الجمعة 13 فبراير 2026
تتَّجه دول القرن الأفريقيِّ مؤخَّرًا نحو تبنِّي مبادرات الاقتصاد الأخضر لتعزيز سُبل التَّنمية المستدامة ومواجهة التَّحدِّيات المناخيَّة، حيث تعاني من المخاطر المرتبطة بتغيير المناخ الَّتي باتت أمرًا واقعًا تتأثَّر بتبعاته دول المنطقة، على الرَّغم من محدوديَّة إجماليِّ انبعاثات المنطقة الأفريقيَّة ككلِّ، والَّتي لا تتجاوز 4٪ من إجماليِّ الانبعاثات الكربونيَّة العالميَّة. تهدف مبادرات الاقتصاد الأخضر إلى تعزيز ممارسة إدارة الأراضي المستدامة، واستخدام التِّقنيَّات الذَّكيَّة، واستخدام موارد الطَّاقة المتجدِّدة الَّتي تتوافر بكمِّيَّات هائلة داخل المنطقة.
يأتي ذلك ضمن محاولات تعزيز صمود المنطقة في مواجهة التحديات التي تعصف بالمنطقة عصفًا، مثل تدني معدلات الرعاية الصحية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، علاوة على الشح الإيكولوجي نتيجة لمرض الأداء الصحي للنظم البيئية. لذلك يُمثل الاقتصاد الأخضر أداة التنمية المستدامة؛ التي تهدف للوصول إلى حياة صحية، تتوازى مع الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
تحوي دول القرن الأفريقي على كميات هائلة ومتنوعة من مصادر الطاقة المتجددة، تتصدرها الطاقة الشمسية والطاقة الريحية، والتي تعد الأكثر نمواً بين مصادر الطاقة لعام 2020. وفقًا لوكالة الطاقة يمكن أن يصل النمو الطاقي المتوقع ما يقارب 15٪ بحلول عام 2030، حيث من المرجح أن تتزايد قدرة الطاقة الشمسية "الكهروضوئية" داخل المنطقة بحوالي 25 ضعفًا، مع هيمنة الطاقة الكهرومائية على مشاريع الطاقة الكبيرة في إثيوبيا والسودان وكينيا؛ ما يقارب ثلثي الطاقة المولدة للكهرباء داخل المنطقة برمتها.
استحوذت إثيوبيا وكينيا معا على 30٪ من أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية العالمية ومبيعات الأجهزة الشمسية في عام 2021، بإجمالي استثمارات تبلغ 1.3 مليار دولار للربط والنقل الكهربائي. وحققت إريتريا التوصيل الشامل تقريًبا إلى المدن، كما طورت جيبوتي على نطاق واسع مشاريع الكهرباء، وعملت على تدشين مزرعة رياح "ريد سي باور" بقدرة 60 ميغا وات لرفع معدل توليد الطاقة الكهربائية لما يقارب 50٪، محاولة تقليص الاعتماد على الكهرباء المستوردة. لكن، وبفعل تداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية، وجائحة كوفيد 19، بدأت تلك الأنشطة في التراخي والتراجع.
تشهد محركات الصراع في المنطقة حالة من التحرك المستمر والتي تؤثر على ديمومة الاستقرار والاستنزاف والتدمير للموارد والبنىً التحتية
يمكن أن تغتنم تلك الدول فرصة الانتقال إلى اقتصاد محايد كربونيًا بصورة أكثر سلاسة من خلال استغلال المصادر المتجددة، والتحول نحو القطاعات الخضراء، مما يعود عليها بالنفع في العديد من القضايا العالقة المتمثلة في إقامة حياة كريمة للأفراد، وفتح مجالات جديدة لفرص الشغل تقدر بنحو 24 مليون فرصة عمل بحلول عام 2030، وتوفير العديد من المزايا الاجتماعية فضلًا عن حماية الموارد الطبيعية والحيوية من التدهور.
على الرغم من الفرص والمزايا التي يقدمها الاقتصاد الأخضر للنمو المستدام وحماية البيئة، إلا أن دول القرن تواجه مجموعة من التحديات التي تؤثر بالضرورة على استكمال مشروعات النمو المستهدفة، تتصدر تلك التحديات التكلفة باهظة الثمن للتحول الأخضر، حيث تتطلب عملية التحول زيادة الإنفاق العالمي بمقدار 3.5 دولار سنويًا، من أجل الوصول إلى درجة الحياد الكربوني المأمولة بحلول 2050، إلا أن اقتصاديات المنطقة ليست مؤهلة لهذا النوع من الاستثمارات الضخمة في الوقت الحالي.
يتطلب التحول الأخضر الشروع في إعادة هيكلة السياسات المنتهجة لدول القرن كمحاولة للاعتدال نحو المسار المطلوب بسلاسة ومرونة، والوصول إلى البيئة الاستثمارية المأمولة التي تعمل على كسب ثقة المستثمرين وتقليص نسبة المخاطر للمستثمر. كما تأتي البيروقراطية المرهقة في مقدمة العوائق التي تحد من جدوى البيئة الاستثمارية، واضطرابها لعدم وضوح الخطوط العريضة والخطط المستقبلية لقطاع الطاقة.
تُعاني منطقة القرن من فجوة التمويلات للبنية التحتية، بالإضافة إلى التضخم والنمو السكاني على الرغم من التحول الإثيوبي إلى الاقتصاد الأخضر، ومحاولات تخصيص الموارد لخفض الانبعاثات الحرارية على نحو أفضل من باقي دول القرن، إلا أن التضخم والتعداد السكاني المتزايد، والّذي يبلغ حوالي 120 مليون نسمة، يمثلان شوكة في التقدم نحو مستقبل أخضر؛ نتيجة لارتفاع نسب البطالة لفئة الشباب ومشاكل تتعلق بالعامل الديموغرافي والاقتصادي.
تتطلب عملية التحول زيادة الإنفاق العالمي بمقدار 3.5 دولار سنويًا، من أجل الوصول إلى درجة الحياد الكربوني المأمولة بحلول 2050، إلا أن اقتصاديات المنطقة ليست مؤهلة لهذا النوع من الاستثمارات الضخمة في الوقت الحالي
كما أنّ لا يمكن إغفال التحديات السياسية والأمنية المُزمنة المتمثلة في الفقر المتفشي ومشكلات التسعير واضطراب الأسواق، علاوة على قضايا الصراع وعدم الاستقرار الداخلي؛ حيث تشهد محركات الصراع في المنطقة حالة من التحرك المستمر، والتي تؤثر على ديمومة الاستقرار واستنزاف وتدمير الموارد والبنىً التحتية، مما يساهم في تشتيت اهتمام المؤسسات والقائمين على المشاريع والخطط التنموية بأولويات أكثر إلحاحًا، كالأزمات التي تمر بها الصومال بين الحين والأخر من قبل حركة الشباب التي خلقت أزمة إنسانية، وتذبذب الاستقرار الداخلي، ما شتت الانتباه والتركيز على المشاريع التنموية.
يمكن للتكامل الإقليمي تحت رعاية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، ومن خلال مجمعات الطاقة ومنظمات شرق أفريقيا، وسياق السعي نحو منطقة التجارة الحرة أن تعمل على تسريع عملية التنمية الاقتصادية والصناعية، ويؤدي إلى مستقبل طاقة أكثر شمولًا واستدامة، إن ديناميكية قطاع الطاقة في المنطقة والتوافر المتزايد لتكنولوجيات الطاقة النظيفة التنافسية توفر فرصًا لدعم النمو الاقتصادي، وتسريع التقدم نحو التحول لمصاف الدول الخضراء.
تعمل مبادرة الصندوق الأخضر للمُناخ التابع للبنك الأفريقي للتنمية في منطقة القرن الأفريقي على خفض ما يصل إلى 14.1 طنًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، على مدار عمر المشروع 25 عامًا. يستهدف المشروع البلدان الأكثر عرضة لمخاطر التغييرات المناخية، وهي تحديدا: الصومال وجيبوتي وإثيوبيا وجنوب السودان وكينيا. كما وافق الصندوق الأخضر على تمويل بقيمة 151 مليون دولار لبرنامج المرونة المناخية، بدعم البنك الأفريقي للتنمية، ويستفيد منه حوالي 4.6 مليون شخص في القرن الأفريقي موزع على البلدان الستة سابقة الذكر.
تسعى الدول جاهده لتعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الفقر ومحاولة التكيف مع التحديات البيئية والمناخيّة التي تواجها المنطقة، كهطول الأمطار غير المنتظم وارتفاع درجات الحرارة. علاوة على موجات الجفاف والفيضانات التي تضرب المنطقة بين الحين والأخر، وتسبب مشكلات واسعة النطاق حيث أدت إلى وفاة ما يتجاوز350 شخصًا، ونزوح حوالي 2.4 مليون شخص خلال موسم الأمطار؛ مما يزيد من تهديد المجتمعات الزراعية والرعوية التي تقلل من انخفاض الإنتاجية، وتفاقم الأمراض البشرية.
شرعت إثيوبيا في خطة تنمية تستهدف عشر سنوات "2021-2030"، ترتكز على مبادئ النمو المستدام وتحقيق اقتصاد صديق للبيئة، حيث تنتهج خطوات متسارعة إلى التحول الأخضر المبكر، والتي تهدف منح الأولوية لمواجهة التحديات والاضطرابات المناخية. وقد قطعت مجموعة من الخطوات في مسارات استراتيجية الوقاية والتكيف المستدام، تأتي على رأسها مبادرة البصمة الخضراء ضمن برنامج التشجير، حيث نجحت في زراعة حوالي 25 مليار شتلة، وتوفيرها للدول المجاورة. كما أنها اتجهت لإنتاج القمح لتحقيق الاكتفاء الذاتي، والبدء في التصدير للدول الجوار.
كما تخطو جيبوتي هي الأخرى حذو جارتها، والتي قامت بمنحها ما يُقارب ربع مليون شتلة، طبقًا لمبادرة البصمة الخضراء، والتي تهدف إلى التكامل الاقتصاد الأخضر ضمن الخطة الاقتصادية 2035 للتعاون بين الإقليمين. بالإضافة إلى إنشاء خط مترابط لتسخير الطاقة الكهرومائية النظيفة بالتعاون مع إثيوبيا. كما تم توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء مركز لطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر بقدرة 10جيجاوات، ووقعت اتفاقية إطارية مع الشركة الأسترالية "فورتسكو فيوتشر إنداستريز" للتعاون في إمداد الطاقة النظيفة والأمنة منخفضة الكربون.
تسعى الدول لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الفقر ومحاولة التكيف مع التحديات البيئية والمناخيّة التي تواجهها المنطقة كهطول الأمطار غير المنتظم، وارتفاع درجات الحرارة، علاوة على موجات الجفاف والفيضانات التي تضرب المنطقة بين الحين والأخر
لا يمكن إغفال جهود جمهورية الصومال، ففي نوفمبر/ تشرين الثاني المنصرم، أعلنت انضمامها الرسمي إلى المعهد العالمي للنمو الأخضر نحو اقتصاد مستدام وأخضر، والذي يهدف إلى الحفاظ على البيئة والتكيف مع التهديدات المناخيًة. كما استحدثت وزارة للبيئة والتغيير المناخي، وطرحت الوزارة حتى الآن بعض المشاريع لتعزيز هذا التوجه، أبرزها زراعة 10 ملايين شجرة في إطار مبادرة بيئية حملت اسم "الصومال الأخضر".
تمتلك دول المنطقة إمكانات مهمة من الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح، بالإضافة إلى الطاقة الحرارية، يمكن أن تضمن لها تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، والتحول نحو اقتصاد صديق للبيئة، خصوصا إثيوبيا وجيبوتي. كما تتمتع الصومال بموارد غير مستغلة، يمكن استخدامها لتوليد الكهرباء في المناطق الريفية، ومع ذلك تشهد المنطقة مجموعة من التحديات التي تعيق استكمال عملية التحول الأخضر، على الرغم من الجهود المحلية والإقليمية والدولية المبذولة، مثل الاضطرابات المناخية المتمثلة في موجات الجفاف، علاوة على نقص الاستثمارات وفجوة التمويلات الخارجية التي تنتج عن عدم استقرار البيئة الداخلية.