الثلاثاء 19 مايو 2026
لم تكن الألغام الأرضية مجرد بقايا لحروب انتهت، بل هي تهديد ممتد يعيد إنتاج العنف مجددًا، ويقوّض فرص التعافي في قارة ترغب فى الاستقرار. ففي أفريقيا، حيث يتداخل إرث الاستعمار مع صراعات داخلية طويلة، تنتشر الألغام كشبكة خفية تعيق الحياة اليومية، وتحوّل الأرض إلى مصدر خطر دائم بدلًا من أن تكون ركيزة للنمو والتنمية. وبينما قد تتراجع حدة المعارك في بعض المناطق، تظل آثار الألغام حاضرة تحت الأقدام، تحصد أرواح المدنيين وتفرض كلفة إنسانية واقتصادية باهظة.
كشف تقرير مرصد الألغام الأرضية لعام 2025 عن تصاعد في عدد ضحايا الألغام على مستوى العالم، حيث بلغ عدد القتلى والجرحي 6279 شخصًا في 52 دولة، وهو أعلى مستوى سنوي منذ عام 2020. ويُظهر توزيع الضحايا طابعًا إنسانيًا حادًا، إذ شكّل المدنيون نحو 90٪ من الإجمالي، فيما مثّل الأطفال قرابة النصف، بما يعكس الطبيعة العشوائية لهذا السلاح. أفريقياً، تصدرت نيجيريا قائمة الدول الأكثر تضررًا بـ275 ضحيةً، تلتها مالي بـ268، ثم بوركينا فاسو بـ224، وجاءت السودان في المرتبة الرابعة بـ107 ضحايا، ما يوضح تمركز الظاهرة في بيئات النزاع والهشاشة الأمنية.
ساهمت الحرب مع إريتريا في انتشار الألغام على طول المناطق الحدودية في إثيوبيا نتيجة الاستخدام المكثف لها من قبل الطرفين، كما امتد التلوث إلى النزاعات الداخلية في أقاليم أمهرة وتيغراي وعفار، حيث لجأت الأطراف المسلحة إلى الألغام كوسيلة لموازنة التفوق العسكري للجيش الإثيوبي
تشير تقديرات إلى أن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء تضم نحو 20 مليون حقل ألغام، في انعكاس لإرث طويل من الإستعمار والنزاعات الداخلية، حيث قُتل ما يقارب 47 ألف شخص بسبب الألغام بين عامي 1999 و2025. وقد عُثر في القارة على 67 نوعًا من الألغام المضادة للأفراد. تُظهر بعض الدراسات أن كلفة الألغام لا تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى آثار غير مباشرة قد تفوق في حدّتها ضحايا الحروب التقليدية، كما في حالة الحرب الأهلية في الكونغو الديمقراطية، حيث قُدّر عدد الوفيات غير المباشرة بنحو 2.5 مليون شخص.
في السودان، حذّرت الأمم المتحدة من تفاقم خطر المتفجرات، حيث يواجه نحو 14 مليون شخص تهديدًا مباشرًا من الألغام وبقايا الذخائر، في ظل اتساع رقعة التلوث الحربي منذ اندلاع النزاع في أبريل/نيسان 2023. إذ وصلت المساحات الملغمة في السودان إلى قرابة 15 كيلومتر. وتشير تقديرات دولية إلى وجود ما يقارب 38 مليون طن من مخلفات الحرب في الخرطوم، إضافة إلى إحاطتها بنحو سبعة حقول ألغام في مناطق مختلفة، بينما لا تزال أكثر من 10٪ من الذخائر المستخدمة في الحرب الأخيرة غير منفجرة، وهو ما يحوّل الخرطوم إلى أرض خطرة، ويطيل أمد التهديد الإنساني حتى في حال توقف العمليات القتالية.
يُحيي العالم في الرابع من أبريل/نيسان اليوم الدولي للتوعية بالألغام والمساعدة في مكافحة الألغام، في ظل استمرار التهديد الذي تمثّله الألغام الأرضية على المجتمعات المتضررة من النزاعات. وفي هذا السياق، حذّر أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، من أن الألغام تواصل حصد أرواح آلاف المدنيين سنويًا، وإصابة أعداد أكبر بكثير، مشيرًا إلى أن هذا الخطر لا ينتهي بانتهاء الحروب، بل يمتد لسنوات طويلة نتيجة بقاء حقول الألغام مخفية وقابلة للانفجار في أي وقت. وأضاف أن نحو 100 مليون شخص حول العالم لا يزالون معرضين لخطر الألغام.
إن كلفة الألغام لا تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى آثار غير مباشرة قد تفوق في حدّتها ضحايا الحروب التقليدية، كما في حالة الحرب الأهلية في الكونغو الديمقراطية، حيث قُدّر عدد الوفيات غير المباشرة بنحو 2.5 مليون شخص
تعاني 22 دولة في أفريقيا جنوب الصحراء من آثار الألغام، وتُعد أنغولا من أكثرها تضررًا، حيث زرع الألغام في أنغولا البرتغاليين وكوبا وجنوب أفريقيا، وشهدت عملية إزالة الألغام تباطؤًا ملحوظًا رغم انتهاء الحرب الأهلية عام 2002، إذ سجل عام 2024 أدنى مستوى في تحرير الأراضي الملوثة بسبب صعوبة التضاريس وقيود التمويل، ما أبقى مساحات واسعة غير صالحة للتنمية. وقد ساهمت منظمة هالو ترست البريطانية في جهود الإزالة، إذ دمرت منذ عام 1994 أكثر من 120 ألف لغم، وتمكنت في ممر لوبيتو من إزالة ما مجموعه 285 ألف لغم وجسم متفجر، إلا أنه لا يزال نحو 975 حقل ألغام قائمًا في البلاد، في حين أن ما يصل إلى 88 ألف أنغولي بُترت أطرافهم بسبب الألغام ومخلفات الحرب في أنغولا.
لا يقتصر أثر الألغام على الخسائر البشرية المباشرة، بل يمتد ليُحدث تحولات طويلة الأمد في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق المتضررة، إذ تؤدي إلى إفراغ مساحات شاسعة من السكان لعقود، وتعطيل استخدام الأراضي الزراعية، وحرمان المجتمعات من الوصول إلى المدارس والخدمات الأساسية، بما يجعل عمليات إزالة الألغام شرطًا جوهريًا في أي مسار لإعادة الإعمار.
في هذا السياق، شهد السودان خلال الفترة بين أغسطس/آب 2025 ومارس/آذار 2026 مقتل نحو 55 شخصًا نتيجة انفجارات الألغام، في مؤشر على استمرار التهديد رغم تراجع وتيرة القتال في بعض المناطق. وتمتد التداعيات إلى الحياة البرية أيضًا، كما في أنغولا، حيث تراجع عدد الأفيال من نحو 100 ألف قبل عام 1975 إلى أقل من 3400 فيل في الوقت الراهن وفق تقديرات ميدانية.
تتصدر إثيوبيا قائمة الدول الأفريقية الأكثر تضررًا من حيث المساحات الملوثة بالألغام، إذ تُقدَّر بنحو 125 كيلومترًا مربعًا، في انعكاس لتراكم آثار حروب متعاقبة داخلية وخارجية. فقد ساهمت الحرب مع إريتريا في انتشار الألغام على طول المناطق الحدودية نتيجة الاستخدام المكثف لها من قبل الطرفين، كما امتد التلوث إلى النزاعات الداخلية في أقاليم أمهرة وتيغراي وعفار، حيث لجأت الأطراف المسلحة إلى الألغام كوسيلة لموازنة التفوق العسكري للجيش الإثيوبي. وتشير تقديرات ما بعد حرب تيغراي منذ عام 2022 إلى تسجيل ما لا يقل عن 1225 ضحية نتيجة الألغام والذخائر غير المنفجرة.
تلي إثيوبيا كل من الصومال بمساحة ملوثة تُقدّر بنحو 122 كيلومترًا مربعًا، ثم تشاد بـ77 كيلومترًا مربعًا، وأنغولا بـ57 كيلومترًا مربعًا. وفي الصومال تنتشر الألغام في نحو 230 منطقة في جنوب ووسط البلاد، تشمل ولايات غلمدغ وهيرشابيل وجوبالاند وبونتلاند وجنوب غرب الصومال، وتمتد كذلك إلى الحدود مع كينيا وإثيوبيا، ويرجح أن جزءًا كبيرًا من هذا التلوث يعود إلى إرث حرب أوغادين بين عامي 1977 و1978، ونشاط الحركة المسلحة في البلاد. وتشير البيانات إلى تصاعد مستمر في عدد الضحايا، من 36 إصابة وقتل عام 2020 إلى 67 حالة وفاة وإصابة بنهاية 2024، ليبلغ إجمالي الضحايا بين عامي 1999 و2024 نحو 3648 شخصًا، ما يؤكد استمرار الألغام كعامل تهديد مزمن في الصومال.
يُعزى تصاعد أعداد القتلى والمصابين نتيجة الألغام في أفريقيا إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها ضعف التمويل الدولي المخصص لبرامج إزالة الألغام، ما أدى إلى إبطاء عمليات التطهير وإجبار عدد من الدول على تقليص أنشطتها في هذا المجال الحيوي. وفي هذا السياق، عبّر الاتحاد الأفريقي عن مخاوفه من تداعيات خفض الولايات المتحدة تمويلها للدول الأفريقية، محذرًا من تأثير ذلك على جهود نحو 14 دولة تعتمد على الدعم الخارجي في إزالة الألغام. فالألغام لم تكن صنيعة أفريقية قط، ولكن امتلأت بها القارة نتيجة للاستعمار الذي عصف بالقارة لعقود.
تشير تقديرات دولية إلى وجود ما يقارب 38 مليون طن من مخلفات الحرب في الخرطوم، بينما لا تزال أكثر من 10٪ من الذخائر المستخدمة في الحرب الأخيرة غير منفجرة، ما يحوّل الخرطوم إلى أرض خطرة، ويطيل أمد التهديد الإنساني حتى في حال توقف العمليات القتالية
على الرغم من زيادات في التمويل الدولي خلال بعض الفترات، فإن الدول الأفريقية لم تكن ضمن أكبر المستفيدين، إذ أظهرت بيانات عام 2023 أن التمويل الأمريكي تجاوز مليار دولار، حصلت أوكرانيا على نحو 40٪ منه، بينما لم تحصل مجموعة من الدول الأفريقية مثل: إثيوبيا وتشاد وموريتانيا والسنغال والنيجر ونيجيريا سوى على نحو 19 مليون دولار فقط خلال الفترة بين 2019 و2023، أي أقل من 1٪ من إجمالي التمويل العالمي المخصص لإزالة الألغام، ما يعكس فجوة تمويلية حادة تعيق جهود المعالجة، وتطيل أمد الأزمة الإنسانية.
تظل الألغام ذات فاعلية عسكرية محدودة رغم استخدامها الواسع في النزاعات الأفريقية، إذ تُظهر تجارب ميدانية أن قدرتها على منع الحركة أو حسم المعارك غالبًا ما تكون مؤقتة أو قابلة للاختراق. ففي موزمبيق تمكن متمردو رينامو من تجاوز حقول الألغام الحكومية خلال الحرب بين عامي 1977 و1992، بينما في أنغولا لم تمنع الأحزمة الدفاعية الملغومة المحيطة بالمدن الرئيسية حركة يونيتا من السيطرة على عدد منها، ما يعكس محدودية تأثيرها العسكري المباشر.
في المقابل، استُخدمت الألغام بشكل أكثر فاعلية كأداة لإحداث أثر إنساني واقتصادي واسع، حيث لجأت حركة يونيتا خلال حربَي 1976–1992 و1992–1994 إلى زرعها لمنع إنتاج الغذاء وعرقلة الوصول إلى مصادر المياه، ما فاقم معاناة المدنيين وأدى إلى انهيار سبل العيش في مناطق واسعة. ويؤكد خبير ألغام أنغولي أن هذه الأسلحة لا تقتصر آثارها على الصراع، بل تمتد إلى تعميق الفقر وتدهور البيئة، معتبرًا إياها أحد أخطر أشكال التلوث طويل الأمد، وأكثرها تدميرًا للتنمية والاستقرار في الدول المتأثرة.
تكشف أزمة الألغام الأرضية في أفريقيا عن معضلة مركبة تتجاوز الأمن الأفريقي لتلامس التنمية الاقتصادية والاستقرار الإنساني. فاستمرار الألغام لا يعكس فقط إرث الحروب، بل يؤكد أيضًا اختلال أولويات التمويل الدولي وضعف الاستجابة لاحتياجات القارة. وبينما تتكدس التحديات الميدانية من اتساع رقعة التلوث بالألغام إلى صعوبة التضاريس ونقص الموارد والتمويل، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف في معادلة لم تُحسم بعد.