاتحاد الأوروبي يعتزم زيادة عدد الزيارات التفتيشية في الدول غير الأوروبية بنسبة 50٪ خلال السنتين القادمتين، وذلك للتأكد من خلو المنتجات – الزراعية والحيوانية والنباتية – من المبيدات المحظورة قبل شحنها من بلد المنشأ. كما تضمن البيان زيادة عمليات التدقيق في نقاط التفتيش الحدودية الأوروبية بنسبة 33٪، ومراقبة أكثر صرامة للسلع غير المطابقة للمعايير، وللدول التي تتكرر منها المخالفات، مع إمكانية رفع وتيرة الفحوصات عليها.
في ضوء هذه المعطيات الجديدة، نجد أنه في حال عدم الامتثال للقرارات الأوروبية الجديدة، سيتكبد المزارع الإفريقي أضراراً جسيمة تشمل: رفض شحناته بالكامل حتى لو كانت بقايا المبيدات أقل من 0.01 مجم/كجم بسبب سياسة "صفر تسامح"، وخسارة السوق الأوروبية بالكامل والاضطرار إلى البيع في أسواق محلية أو إقليمية منخفضة الأسعار.
تفتقر أغلب الدول الأفريقية إلى تشريعات صارمة تجرم استيراد المبيدات الكيميائية المحظورة، وإذا وُجدت قوانين فهي لا يتم تطبيقها بشكل فعال، لعدم وجود أنظمة مراقبة جمركية كافية لفحص المبيدات السامة. وهذه الثغرة تُسهل على الشركات الأوروبية استمرار تجارتها في الأسواق الأفريقية.
بالرغم من حظر عدد من المبيدات الكيميائية داخل الاتحاد الأوروبي، لما تشكله من مخاطر جسيمة سواء على البيئة أو صحة الإنسان، إلا أن الشركات الأوروبية تواصل تصنيع وتصدير هذه المبيدات المحظورة إلى البلدان الأفريقية
مع ذلك، نجد أن هناك مساعيَ إفريقية من جانب منظمات المجتمع المدني الأفريقية، للحد من استيراد هذه المبيدات، ويمكن استعراض أبرز الجهود؛ حيث قادت منظمات مثل "Greenpeace Africa" حملات توقيعية طالبت الاتحاد الأفريقي باعتماد تدابير منسقة على صعيد القارة الأفريقية لحظر استيراد واستخدام وإنتاج المبيدات شديدة الخطورة (HHPs)، ووضع حد للمعايير المزدوجة السامة في تجارة المبيدات، فما يتم حظره في أوروبا لا ينبغي إرساله إلى أفريقيا، إعادة توجيه الاستثمارات العامة لدعم المزارعين في انتقالهم إلى بدائل آمنة.
بالإضافة إلى ما سبق ذكره، نظم مجموعة من النشطاء والمجتمعات المتضررة في جنوب أفريقيا "محاكم شعبية" في مارس/آذار 2025، لعرض شهاداتهم بشأن تعرضهم لأمراض السرطان وتلف الرئة وضبابية الرؤية جراء استخدام مبيدات أوروبية محظورة.
كما عمل منتدى المزارعين الصغار في شرق وجنوب أفريقيا "ESAFF Uganda" على تبني البدائل الزراعية الآمنة من خلال إعداد مبيد حيوي من الأعشاب والنباتات المحلية، وتدريب المزارعين على استخدامها. وعلى صعيد الحكومات، قامت كينيا في مايو/آيار 2025 بحظر 50 منتجا، سرعان ما تطور إلى حظر أكثر شمولاً في يونيو/حزيران 2025 شمل 77 مبيدا شديد الخطورة (HHPs)، إلى جانب فرض قيود مشددة على 202 مبيد آخر، ووضع 151 مبيدا إضافيا تحت المراجعة.
في المجمل، يمثل تصدير المبيدات الأوروبية المحظورة إلى أفريقيا مثالا على استمرار أنماط الاستغلال ما بعد الاستعمار. ونجد أن هذه الممارسات تدمر حياة الأفارقة ونظمهم البيئية، بينما تظل أوروبا وأسواقها محصنة من تلك المخاطر.