تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 19 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

الانتخابات والعنف الجغرافي: كيف تُحكم دوائر التصويت في أفريقيا؟

22 مارس, 2026
الصورة
الانتخابات والعنف الجغرافي: كيف تُحكم دوائر التصويت في أفريقيا؟
Share

يُعد كتاب" Controlling Territory, Controlling Voters: The Electoral Geography of African Campaign Violence" للباحث مايكل وهمان مساهمة نظرية وتحليلية بارزة في فهم العلاقة بين العنف الانتخابي والتركيب الجغرافي للأنظمة السياسية في أفريقيا. فهو لا يقتصر على وصف حدوث العنف في حملات الانتخابات، بل يُعيد تشكيل سؤال هام وهو: لماذا تُستخدم القوة الجسدية والترهيب كأدوات لـ"السيطرة على الأراضي" قبل أن تُستخدم لـ"استمالة الناخبين"؟

يعتمد وهمان في تحليلاته على بيانات انتخابية وحقلية مفصلة من زامبيا وملاوي، بالإضافة إلى دراسات استقصائية ومقابلات ووثائق أرشيفية، مما يعطي له تحليلًا تجريبيًا متينًا وقريبًا من الواقع السياسي المحلي.

يفتح هذا المنهج بابًا جديدًا لفهم كيفية تحوّل القرى والمقاطعات والمناطق الحضرية إلى مناطق تنافسية "مُعدّة مسبقًا" لاستيعاب التصويت لأحزاب معيّنة، عبر ترسيخ هيمنة حزبية محلية تحكمها آليات الترهيب والإقصاء. بالتالي، يقدّم الكتاب إطارًا جغرافيًا سياسيًا متماسكًا لفهم كيف تُدار الديمقراطية الشكلية في سياقات متعددة الأعراق والمناطق، دون أن تُغيّر بالضرورة التحالفات العميقة والهشاشة السياسية تحت السطح.

جغرافيا الانتخابات: كيف تُقسَّم القوّة على الخريطة؟

يُقدّم وهمان كتابه في إطار نظرية الجغرافيا الانتخابية، حيث يلفت إلى أن كثيرًا من الانتخابات الأفريقية تكون مُقَطَّعة على أساس إقليمي وعرقي، حتى عندما تُخاض على مستوى وطني. أي أن الدعم الحزبي لا يتكوّن عشوائيًا على مستوى الأفراد، بل يُنتج في سياقات جغرافية محددة، تُعيد تشكيل الولاء السياسي عبر تكرار الاحتفالات الحزبية، وحضور الزعماء المحليين، وربط المطالب الإنمائية بالكوادر الحزبية.

في هذا السياق، تصبح المنطقة الحزبية القوية مفتاحًا لتجاوز الحد الأدنى من المقاعد الوطنية، ما يُقلّل من أهمية الناخبين المتأرجحين، ويمحو حدود التنافس في كثير من الدوائر.

هذا النوع من العنف -مثل الضرب البسيط والتهديد وتخريب المنشآت، أو منع التجمعات - يُستخدم كـ "أداة تطهير" للمساحات العامة من الأصوات المعارضة، قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع

كما يخوض الكتاب في تحليل كيف يُستخدم العنف غير المميت مثل: الضرب والترهيب وتخريب الاجتماعات كوسيلة لفرض "السيطرة البصرية" على المساحات العامة، من أسواق القرى إلى الساحات الحضرية. فالهدف ليس فقط ترهيب المخالفين، بل إظهار الوجود الحزبي باستمرار في تلك الأماكن، بما يُرسّخ للناخبين أن "المنطقة مملوكة لهذا الحزب"، فيُنزع شرعية أي قوة منافسة قبل أن تبدأ.

تظهر بيانات الكتاب أن العنف الانتخابي في زامبيا وملاوي يتركّز داخل الدوائر الحزبية القوية، وليس في مناطق التنافس الحاد، مما يدعم فكرة أن العنف أداة لقمع المنافسة داخل المعاقل الحزبية، لا لاستمالة الناخبين المتأرجحين.

يُضيف وهمان بعدًا إيديولوجيًا إلى هذا التحليل، إذ يبيّن أن الأحزاب الحاكمة تربط نفسها بصورة "الراعي الوحيد" للمصالح الإقليمية؛ ففي زامبيا، يُقدَّم حزب الحاكم في مناطق معينة كـ"المنقذ" من التهميش الاقتصادي، بينما يُصوّر خصومه كـ "طامعين في مواردنا" قد يُهدّدون حصص المنطقة. وفي ملاوي، يُستخدم خطاب الهوية الإقليمية والعلائقية بين النخب الحزبية والزعماء المحليين لصياغة رواية تُبرّر استخدام العنف ضد الذين يُشتبه في "انخراطهم" في حملات منافسين.

يتحول العنف الانتخابي بذلك إلى أداة جغرافية إيديولوجية، تُعيد توزيع القدرة على التعبير والتنظيم في الفضاءات العامة، بحيث لا يُصبح الخوف من الضرب هو الخطر الوحيد، بل يُصبح التحدي الجوهري هو قدرة أي حزب منافس على اختراق الحصون الحزبية الجغرافية القائمة.

العنف كأداة للسيطرة على الحيز الاجتماعي

يُقدّم وهمان تحولًا مهمًا في تحليل العنف الانتخابي، حيث ينتقل من التركيز على العنف الكبير الدامي (القتال، الحروب، المجازر) إلى العنف اليومي والصغير في الحملات. هذا النوع من العنف -مثل الضرب البسيط والتهديد وتخريب المنشآت، أو منع التجمعات - يُستخدم كـ "أداة تطهير" للمساحات العامة من الأصوات المعارضة، قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.

يُظهر الكاتب هنا أن الهدف ليس فقط إخافة الأفراد، بل منع تشكل شبكة من الداعمين المنافسين داخل الأحياء والقرى، عبر زرع جو من التوتر وعدم الأمان كلما حاول أي فريق منافس عقد لقاء أو نشر ملصق.

يتحول العنف إلى أداة للمحتوى الإعلامي والسياسي، حيث يُستخدم ليس فقط لقمع التهديد العسكري، بل لضمان أن الراوية الحزبية هي الوحيدة التي تُسمع في الساحة، ما يُقلّل من فعالية أي حملة منافسة قبل أن تبدأ

كما تعتمد الأدلة في الكتاب على بيانات مستوى الدائرة مجمّعة من مراقبين محليين، مقترنة بمقابلات مع ناخبين ومسؤولي حزب، ما يمنح تحليل العنف طبقة دقيقة من المكانية. ففي بعض الدوائر في زامبيا، يُسجّل تقرير مراقبة محلي أعداداً عالية من حوادث الترهيب والتخريب في أسواق القرى، بينما تُظهر استبيانات وهمان أن نسبة من يعلنون أنهم تعرّضوا للضغط أو التهديد تصل إلى أكثر من ثلث المشاركين في بعض المناطق. وفي ملاوي، يُبيّن أن العنف يتركز حول نقاط التقاء السكان، مثل مراكز الاقتصاد المحلي، أو مكاتب اللجنة الانتخابية، حيث تُركَّز جهود الترهيب لضمان عدم تشكُّل صفوف منتظمة من الناخبين المنافسين.

يُبيّن وهمان أن هذا النوع من العنف يُساهم في إقامة ما يُمكن تسميته "دكتاتوريات إقليمية مصغّرة" داخل الدوائر الحزبية القوية، حيث تُسيطر كتلة حزبية محليّة على الخطاب العام، وتنظيم الموارد، وحتى على توزيع المساعدات اليومية. فالشخص الذي يُرفض تعيينه أو توظيفه قد يُفهم منه أنه "مناوئ حزبي"، وليس فقط غير مؤهل، فيَنحسر هامش التعبير الحرّ إلى أدنى مستوى ممكن.

هكذا، يتحول العنف إلى أداة للمحتوى الإعلامي والسياسي، حيث يُستخدم ليس فقط لقمع التهديد العسكري، بل لضمان أن الراوية الحزبية هي الوحيدة التي تُسمع في الساحة، ما يُقلّل من فعالية أي حملة منافسة قبل أن تبدأ.

ديمقراطية جغرافية مشوّهة

يظهر الكتاب قراءة نقدية لطبيعة التنافس الانتخابي في سياقات متعددة الأقاليم، حيث يُظهِر أن التنافس على المستوى الوطني قد يكون عاليًا، لكن على المستوى المحلي يكون منخفضًا أو حتى معدومًا. ففي كثير من الدوائر، يُفهم أن المنطقة مضمونة لحزب معيّن، وينتقل السباق إلى العوامل الداخلية الحزبية أو إلى عدد محدود من الدوائر، بينما تُعتبر ترسّبات الدوائر الحزبية القوية أمرًا مسلّمًا.

يُتيح هذا الوضع للأحزاب الكبيرة أن يُركّزوا الجهود على تعزيز التحالفات المحلية ضد المنافسة، عبر استخدام العنف والترهيب، بدلًا من التمتّع بمنافسة حقيقية في الساحة.

كما يوضح الكاتب أن هذه الدينامية تُنتِج اختلالات جغرافية سياسية عميقة في نمط التمثيل، حيث تُغيب المناطق الحزبية القوية من أي ضغط حقيقي لتحسين الأداء الحكومي، لأن الحزب الحاكم يُعتمد عليها كـ "قاعدة مضمونة"، بينما يُوجّه الاستثمار في الترتيبات الأمنية والحزبية لمراقبة النفّس.

إن الأحزاب السياسية تستخدم العنف كأداة لفرض السيطرة على الحيز الاجتماعي، وضمان تربّصها على نقاط الارتباط والنقاط المعيّنة في الخريطة السياسة، قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع

في ملاوي، يُظهر وهمان كيف أن بعض المناطق الحزبية القوية تُعاني من تخلف إنمائي. لكنها تُحافظ على التصويت الحزبي نفسه عبر خطاب الهوية والخوف من التهميش، فيُصبح العنف الانتخابي جزءًا من عقد اجتماعي غير مكتوب بين الحزب والناخبين.

يتخطّى وهمان وصف هذه الظاهرة ليناقش أبعادها النظرية، حيث يربط العنف الجغرافي الانتخابي بمسارات أوسع من السيطرة السياسية، مثل التلاعب في تقسيم الدوائر، وتحييد مؤسسات المجتمع المدني، وتشويه الخطاب الإعلامي.

في هذا الإطار، يُصبح العنف جزءًا من اقتصاد سياسي للانتخابات، حيث يُوزَّع القوة والموارد على خريطة مناطقية تُحدّد قدرة كل حزب على تنظيم الناس وحمايتهم، وليس فقط على إقناعهم. هكذا يُقدّم وهمان رؤية متكاملة لفهم كيف تُدار "الديمقراطية الشكلية" في سياقات متعددة الأقاليم، مع الإبقاء على لاتوازنات جذرية في الوصول إلى الفضاء السياسي، وإعادة تأكيد الهيمنة الحزبية عبر آليات العنف الجغرافي اليومي.

يتطرّق الكتاب إلى طبقة عميقة من التحليل، لا يقتصر على تسجيل حوادث العنف، بل يُعيد تشكيل السؤال ليُركز على العلاقة بين الجغرافيا والقوة في السياقات الأفريقية. يُبيّن الكاتب بوضوح أن الأحزاب السياسية تستخدم العنف كأداة لفرض السيطرة على الحيز الاجتماعي، وضمان تربّصها على نقاط الارتباط والنقاط المعيّنة في الخريطة السياسة، قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.

تكشف قراءة نظرية الجغرافيا الانتخابية أن تنافسية الانتخابات الوطنية قد تُغطّي على بُطانة من اللاتنافسية المحلية، حيث تُدار الأصوات عبر مزيج من الترهيب والخطاب الهوياتي والتمركز حول المصالح الإقليمية. ويُقدّم الكتاب دعوة موجّهة للباحثين والصانعين للسياسات، لتجديد الاهتمام بكيفية إعادة التوزيع المُنصف للقوة الجغرافية في الحيز الانتخابي، وإعادة تأهيل الفضاء العام باعتباره حقلًا يُفترض أن يُدار بالحوار والتنظيم، لا بالقوة والترهيب.