السبت 6 ديسمبر 2025
فاجأ الرئيس الرواندي، بول كاغامي، الجميع بتصريح لافت في مؤتمر صحفي بمقر الرئاسة، تعليقا على عودة عدوى الانقلابات العسكرية إلى القارة، معتبرا "أنها ليس كلها سيئة بالضرورة، فبعضها محاولة لتصحيح المسار"، تقديره جاء بعد أيام قليلة على ولوج غينيا بيساو إلى معسكر نادي الانقلابات العسكرية بأفريقيا، والذي تجاوز عشرة انقلابات عسكرية منذ جائحة كورونا. تركزت بغرب القارة، دون أن تستثني مناطق أخرى، فهل تعكس هذه التصريحات جوا عاما، يرسم بهدوء لدى صناع ومؤسسات القرار الأفريقية، بالقبول بالأمر الواقع، والبحث عن استقرار هش ولو بني على فوهات البنادق والمدافع؟
لم تبرح لغة الانقلابات أفريقيا إلا لماما، تتحرك آلتها حاصدة أراوح أنظمة سياسية شمالا وجنوبا ووسطا، حيث ظلت استثناءات قليلة عصية عنها، فيما نجحت استثناءات أقل في توديع حقبتها بانتقال ديمقراطي حقيقي، يكافح أمواجها العاتية وعدواها. منذ أن ابتليت أفريقيا بسحر التحرك العسكري في خمسينيات القرن الماضي، تصدرت دولها المشهد العالمي، مسجلة أرقاما استثنائية تقارب أكثر من مائتي انقلابا ومحاولة انقلابية. شهد المد الانقلابي تراجعا في حقبة التسعينيات، لكن عزيمة أصحاب البزة العسكرية لم تخبو، بل تجددت في الموجة الأخيرة بأساليب نوعية.
لم تساهم سلاسة الانتخابات والتسويات السياسية ولا وصفات الانتقال الديمقراطي المتعددة في تجنيب بلدان أفريقية كثيرة معضلة التحرك العسكري، فتتعدد المبررات التي تشرعن للتحكم العسكري وفق صوت واحد؛ "الحسم بالقوة لا بشرعية صناديق الانتخابات". لكن ما يبرر للمنقلبين أفعالهم اليوم، قد يصبح غذا حجة لسلطة أخرى، فتتكرر المحاولات وتتوسع هوامش نادي الانقلابات العسكرية، فيما يوصف "بمصيدة الانقلابات"، ليس لأن تغيير السلطة بعيدا عن الشرعية الديمقراطية مغر فحسب، بل لكونه أقصر طريق لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية بعيدا عن مقاربات وضوابط الباحثين في حقل العلاقات المدنية العسكرية.
يبدو أن الشعوب الأفريقية أضحت تستأنس بالخريطة الجديدة، فالجيل الجديد من الانقلابات الأخيرة يحسم الأمور بلا فوضى ولا دماء، وتستمر الحياة أيا كان صانعوها وبأية وسيلة، فتعود المياه إلى مجاريها ساعات قليلة بعد الانقلاب، ويعود الناس لانشغالاتهم
ليس من المبالغة القول إن الأعضاء في نادي الانقلابات يتزايد بهدوء في القارة، فمغريات خُطب الجيش الموزونة مثل سلاسة تحركاتهم ومتانة مؤسساتهم، وكم هي مملة وعود الحكام المدنيون الأبديون القديمة، الماسكون بالكراسي حتى الموت، وعلى رأسهم أقدم الرؤساء في العالم؛ القيصر الكاميروني بول بيا الذي فاز في آخر استحقاق انتخابي شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي. فمن لم تستطع العملية الانتخابية أن تزيحه عن السلطة، -بل يراوغ في كل مرة من أجل إضفاء الشرعية على نظامه، بتعديل دستوري يضمن احتفاظه بالسلطةـ، لن تفلح الانتخابات ولا التحركات الشعبية في ذلك، وليس أخرها حراك جيل زيد الشبابي الذي عجز عن كبح جماح التمسك بالسلطة، لتبقى شرعية الانقلاب وحدها الضامنة لإنهاء مأمورية هؤلاء.
هكذا إذن، نعيش أجواء انقلابات غير تقليدية، غير صاخبة، ترسم بهدوء ملامح مرحلة جديدة من تاريخ أفريقيا العصي عن الاستقرار، استطاعت إلى الآن أن تضمن شرعية شعبية لأنظمتها، لكن الحكم على نجاحها في تثبيت قوة ومكانة دولها لايزال بعيدا.
عادت عدوى الانقلابات العسكرية بشكل أساسي إلى أفريقيا، وتجدد ذات السيناريو، لكن تغيرت ملامح المنقلبين وسياساتهم؛ فتبدلت معها ملامح الانقلابات؛ فلم تعد دموية وعدوانية كسابقتها كما لا تتطلب تحركات كثيرة، فالنظام ينهار بسرعة ويسقط رأسه بلا مقاومة. فبعد خمس سنوات على الجائحة، شهدت دول عدة في غرب القارة وجنوبها انقلابات عسكرية مفاجئة وسريعة.
استقال إبراهيم بوبكر كيتا بعد احتجاجات شعبية منددة بسوء الأوضاع، أعقبها بضغط من الجيش المالي، وباعتقال الرئيس الغاني ألفا كوني استولى الجيش على السلطة، وانتقلت العدوى من السودان إلى بوركينافاسو لصالح تعيين النقيب إبراهيم تراوري رئيسا انتقاليا، ومنهما إلى النيجر بعد احتجاز الرئيس محمد بازوم. وخلال ساعات قليلة أنهى الجيش الغابوني حكم الرئيس علي بونغو وعائلته الممتد لعدة عقود، وغادر الرئيس الملغاشي بلاده هربا من احتجاجات شبابية، استغلها العقيد راندريانيرينا ليصبح رئيسا انتقاليا، وقبل أيام قليلة، التحقت غينينا بيساو بالركب، فلم يمهل الجيش اللجنة الانتخابية لإعلان النتيجة، وحسم الخلاف بين الرئيس وغريمه، وعين سلطة انتقالية عسكرية لمدة سنة.
تتجاوز الرهانات الجديدة للمنقلبين البعد الداخلي، فقد تحركت على سردية بناء دول مستقلة على قاعدة الانفكاك من التدخلات الخارجية، رغم أنها تحركت على وعي بأن نجاح تحركاتها رهين بقدرتها على الإمساك بطرفي المعادلة. أولا، بالقدرة على رسم الخريطة الداخلية. وثانيا، بالنجاح في كسب الخريطة الخارجية. فتأسست الموجة الجديدة على قاعدة إعادة ترميم العلاقات مع المجتمع بالتركيز على البعدين الاقتصادي والخدماتي.
نعيش أجواء انقلابات غير تقليدية، غير صاخبة، ترسم بهدوء ملامح مرحلة جديدة من تاريخ أفريقيا العصي عن الاستقرار، استطاعت إلى الآن أن تضمن شرعية شعبية لأنظمتها، لكن الحكم على نجاحها في تثبيت قوة ومكانة دولها لايزال بعيدا
لإعادة ضبط المشهد العام، غالبا ما تتوجه الأنظار بحثا عن دعم الأطراف الخارجية، سعيا للكشف عن دور التدخل الخارجي في هذه التغيرات الداخلية، في ظل شدة الاستقطاب الدولي على المنطقة. وغالبا ما تكون قدرة المنقلبين كبيرة على استقراء الخريطة الجيوسياسية العالمية، بالإضافة إلى استثمار تناقضاتها لإعادة بناء ترتيبات تعزز سلطتهم، فالانقلابات الأخيرة في دول الساحل تحركت على قاعدة استثمار عودة روسيا الى الرقعة الأفريقية، فأعادت الأنظمة بناء تحالفاتها بالرهان على هذه العودة.
تعكس هذه التحولات ملامح المشهد السياسي المعقد، فعادة ما ينجح الانقلابيون في استثمار المظالم الاجتماعية ومساعي التعددية السياسية للسيطرة على السلطة، كما يتفوقون في صنع سردية إنقاذ للشعب من سطوة النخبة الحاكمة، ويرسمون بلغة شعبوية معالم خريطة طريق النجاح الآمنة، وإن كانوا يدركون صعوبة الوفاء بالتزامات الإصلاح وإعادة البناء، هما أمران أحلاهما مر.
لم يكن الرئيس كاغامي ليغامر بتصريحه بأن "الانقلابات إيجابية" ما لم يتأكد له بأنها أضحت واقعا أفريقيا لا يمكن التعالي عليه. ولسنا في وارد المحاججة على الشعوب في اختياراتها، لكننا على يقين بأنها ليست الحل. يعقب كاغامي في ذات السياق، معتبرا بأنها ليست الحل الأمثل، لكنها تكشف عن فشل القيادات، وتفضح مسارعتها للاحتفاظ بالسلطة، ليشرعن سند اعتبارها "إيجابية"، فقد أضحت أداة للتغيير والاستجابة لتطلعات الشعوب، وبها يتحقق الانتقال. ثم يسترسل في القول؛ كلما كانت هذه الانقلابات تنبع من الطموحات الشخصية لأصحابها فهي سيئة، لكن 90% من الانقلابات تفضح مشكلات قائمة لم يتم معالجتها، فتحرك الجيش لحسم الأمور يجعلها "إيجابية".
همها يكن من أمر، يبدو أن الشعوب الأفريقية أضحت تستأنس بالخريطة الجديدة، فالجيل الجديد من الانقلابات الأخيرة يحسم الأمور بلا فوضى ولا دماء، وتستمر الحياة أيا كان صانعوها وبأية وسيلة، فتعود المياه إلى مجاريها ساعات قليلة بعد الانقلاب، ويعود الناس لانشغالاتهم، وأعينهم على تحقيق الوعود لا الرهان على الوسائل والآليات.
يظهر بأن ذات الاستئناس بهذه التحولات يتسرب إلى دوائر صنع القرار الإقليمية، كما عبر عنه علانية كاغامي، فكثيرا ما تتعدى بيانتهم التنديدية الإصرار على العودة للشرعية الديمقراطية، إلى الترحيب غير المباشر بالسلطات الجديدة، بتخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية، والتفاوض لإضفاء الشرعية عليها.
غالبا ما تتوجه الأنظار بحثا عن دعم الأطراف الخارجية، سعيا للكشف عن دور التدخل الخارجي في هذه التغيرات الداخلية، في ظل شدة الاستقطاب الدولي على المنطقة. وغالبا ما تكون قدرة المنقلبين كبيرة على استقراء الخريطة الجيوسياسية العالمية، بالإضافة إلى استثمار تناقضاتها لإعادة بناء ترتيبات تعزز سلطتهم
بالمناسبة، برزت ملامح هذه المشهدية بجلاء بعد نجاح الانقلابات الأولى بدول الساحل، إذ تحركت الآلة المؤسساتية الأفريقية لمواجهتها، وظلت تردد لن نتسامح مع الاستيلاء على السلطة. لكنها عاجزة عن التحرك، فتفككت معالم المجموعة الاقتصادية بعد انسحاب هذه الدول منها، فلم تستطع إثبات فاعليتها في مقارعة نادي المنقلبين، كما فعلت في حالات سابقة. فقد كانت تتحرك بانتقائية؛ تضغط على بلد وتتغاضى عن آخر، إذ كانت حازمة مع السلطات النيجرية وودودة إلى حد بعيد مع غيرها. ففشلت في كسب معركة التفاوض مع هؤلاء المنقلبين، وأخفقت عقوباتها وقراراتها في كبح جماح المد العسكري بالمنطقة، كما فشلت في تحريك قواتها العسكرية للعودة للشرعية، فقد ولى زمن تحركاتها العسكرية الصارمة، منذ آخر تدخل لها في غامبيا عام 2017، وفشلت في وقف عدوى الانقلابات التي وصل قطارها إلى بيساو، وينسحب الأمر ذاته على مثيلاتها.
أضف إلى ذلك، أن الاتحاد الأفريقي بحد ذاته لم يخرج عن هذه القاعدة، فحافظ على صيغة البيانات المنددة والمسارعة لتجميد مساهمة الدولة داخل أروقته، لكن تحركاته تظل رمزية، انسجاما مع رؤيته لتعزيز للديمقراطية فحسب، ولا تتعدى إشهار ورقة تعليق مشاركة الدول في أنشطته، أكثر منها قرارات صارمة لإنهاء الوضع القائم.
تحديات عديدة ترغمه على الاعتراف بسلطة الأمر الواقع، ليس أقلها أصوات كثيرة داخلية تدفع في هذا المنحى، تؤكده تسريبات لوثيقة من إحدى مؤسساته تقترح رفع العقوبات عن دول الساحل الثلاث والاعتراف بشرعية تحالفها، وإن أجهض المقترح من منبعه. لكنها تؤكد استمرار إنضاج هذه المعادلة الجديدة بما يسمح لها ان ترسم مستقبلا شرعية لهذا الواقع، باعتبارها وصفة ناجحة للاستقرار ولاستمرار عمل المؤسسة الاتحادية، والتي تحتاج هي أيضا إلى إصلاح ومراجعات، وذلك موضوع آخر.
بالمحصلة، الشرعية لا تصنعها صناديق الانتخابات فقط إنما شرعية الإنجاز، وبها يحافظ الحكام على عروشهم وبها تتعزز شرعيتهم، ويمكن تقدير أنها جزء محوري من شرعية كاغامي نفسه. لكن ورغم ذلك، تبقى الديمقراطية على علاتها وتحدياتها البلسم الحقيقي لتجاوز معضلة الدولة الأفريقية، ويظل الاحتكام الى إرادة الأغلبية والتوافقات صمام الأمان نحو الاستقرار الحقيقي.