السبت 11 أبريل 2026
وُضعت الأمم المتحدة، منذ تأسيسها، في قلب الجهود الرامية لتحقيق السلام العالمي، وتعزيز التعاون الدولي. ولكن مع مرور العقود، بدأت أصوات تنتقد دورها، وتشكك في قدرتها على مواجهة التحديات المعاصرة. من بين هؤلاء المفكرين، المهدي المنجرة، الذي استقال من النظام الأممي في السبعينيات، بعد أن خلُص إلى أن الأمم المتحدة ليست سوى أداة تخدم مصالح القوى الغربية، بدلاً من أن تكون منبرًا لتحقيق العدالة والسلام.
مع استمرار فشل المنظمة في حل النزاعات في مناطق، مثل: الصومال والسودان وغيرهما، يتجدد السؤال: هل تجاوزت الأمم المتحدة عمرها الافتراضي، أم أن العالم بحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية للمؤسسات الدولية لتواكب تحديات العصر؟ إن هذه الأسئلة ليست سوى أطرا نظرية أمام القارئ لفهم وتفسير طبيعة أي صراع، ولعلها تبقى كفيلة بالتنبؤ بأي حركة يتحركها الفاعلون الدوليون تجاه أي نزاع مهما كان حجمه.
لطالما كان الصراع الصومالي تحديًا كبيرًا أمام جهود حفظ السلام الدولية، حيث كشف عن إمكانيات وحدود دور الأمم المتحدة في إدارة النزاعات الداخلية. إن الحرب الأهلية التي اندلعت في أوائل التسعينيات أصبحت محورًا للجهود الدبلوماسية والإنسانية العالمية، مما أظهر عيوبًا جوهرية في نظام الأمم المتحدة لحفظ السلام.
في هذا السياق، نتناول أطروحة قدمتها الباحثة منى فرومانس باسكال، عام 2018، بعنوان "الصراع الصومالي والأمم المتحدة" أوردت فيها تحليلاً مفصلاً عن دور الأمم المتحدة في الحرب الأهلية الصومالية، والتحديات المرتبطة بإدارة الصراعات في النظام الدولي. لاحقا، نُشِرت الأطروحة في إطار مركز الدراسات حول الأمن الدولي والتعاون الأوروبي (غرونوبل). لقد ساهمت أطروحتها هاته، بشكل كبير، في فهم استجابات المجتمع الدولي للنزاع الداخلي مثل الصومال، مع طرح تساؤلات هامة حول فعالية جهود حفظ السلام العالمية.
أطلقت الأمم المتحدة في أوائل التسعينيات، العديد من مهام حفظ السلام في الصومال في محاولة منها تحقيق الاستقرار وسط حرب أهلية أتت على الأخضر واليابس، وعمّقت الجراح بين أفراد يتقاسمون تاريخا وهوية ومستقبلا واحدا. تراوحت هذه العمليات – "أونوسوم"، "يونيتاف"، و"أونوسوم II" –بين حفظ سلام تقليدي إلى تدخلات عسكرية أكثر قوة، لكنها انتهت جميعها بالفشل. وتميزت هذه المهام، التي امتدت من 1992 إلى 1995، بضعف التنسيق، وغياب الوضوح في التفويض، وافتقار الجهود لتحقيق السلام المستدام. ثم ما فتئت الأمم المتحدة تنسحب تحت حماية عسكرية، تاركة الصومال في حالة من الفوضى الشيء الذي طرح تساؤلات صعبة حول دور المنظمات الدولية في إدارة النزاعات الداخلية.
رغم تأكيد الأمم المتحدة على مبدأ "السيادة" بوصفه مبدأ أساسيا في القانون الدولي، إلا أن انهيار الصومال في التسعينيات القرن الماضي تطلب تدخلاً دوليًا عاجلاً. الشيء الذي استتبعه فشل في استعادة السلام والاستقرار، مما أجبر المنظمة على مواجهة حدود نهجها ونظامها. لقد وجدت الأمم المتحدة صعوبة في تحقيق التوازن بين التزامها بسيادة الدول وضرورة التدخل.
بحلول عام 1995، بعد انسحابها من الصومال، قلصت الأمم المتحدة مشاركتها المباشرة، وسمحت للمنظمات الإقليمية، وخصوصًا الاتحاد الأفريقي، بتولي دور أكبر في عملية السلام. لكن عودة القرصنة إلى المحيط الهندي، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، دفعت الأمم المتحدة إلى العودة، مع التركيز هذه المرة على دعم جهود بناء السلام، بقيادة الاتحاد الأفريقي بدلاً من التدخل العسكري المباشر.
تم تأسيس بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميسوم)، عام 2007، لتوفير الأمن والمساعدة في إعادة بناء الدولة الصومالية. ورغم أن "أميسوم" لعبت دورًا حيويًا في تأمين المناطق الرئيسية، إلا أن جهودها عانت من محدودية الموارد، وضعف التنسيق، وغياب استراتيجية سلام طويلة الأمد. لا تزال الأوضاع هشة، على الرغم من بعض النجاحات العسكرية، فإن الاستقرار السياسي في الصومال لا يزال بعيد المنال.
لا يزال هناك أمل في أن تلعب الأمم المتحدة دورًا بناءً في مستقبل الصومال، على الرغم من إخفاقاتها السابقة، ففي عام 2013، أنشأت الأمم المتحدة بعثتها للمساعدة في الصومال (يونسوم)، التي مثلت تحولاً عن مهام حفظ السلام التقليدية نحو دعم جهود بناء الدولة. يركز تفويض "يونسوم" على مساعدة السلطات الصومالية في الانتقال إلى الديمقراطية، وتعزيز المؤسسات الحكومية، وتعزيز الحكم الرشيد وحقوق الإنسان.
يدرك هذا النهج أن التدخلات العسكرية وحدها لا يمكن أن تحل القضايا السياسية والاجتماعية العميقة في الصومال. بدلاً من ذلك، يسعى إلى تقديم استراتيجية شاملة وطويلة الأمد، تعالج جذور النزاع مع تعزيز المصالحة السياسية. يُنظر الآن إلى دور الأمم المتحدة في الصومال كشراكة، تساعد الحكومة الصومالية على بناء قدراتها الخاصة في الحكم والأمن. ومع ذلك، يعتمد نجاح هذا النهج على قدرة الحكومة الصومالية على تجاوز الانقسامات السياسية، والعمل نحو الوحدة الوطنية.
يواجه الصومال سؤالًا مصيريًا، مع اقتراب انتهاء تفويض "أميسوم" في عام 2024: هل يمكن للحكومة الصومالية أن تتحمل عبء الأمن بمفردها؟ ورغم تحقيق القوات الصومالية بعض التقدم العسكري، إلا أنها لم تظهر بعد القدرة على الحفاظ على الأمن بشكل مستقل. تزيد التحديات الناجمة عن الانقسام السياسي الداخلي، خاصة التوترات بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية، من تعقيد الجهود الرامية إلى إقامة هيكل حكم موحد ومستقر.
رغم التقدم المحرز في السنوات الأخيرة، لا يزال مستقبل الصومال غير مؤكد. هذا، ويثير انسحاب قوات "أميسوم" الوشيك في عام 2024 مخاوف بشأن احتمال حدوث فراغ أمني، قد يعكس المكاسب المحققة مؤخرًا. لم تثبت الحكومة الصومالية، على الرغم من تلقيها الدعم من المانحين الدوليين، قدرتها بعد على التعامل مع الوضع الأمني دون مساعدة خارجية.
إضافة إلى ذلك، فإن تصاعد نشاط حركة الشباب، وهي جماعة إسلامية متشددة، يستمر في زعزعة استقرار الصومال. وعلى الرغم من تحقيق القوات الصومالية بعض النجاحات العسكرية ضد الحركة، فإنها لا تزال صامدة، وتواصل شن هجمات تقوض جهود إعادة بناء البلاد.
تزيد قضية صوماليلاند، المنطقة التي أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991، من تعقيد الوضع. ورغم إنشاء حكومة مستقرة نسبيًا، لا تزال صوماليلاند غير معترف بها دوليًا، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، ملفا يفاقم الانقسامات داخل الصومال، ويعقد الجهود الدبلوماسية لإيجاد حل دائم للنزاع.
لعل الانتخابات التي أجريت في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، والتي فيها شارك أكثر من مليون من سكان صوماليلاند البالغ عددهم أكثر من ستة ملايين في الانتخابات، مثال مادي على ممارسة ديمقراطية سلمية في منطقة القرن الإفريقي. ورغم أن صوماليلاند لم تحظَ بعد باعتراف دولي، فإن تحقيق هذا الهدف ظل على رأس أولويات المرشحين الثلاثة في الانتخابات، إذ اعتبروا أن الاعتراف الدولي هو الحل لمعظم التحديات الداخلية التي تواجهها المنطقة. وقد أكد العديد من المراقبين الدوليين، مثل بعثة مراقبة الانتخابات من جامعة لندن، على نزاهة الانتخابات.
يقف الصومال الآن على مفترق طرق، حيث تواجه البلاد خيارًا بين مواصلة مسار التعافي أو العودة إلى فوضى الماضي. يجب على المجتمع الدولي، وخصوصًا الأمم المتحدة، أن يدرك أن مستقبل الصومال لن يتشكل فقط من خلال التدخل العسكري، بل عبر نهج شامل يعالج التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها البلاد. ومع استمرار الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية في دعم عملية الانتقال في الصومال، يجب أن يركزوا على بناء السلام طويل الأمد وتنمية الدولة.
يمثل إنشاء بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في الصومال (يونسوم) خطوة في الاتجاه الصحيح، بيد أنه من الواضح أن تعافي الصومال يتطلب التزامًا مستمرًا ودعمًا من المجتمع الدولي. من خلال إعطاء الأولوية للمصالحة السياسية، والحكم الرشيد، وتعزيز المؤسسات الصومالية. ومع ذلك، تقع المسؤولية في نهاية المطاف على عاتق الشعب الصومالي، الذي يجب أن يعمل معًا لبناء مستقبل سلمي وموحد.