الاثنين 18 مايو 2026
ولد جوناثان كاريارا عام 1935، بعد خمس عشرة سنة من بدء الاستعمار البريطاني لكينيا، حاملا ازدواجية ثقافية في اسمه: ثقافة المُستعمِر "جوناثان" وثقافة المقاوِم صاحب الأرض "كاريارا". لكن كينيا مرَّتْ بتجربة استعمار مريرة على أيدي الغزاة البرتغاليين نهاية القرن 15 إلى أواخر القرن 17، ثم قبل مرحلة الاستعمار البريطاني الفعلي كانت كذلك تحت حماية بريطانية، امتدت من 1895 حتى 1920 حين شجعت بريطانيا تدفق المعمَّرين الأوروبيين ومنحتهم الأراضي الزراعية، بعد طرد الفلاحيين المحليين الذين باتوا مجرد خَدَمٍ في أحسن الأحوال عند المستوطنين القادمين من أوروبا الاستعمارية.
في بلد مرهق جدا من الغزو الأجنبي، وفي لحظة تاريخية شديدة الوعورة، ولد كاريارا مثل غيره من أطفال كينيا حيث كان أغلى شيء قد يسعدهم هو ما يسد جوعهم دون التفكير في أي شيء آخر تقريبا. ولحسن حظه ربما؛ غادر كاريارا بعد إتمام المدرسة الثانوية - بطريقة ما إلى الجوار الغربي؛ أوغندا التي لم تكن أحسن حالا من بلده الأم، فقد كانت بريطانيا تسيطر في تلك المرحلة كذلك على موارد البلدين من خلال شركة "شرق أفريقيا البريطانية الإمبريالية"، وقد لا يكون هناك من سبب وجيه نعرفه إلا أن تكون هناك رفقة محتملة، حيث قرروا خوض تجربة ما لتغيير حالة بحالة ليس مضمونا أن تكون الأفضل.
تمكن من إتمام دراسته الجامعية في كلية جامعة ماكيريري بمدينة كامبالا، وقد كوَّن هناك صداقات كثيرة مع شباب أفارقة يحملون الهمومَ نفسَها والأدواتِ ذاتَها: المقاومة عبر الكلمة، في كامبالا تولى تحرير مجلة "بينبوينت" (Penpoint) الأدبية الجامعية، وكتب فيها، ونسج علاقات مع مثقفين شباب آخرين من مختلف أنحاء أفريقيا (من بينهم ريبيكا نجاو، وديفيد روباديري، ونجوجي وا ثيونغو)، والذين أدَّى العديد منهم أدوارًا مهمة في تطوير الأدب والفكر ما بعد الاستعماري في أفريقيا.
عمل كاريارا عدة سنوات في نيروبي محررًا للكتب في مكتب أدب شرق أفريقيا، المعروف بنشر مختارات من الشعر الإنجليزي من شرق أفريقيا. كما عمل مديرًا لفرع مطبعة جامعة أكسفورد في نيروبي، وفي تلك السنوات؛ يعني أواخر الستينيات والسبعينيات، حرر مجلة "زوكا" الأدبية التابعة لقسم الأدب في جامعة نيروبي، وأدار وَرَشاتٍ منتظمةً للكُتَّاب لتشجيع الإبداع الأدبي المحلي وتحفيزه. في أواخر السبعينيات، كان يتردد على منزل سادلر (الذي يُعرف الآن باسم منزل بنك كونسوليديتد) وجامعة ماكيريري، أين كان يلتقي بشخصيات فنية وأدبية بارزة، من بينهم نغوجي وا ثيونغو وأوكوت بيتك وإليمو نجاو. لاحقًا؛ ربطته علاقة أدبية وثيقة بالشاعرة مارجوري ماكغوي.
الأديب الذي بنى اسمه عبر سنوات طويلة قد يجد نفسه، دون وعي، يربط قيمته بمدى حضوره المستمر، كأن الغياب -ولو مؤقتًا- نوع من الانسحاب من الذاكرة أو الموت من وجدان ذلك الجمهور الغفير
تنتمي كتابات كاريارا الإبداعية، بحسب أستاذ الأدب الكيني سيمون جيكاندي، إلى ما يُعرف بمدرسة ماكيريري للغة الإنجليزية، وهو تقليد يتميز بمحاولات استخدام المواد والخلفيات المحلية مع الحفاظ على القواعد الرسمية للكتابة الإنجليزية في كل من الشعر والنثر.
إذا ابتعدنا قليلا عن الإنتاج الأدبي لكاريارا وركزنا على شخصيته وعلاقاته ومبادئه في الساحة الأدبية؛ سنجد التأثير الواضح لعقليته التي نشأ عليها حين تحدثنا عن هجرته من كينيا نحو أوغندا، إذ لم يكن رجلا منعزلا ولا يؤمن بالنجومية، فهو الذي كان يعرف أن لقمة طعام واحدة كانت ستُسعد بطن أي طفل جائع بجواره في أرياف كينيا الفقيرة تماما مثلما تسعده.
كان كاريارا الذي تربى في بيت الجوع، يصر على العمل الجماعي منذ أولى تجاربه في تحرير المجلات الأدبية، ويركز على تداول الظهور الإعلامي -الذي كان يقتصر على الصحافة المكتوبة آنذاك- لكل الرفاق الذين اشتغلوا معه، ولهذا عُرِفَ بطبيعته السمحة وقدرته المُريحة على بناء شبكة علاقات مع أقرانه، وهو مشهد نادرًا ما نصادفه في عالم الأدب والفنون عمومًا.
غالبا، ما يحب الأديب الشاب أن يكون هو النجم الوحيد الذي يظهر في وسائل الإعلام، وهذا مفهوم من الناحية السيكولوجية، غير أن "شهوة النجومية" قد تطغَى، وتستمر طيلة مسيرته الفنية، وهنا يجب تشخيص الأمر بأنه حالة مَرَضية فعلا، لأن طول التجربة الكتابية من المفترض أنها تصقل العقل، وتطهر الروح من لذة الظهور والسيطرة على الإعلام والجوائز والتكريمات، وهذا بالضبط ما نلمسه في تجربة جوناثان كاريارا الذي يصفه الدارسون لحياته وإنتاجاته، بأنه ذاك الأديب الذي قرر "أن يتراجع للخلف حتى يعطي مساحة للشباب وللآخرين".
هذا التوصيف في نظري لم يكن محصورا في سنوات حياته الأخيرة، وقد توفي باكرًا، وهو ابن 58 عاما (1993)؛ بل كما أسلفنا؛ قد انطبع هذا الإيمان في ذاته منذ بدء مسيرته متعاونًا مع الأدباء الشباب الذين تعرف عليهم في أوغندا حين كان يدرس المرحلة الجامعية بكلية ماكيريري في كامبالا، نعم؛ نحن نعترف أنه ليس هناك أكثر إغراءً للأديب من الضوء، ولا أكثر خفاءً من العمل الذي يصنع هذا الضوء، بين هذين الحدّين تتحدد قيمة الحضور: هل هو غاية في ذاته، أم أثر جانبي لشيء أعمق، وحين نتأمل تجربة كاريارا، نجد أن المسألة لا تتعلق بزهدٍ شخصي أو تواضع أخلاقي فحسب؛ بل برؤية كاملة لوظيفة الكاتب داخل الحقل الثقافي: أن يتراجع خطوةً إلى الخلف، ليس انسحابًا، بل هو توسيع للحيّز الذي يمكن لغيره أن يتقدّم فيه.
تتعلق بإعادة تعريف النجاح الأدبي، فحين يُقاس النجاح بعدد الندوات والحوارات، يصبح الحضور غاية في ذاته؛ وحين يُقاس بعدد الأصوات التي ساهم الكاتب في إطلاقها، يتحول الحضور إلى وسيلة
في المشهد الأدبي بشمال أفريقيا، تبدو هذه الفكرة، على بساطتها، كأنها اقتراحٌ غريب، كثيرًا ما تتكرر الأسماء نفسها في المهرجانات والندوات والبرامج، وتدور الكاميرات حول الوجوه ذاتها، حتى ليخيّل إلى المتابع أن الأدب قد استقرّ في عدد محدود من الأصوات، وأن ما عداها إمّا هوامش أو بدايات لم تكتمل، ليست المشكلة في حضور هؤلاء الكُتَّاب الذين ندين لهم بالأقدمية والفضل دون ريب، فالحضور ثمرة طبيعية لمسار طويل، وإنما في تحوّل هذا الحضور إلى احتكار غير معلن للظهور، حيث يغدو الضوء موردًا نادرًا لا يُتداول، بل يُعاد تدويره.
يمكن تفسير ذلك، في جزء منه، بطبيعة البنية الثقافية نفسها، فالمجال ضيّق، والمؤسسات الوسيطة محدودة التأثير، في مثل هذا السياق، يميل المنظّمون والمسؤولون إلى استدعاء "الأسماء المضمونة"؛ أي تلك التي تضمن جمهورًا واستقرارًا، فيغدو الجديد مخاطرة غير محسوبة. لكن هذا التفسير، على وجاهته، لا يكفي؛ إذ ثمّة بُعد آخر، أقل وضوحًا وأكثر تأثيرًا، هو بعدٌ سيكولوجي: الخوف من التلاشي، فالأديب الذي بنى اسمه عبر سنوات طويلة قد يجد نفسه، دون وعي، يربط قيمته بمدى حضوره المستمر، كأن الغياب -ولو مؤقتًا- نوع من الانسحاب من الذاكرة أو الموت من وجدان ذلك الجمهور الغفير.
هنا يتبدّى الفرق بين ثقافتين ضمنيتين: ثقافة ترى الاعتراف الأدبي تكريسًا دائمًا، وثقافة تفهمه بوصفه مرحلة ضمن تداول أوسع، في الأولى، يُصان الموقع بالبقاء في الواجهة، أما في الثانية، فيُصان الأثر بخلق واجهات جديدة. ما يلفت في تجربة كاريارا أنه لم يسعَ إلى تثبيت نفسه في مركز المشهد لا في كينيا، ولا في الدول التي انتشر فيها اسمه، وكان له فيها حضور حقيقي، مثل أوغندا التي شكَّلت انطلاقته الفعلية. بل سعى إلى تثبيت المشهد نفسه: تحرير النصوص ورعاية الكتّاب الشباب والمساهمة في بناء منصات قادرة على الاستمرار بعده.
إنّه انتقال دقيق من سؤال "كيف أَظْهَر؟" إلى سؤال "كيف أستمر ويستمر المشهد عبر إظهار غيري؟"، قد يتضمن هذا المشهد بنية عميقة هي بنية الحضور الشخصي، ولكن: غير المادي، وإنما عبر ترك ذاك الأثر في أجيال من الأدباء، وهذا وإن كان "لذة نفسية" مرتبطة بطبيعة النفس البشرية؛ إلا أنه هو المسار الوحيد لتحريك المشهد، لأن المقصود هنا تلك المثاليةً الرومانسية التي تُلزم الكُتَّاب الكبار بالاختفاء واحتقار الذات، ولا دعوةً إلى إقصائهم باسم الشباب.
المسألة أدقّ من ذلك: إنها تتعلق بإعادة تعريف النجاح الأدبي، فحين يُقاس النجاح بعدد الندوات والحوارات، يصبح الحضور غاية في ذاته؛ وحين يُقاس بعدد الأصوات التي ساهم الكاتب في إطلاقها، يتحول الحضور إلى وسيلة، بين المعيارين مسافة أخلاقية ومؤسسية في آنٍ واحد.
يصبح "واجبًا" على الأديب المخضرم أن يعيد تموضعه: من متحدث دائم إلى مُرشد، ومن واجهة إلى داعم، من صاحب المنبر إلى من يهيّئ المنابر، ليس هذا انتقالًا نحو الهامش، بل نحو مستوى أعمق من التأثير
وفي مستوى آخر؛ يمكن القول إنّ غياب دور "المحرّر الأدبي" في كثير من البيئات المغاربية يزيد من تعقيد الصورة، فالمُحرِّر، بالمعنى العميق للكلمة، ليس مدققًا لغويًا، بل هو وسيط خلاق بين النص وإمكاناته، كما هو الحال في مؤسسات النشر الغربية، حين يضعف هذا الدور، يضطر الكاتب إلى أن يكون هو النصّ والمحرّر والناشر والمروّج في آن، فهنا تتضخم "الذات الأدبية" على حساب "المنظومة الأدبية"، وهنا كذلك يصبح التراجع إلى الخلف فعلا شبه مستحيل، لأنه لا أحد هناك ليتقدّم إلى الأمام بثقة.
السؤال الذي نجد أنفسنا أمامه هو: كيف يمكن إذن استعادة "بلاغة التراجع" بوصفها قيمة مُنتِجة لا تضحية خاسرة؟ لعل البداية تكون بالاعتراف بأن الإفساح ليس فعلا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة بنيوية، لا يمكن لأي مشهد أدبي أن يتجدد إذا ظلّ يدور في فلك الأسماء نفسها، هذا بديهي، ومن ثمّ؛ يصبح "واجبًا" على الأديب المخضرم أن يعيد تموضعه: من متحدث دائم إلى مُرشد، ومن واجهة إلى داعم، من صاحب المنبر إلى من يهيّئ المنابر، ليس هذا انتقالًا نحو الهامش، بل نحو مستوى أعمق من التأثير.
كما أن المسؤولية لا تقع على أفاد الأدباء وحدهم كأفراد؛ ثمة حاجة إلى سياسات ثقافية تشجّع التداول: منصات تمنح حيزًا حقيقيًا للأصوات الجديدة، وتمويلا مرتبطا بإدماج الكُتَّاب الشباب، ومجلات تُعيد الاعتبار لفعل القراءة والتحرير لا لمجرد النشر، عندها فقط يمكن أن يتحول التراجع من مبادرة فردية إلى ثقافة عامة.
في سيرة جوناثان كاريارا؛ ما يتجاوز حدود التجربة الفردية إلى مبدأ قابل للاستلهام: فالقيمة الأعمق للأديب لا تُقاس بمدى احتفاظه بالمركز، بل بقدرته على إعادة توزيع المركز ذاته، لقد فهم كاريارا -في وقت كان الإعلام خافتا جدا وكان التلفزيون أشبه بالمعجزة- أن المشهد الأدبي لا يُبنى بتراكم الأسماء في الواجهة، بل بتكاثر الأصوات خلفها، وأن "التراجع خطوةً إلى الخلف" قد يكون -في مشهد يبدو متناقضًا- هو أكثر الأفعال تقدمًا.
إن الدرس الكارياري واضح: لا بد من نقل الثقل من "الظهور" إلى "التمكين"، ومن "التمثيل الفردي" إلى "البناء الجماعي"، فالأديب الذي يفتح منصته لغيره، أو يشرف على نصوصهم، أو يدفع بهم إلى الواجهة، لا يتنازل عن مكانته، بل يعيد تعريفها، إن تصحيح المشهد في نظري -وأنا أقرأ سيرة هذا الكاتب الكيني الذي قد لا يعرف الكثير منا حتى اسمه فضلا عن معرفة وقراءة أعماله- لا يتطلب ثورة خطابية، بل تحوّلًا هادئًا في الأدوار: أن يتحول الكُتَّاب المخضرمون إلى صانعي فضاءات، لا مجرد شاغلي منصات؛ وأن تُستعاد قيمة التحرير والرعاية بوصفهما فعلين إبداعيين لا يَقِلَّان شأنًا عن الكتابة نفسها، عندها فقط يمكن أن يتحرك الماء الراكد، لا بدفعه من الخارج، بل بإعادة تشكيل مجراه من الداخل.
وبهذا المعنى؛ لا يكون استحضار جوناثان كاريارا استذكارًا لاسمٍ في تاريخ بعيد، بل اقتراحًا عمليًا: أن نعيد ترتيب العلاقة بين الأديب والمشهد، بحيث لا يكون الحضور نهاية الطريق، بل بداية للذات عبر الآخرين.