تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 20 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الاجتياح الأمريكي لفنزويلا.. دلالاته على أفريقيا في زمن ما بعد السيادة؟

4 يناير, 2026
الصورة
الاجتياح الأمريكي لفنزويلا.. دلالاته على أفريقيا في زمن ما بعد السيادة؟
Share

في سبتمبر/ أيلول 2025، اتهم ترامب مادورو برعاية تجارة المخدرات، وأعلن عن خطة تنفيذ ضربة عسكرية ضد فنزويلا. وأعلنت الإدارة الأمريكية في أكتوبر/ تشرنين الأول نشر حاملة طائرات ومعدات عسكرية على سواحل فنزويلا، ليعقبها في نوفمبر/تشرين الثاني قرار بإغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا بالكامل، وبالموازاة أعلن ترامب عن عرض على الرئيس مادورو لخروجٍ آمن مع أسرته، ولكن الأخير رفض. استمر التصعيد، حيث أكد ترامب أواخر ديسمبر/كانون الأول عن تنفيذ أول ضربة برية داخل فنزويلا، أعقبها إعلان ترامب في 3 يناير/ كانون الثاني الجاري عن تنفيذ الضربة، والقبض على مادورو وزوجته وترحيلهما إلى خارج البلاد.

تأتي هذه العملية الأمريكية تجاه فنزويلا، ضمن إطار العقوبات الاقتصادية، وتصنيف الجماعات المرتبطة بها كمنظمات إرهابية، وتبرير التدخل العسكري تحت مسمى عمليات مثل "الرمح الجنوبي" لمكافحة تهريب المخدرات. لكنها في الواقع، تجسد الأطماع الأمريكية تجاه الموارد الاستخراجية، ولاسيما البترول في فنزويلا، حيث تتمتع بأكبر احتياطي للنفط في العالم، إلى جانب تغيير النظام الحاكم بآخر يكون حليفًا لأمريكا، غير مادورو التي يعتبر خصمًا اشتراكيًا لدودًا كغيره من العديد من زعماء دول أمريكا اللاتينية والكاريبي المناهضين للسياسات الإمبريالية.

توالت ردود الفعل رسميًا وشعبيًا وسياسيًا على مستوى العالم، إلى جانب الإدانة الحاسمة التي قامت بها الحكومة الفنزويلية وشعبها الذي بدأ في الفور باحتجاجات شعبية واسعة غاضبة رفضّا للعدوان الأمريكي ودعمًا للرئيس نيكولاس مادورو. كما أعلنت عدة دول في المنطقة من بينها: كوبا والبرازيل وهندوراس والأرجنتين وتشيلي عن إدانتها الشديدة، مطالبة برد فعل عاجل من المجتمع الدولي حيال العدوان الأمريكي على الدولة البوليفارية، فالتقارير الأولية تتحدث عن استهداف ما لا يقل عن 10 مواقع في كاراكاس ومدن أخرى، بما في ذلك قاعدة الجنرال فرانسيسكو دي ميراندا الجوية، وقاعدة لا غوايرا البحرية في ولاية فارغاس شمال البلاد، والتي تضم الأكاديمية البحرية.

جاء الإدانة أيضا من أحزاب يسارية اشتراكية من دول غربية وشرقية مثل: الصين والهند وتركيا ولبنان وبيلاروسيا وروسيا واليونان وألمانيا وفرنسا وكوريا الشمالية، إلى جانب خروج الآلاف من المتظاهرين في عشرات من المُدن الأمريكية إلى الشوارع مندِّدِين بالهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا.

أدان عمدة مدينة نيويورك الجديد، الإشتراكي-الديمقراطي، الأفريقي الأصول، زهران ممداني الحدث الأمريكي حيث قال في تغريدة على منصة إكس: "إن الهجوم الأحادي على دولة ذات سيادة يُعد عملًا حربيًا وانتهاكًا للقانون الفيدرالي والدولي. إن هذا السعي السافر لتغيير النظام لا يؤثر فقط على من هم في الخارج، بل يؤثر بشكل مباشر على سكان نيويورك، بمن فيهم عشرات الآلاف من الفنزويليين الذين يتخذون من هذه المدينة موطنا لهم. ينصبّ تركيزي على سلامتهم وسلامة كلّ سكان نيويورك، وستواصل إدارتي مراقبة الوضع وإصدار التوجيهات اللازمة".

فنزويلا ليست الحدث إنما العلامة

بعد التطورات الجيوسياسية الواسعة التي باتت تتكاثر باطراد منذ الاجتياح الروسي لأوكروانيا في فبراير/شباط 2022، والضم الروسي لشبه جزيرة القرم ودعم الانفصاليين في دونباس، لم يعد ما جرى في فنزويلا حدثًا معزولًا، يمكن احتواؤه في خانة "الاستثناء الأميركي" أو نزوة سياسية لرئيس مثير للجدل، ولا يمكن قراءته كحادثة إقليمية تخص أميركا اللاتينية وحدها، ولا حتى كفصل جديد في سجل التدخلات الأميركية التقليدية.

يمثل الحدث، في جوهره، لحظة كاشفة لتحول أعمق: انتقال النظام الدولي من مرحلة إدارة القوة عبر القواعد والمؤسسات، إلى مرحلة إدارة العالم عبر الفعل الصادم، ثم كتابة السردية لاحقًا. لم تعد الشرعية تُستمد من القانون، بل من القدرة على فرض الواقع، ثم تسويقه أخلاقيًا وإعلاميًا ومطالبة العالم بالتكيّف معه قسرًا. ما حدث يتجاوز الجغرافيا الفنزويلية ليكشف تحوّلًا بنيويًا في النظام الجيوسياسي الدولي، تحوّلًا لم تعد فيه السيادة مبدأً مؤسسًا، بل متغيرًا خاضعًا لإعادة التعريف، وفق منطق القوة والأمن القومي والصراع على الموارد.

هذا التحوّل المثير، يكتسب خطورته لأنه لا يُعلن كنهاية للنظام الدولي، بل يُمارس باسمه. المؤسسات لا تُلغى، لكنها تُفرغ. المواثيق الدولية لا تُمزق، لكنها تُعطّل تلقائيًا. وفي هذا الفراغ الرمادي، تصبح أفريقيا في سياقها الجغرافي ساحةً مثاليةً لاحتمالية حدوث هذا النموذج، نظرًا لهشاشة الدول، وتعدد الصراعات، وغنى الموارد، وأهمية الموقع الجغرافي. فنزويلا هنا ليست سوى نموذجا مُكثفا لما يمكن أن يحدث حين تُقرّر قوة عظمى أن الزمن لم يعد يخدم أدواتها الناعمة، وأن الانتظار مكلف أكثر من الضربة. السؤال المركزي لم يعد: لماذا حدث ذلك؟ بل: أين يمكن أن يتكرر، وبأي صيغ؟

القرن الأفريقي تحديدًا، ليست بعيدة عن هذه التحوّلات، إنما تقع في قلبه. فالمنطقة التي ظلت لعقود مسرحًا للتجارب الاستعمارية والوصاية الدولية، تعود اليوم لتُدرج ضمن خرائط "المجال الحيوي" للقوى الكبرى، حيث تُعاد صياغة الشرعية السياسية، وتُختبر حدود التدخل، ويُستبدل القانون الدولي بمنطق "الاستقرار بالقوة"، ونهب الموارد باتفاقيات هشّة مثيرة للجدل. وفي هذا السياق، لا يصبح السؤال: هل ما جرى في فنزويلا قانوني؟ بل: هل ما زال القانون الدولي نفسه فاعلًا؟ والأهم: ما الذي يعنيه انهياره العملي بالنسبة لدول أفريقية هشة، مثقلة بالصراعات، وغنية بالموارد؟

بروز شرعية الأمن القومي

منذ نهاية الحرب الباردة، ظل الخطاب الدولي يتحدث عن "نظام عالمي قائم على القواعد". لكن ما نشهده في العقود الأخيرة، هو تآكل هذا النظام من الداخل، لا عبر إعلان رسمي، إنما عبر ممارسة يومية. والمؤسسات فوق الدولية (المواثيق الأممية) لم تفشل لأنها سيئة التصميم، إنما لأنها لا تمتلك القوة الكافية لفرض قراراتها على من يمتلك السلاح والنفوذ. ويتجسد هذا الانهيار بوضوح في قرارات مجلس الأمن التي تُنفذ انتقائيًا، فتقارير لجان التحقيق تبقى حبرًا على ورق، ومحكمة الجنايات الدولية تُلاحق قادة من دول الجنوب، بينما تعجز عن الاقتراب من القوى الكبرى أو حلفائهم.

القرن الأفريقي تحديدًا، ليست بعيدة عن هذه التحوّلات، إنما تقع في قلبه. فالمنطقة التي ظلت لعقود مسرحًا للتجارب الاستعمارية والوصاية الدولية، تعود اليوم لتُدرج ضمن خرائط "المجال الحيوي" للقوى الكبرى، حيث تُعاد صياغة الشرعية السياسية، وتُختبر حدود التدخل، ويُستبدل القانون الدولي بمنطق "الاستقرار بالقوة"، ونهب الموارد باتفاقيات هشّة مثيرة للجدل

لم يعد التدخل يحتاج إلى تفويض دولي، إنما إلى سردية أمنية: مكافحة الإرهاب وحماية الممرات ومنع الفوضى ومواجهة النفوذ المتنامي لدول صاعدة (الصين والهند والبرازيل). هذه السرديات تُستخدم لتجاوز السيادة والشرعية، لا لمناقشتها. وفي القرن الأفريقي، أصبح هذا المنطق هو القاعدة، فالبحر الأحمر يُدار كملف أمني إقليمي ودولي. القرن الأفريقي يُعاد تعريفه كمسرح تنافس بين القوى الكبرى والوجود العسكري الأجنبي لم يعد استثناءً، بل جزءًا من "مفهوم الاستقرار" وقصة الاعتراف الاسرائيلي مؤخراً بصوماليلاند وما أحدثه من دلالاته وسيناريوهات مثيرة على أفريقيا بأسرها. فباتت المنطقة تتحوّل من فضاء سياسي اقتصادي مستقل إلى عقدة أمنية ضمن استراتيجيات القوى النافذة.

من السيادة إلى منطق المجال الحيوي

لم تعد الدولة الوستفالية، بحدودها المعترف بها وسيادتها القانونية، الوحدة الأساسية في التفكير الاستراتيجي العالمي. ما بات يحل محلها هو مفهوم المجال الحيوي: فضاء جغرافي-اقتصادي-أمني يُدار كوحدة واحدة بغض النظر عن الحدود الرسمية. لم يعد يُنظر إلى الساحل الأفريقي كدول ذات سيادة بل بوصفه حزامًا أمنياً واحد. وبات معها القرن الأفريقي يُختزل فقط إلى ممرات وموانئ وكنز استراتيجي. ويُقرأ وسط أفريقيا كخزان معادن نادرة.

يعيد هذا المنطق إنتاج الاستعمار، لكن دون أعلام؛ فالسيطرة لم تعد تحتاج إلى احتلال مباشر، بل إلى اتفاقيات أمنية وقواعد عسكرية، ونخب محلية مرتبطة بالخارج، واقتصادات مُعاد هيكلتها. بذلك لا تلغى السيادة لكنها تُدار من الخارج؛ تُدار عبر منطق القوة لا غيرها. وهنا أصبحت حالة دول الجنوب الهشة هي الحلقة الأضعف في هذا النظام، ولاسيما الدول الأفريقية: حيث السودان والصومال والكونغو الديموقراطية ومالي... التي تعاني من تفكّك داخلي واسع، يجعلها عاجزة عن حماية مجالها الحيوي، فتُدرج تلقائيًا ضمن مجالات حيوية لغيرها، لأن الفراغ السيادي لا يبقى فراغًا بل تملؤه عادة أجندة الشمال العالمي.

الحرب كأداة لإعادة ترتيب الاقتصاد

في النظام الدولي الراهن، لم تعد العمليات العسكرية، تُفهم باعتبارها فشلًا للاقتصاد أو خروجًا عليه، إنما أحد أدواته الأكثر فاعليّة حين تفشل الوسائل الناعمة في تحقيق الأهداف المطلوبة. الحروب لأجل نهب الموارد، والغزوات بمفهومها المعاصر، ليست نقيض السوق، إنما شرطًا لعمله في البيئات التي تقاوم الاندماج والاستيعاب القسري أو تعجز عن التكيّف السريع مع منطق العولمة النيوليبرالية الذي يغزو العالم بوعي أو بدونه. وهنا، أفريقيا تمثّل المسرح الأمثل لهذا النموذج، ليس فقط بسبب وفرة الموارد، إنما بسبب هشاشة الدولة الوطنية، وضعف قدرتها على التحكم في الاقتصاد السياسي للعنف. حين تندلع الحرب، لا يُدمَّر الاقتصاد فحسب، بل يُعاد تشكيله جذريًا كما يحدث حالياً في سياق الحرب السودانية. تُكسر البنى القديمة، وتُفكك شبكات السيطرة الوطنية على الموارد، ويُعاد توزيع الأصول في لحظة سيولة قصوى تسمح بإعادة ترتيب المصالح وأجندة القوى الكبرى النافذة.

الحروب لأجل نهب الموارد، والغزوات بمفهومها المعاصر، ليست نقيض السوق، إنما شرطًا لعمله في البيئات التي تقاوم الاندماج والاستيعاب القسري أو تعجز عن التكيّف السريع مع منطق العولمة الذي يغزو العالم. تمثّل أفريقيا المسرح الأمثل لهذا النموذج، ليس فقط بسبب وفرة الموارد، إنما بسبب هشاشة الدولة الوطنية، وضعف قدرتها على التحكم في الاقتصاد السياسي للعنف

هنا يظهر منطق "الصدمة" بشكلٍ أساسي. والصدمة لا تستهدف النظام السياسي وحده، بل المجتمع بأكمله. في لحظة الانهيار، تتراجع القدرة على المقاومة، وتصبح الأولوية للبقاء لا للسيادة. في هذه اللحظة، تدخل برامج "الإنقاذ": إعادة الإعمار والإصلاح الاقتصادي واستعادة الثقة، وكلها عناوين تُستخدم لفرض وصفات جاهزة، لا تُناقش بقدر ما تُمرر. في الدول الأفريقية التي ما تزال تعاني من تكاثر النزاعات المسلحة، يتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد مُدار خارجيًا. الموازنات تُكتب بالتشاور مع المانحين، السياسات تُصاغ وفق شروط التمويل، والموارد تُربط بسلاسل قيمة عالمية لا تعود فائدتها على المجتمعات المحلية. الدولة تفقد دورها كفاعل اقتصادي، وتتحول إلى وسيط إداري فحسب مثلما يحدث في راهن السودان.

صناعة الشرعية البديلة

كما في الحدث الأمريكي تجاه فنزويلا، قبل أن تُستخدم القوة الخشنة، تُدار حرب أكثر هدوءًا وأطول نفسًا: حرب على المعنى. هذه الحرب لا تستهدف الأرض، إنما الشرعية على غرار ما قامت به إدارة ترامب تجاه الرئيس نكولاس مادورو، والرسالة الواضحة إنها إعادة تعريف لمفهوم الدولة والسلطة، وطرح أسئلة من قبيل: من هو الحاكم؟ من يمثل الشعب؟ من يملك الحق في التحدث باسم الدولة؟ وقد باتت أسئلةً تُعاد صياغتها خارجيًا قبل أن تُحسم داخليًا أو بتنسق بينهما: النخب السلطوية الداخلية مع الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للحدود وأجندتها السياسية.

القرن الأفريقي يُعاد تعريفه كمسرح تنافس بين القوى الكبرى والوجود العسكري الأجنبي لم يعد استثناءً، بل جزءًا من "مفهوم الاستقرار" وقصة الاعتراف الاسرائيلي مؤخراً بصوماليلاند وما أحدثه من دلالاته وسيناريوهات مثيرة على افريقيا بأسرها. فباتت المنطقة تتحوّل من فضاء سياسي اقتصادي مستقل إلى عقدة أمنية ضمن استراتيجيات القوى النافذة

في أفريقيا بالتحديد، تتكرر هذه العملية في كل لحظة فراغ سياسي. تُضخَّم شخصيات أو مجموعات سياسية أو مدنية أو حتى مليشيات مسلحة بعينها، ويُمنح لها اعتراف إقليمي ودولي محبوك، وتُقدَّم بوصفها "البديل المعقول". وهنا تظهر نموذج المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، التي تم الإعلان عن فوزها في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بجائزة نوبل. وبالطبع فمثل هذا الاعتراف لا ينبع بالضرورة من وزنها الشعبي، إنما من قابليتها للاندماج في المنظومة الدولية القائمة.

تُفصل الشرعية هنا عن المجتمع، وتُربط بالقوى الخارجية، وعليه يصبح القبول الدولي والإقليمي أهم من التفويض الشعبي، مثلما يظهر كذلك في المحاولات المستميتة التي تقوم مليشيات الدعم السريع في معركتها والجيش السوداني في البحث عن الشرعية من السياق الإقليمي والدولي. وهكذا تتحول السياسة من صراع اجتماعي داخلي إلى منافسة على البحث عن الاعتراف الخارجي. وعليه، تُفرغ الديمقراطية تلقائيًا من مضمونها، وتتحوّل إلى أداة ترتيب ووسيلة دعاية.

ففي حالات الصراع المكثف، تُستخدم مفاهيم حقوق الإنسان، ومكافحة الفساد، والانتقال الديمقراطي، ليس فقط كمبادئ وقيم، إنما كأدوات ضغط وترويج في عملية استخدام انتقائي اختزالي، وفق نظرية الواقعية السياسية. والعديد من الدول الأفريقية من بينها السودان قد عاشت وما تزال تعيش مثل هذه الوقائع. حيث تتعّدد المنصات، وتتضارب الشرعيات، ويغيب التمثيل الجامع للشعب، ما يجعل مسألة الشرعية نفسها محل صراع خارجي – داخلي، اقتصادي – إيديولوجي.

كما هو ظاهر من التسلسل الزمني لتصعيد ترامب ضد الرئيس مادورو، فإن الخطر في هذه الحرب الرمزية أنها تسبق المعركة الفعلية، وتُمهّد لها بسهولةٍ بالغة. وبالتالي فحين يُنزع الاعتراف عن سلطة ما، ويُقدَّم البديل بوصفه جاهزًا، كما في حالة ماريا كورينا، والتي تنكّر الإدارة الأمريكية في اليوم التالي للعدوان عندما سئل عنها، وقال ترامب أنها: "لا تصلح لأنها تفقد القبول والاحترام من الشعب الفنزويلي، تصبح أي ضربة لاحقة "تصحيحًا ومبرراً"، لا عدوانًا أو غزوًا أو انتهاك للسيادة، وعليه، تتكامل الصورة الكلية: حيث الرمزية والقوة.

العالم ما بعد السيادة الوستفالية

العالم الذي يتشكل اليوم لا يعترف بالسيادة كما عُرفت في النظام الوستفالي بالنسبة للدولة المستعمَّرة. لأن السيادة لم تعد تعني السيطرة المطلقة على الإقليم والقرار، إنما القدرة على إدارة العلاقات مع القوى الكبرى دون الوقوع في التبعية الكاملة، وهذه القدرة ليست متاحة للجميع. ويبدو أن أفريقيا تحاول الانخراط في هذا العالم، وهي مثقلة بإرث طويل من التفكيك الاستعماري وحدود مصطنعة واقتصادات تابعة وحكومات قامعة وأنظمة هشة. وبالتالي تصبح الدولة الوطنية ضعيفة أمام منطق المجال الحيوي والأمن القومي العابر للحدود الذي بات يتشكّل بقوة.

القواعد العسكرية والاتفاقيات الأمنية والشراكات الاستراتيجية، كلها أدوات لإدماج الدول الهشة والمنزوعة الإرادة سياسيًا وشعبيًا، في منظومات أمنية لا تتحكم في شروطها. والأمن هنا لا يُعرَّف وطنيًا، بل إقليميًا ودوليًا، وغالبًا وفق مصالح محلية مستقلة تمامًا. والدعوة إلى التكتلات الإقليمية تظهر كرد فعل على هذا الواقع. ولكن هذه التكتلات، إن لم تُبنَ على مصالح مشتركة حقيقية، وقدرة عسكرية - اقتصادية ذاتية، قد تتحوّل هي الأخرى إلى أدوات ضمن صراع القوى الكبرى. وقد تحوّلت تكتلات أفريقية (الإيغاد والإيكواس) إلى ذلك، وإلا كيف يُفهم الشدّ والجذب في تدخلاتها وصراعاتها المثيرة.

يجمع السودان حاليًا كل شروط القابلية للتدويل، ونمذجة فنزويلا: حرب مفتوحة وتعدد الفاعلين المسلحين وانهيار للمؤسسات وموارد ضخمة وموقع استراتيجي، كما يجعل البلد مرشحًا لإعادة تعريفه كـ"ملف أمني" لا كدولة ذات سيادة، وشعب له الحق في حماية موارده الطبيعية وقواه البشرية. والخطر لا يكمن في سيناريو تدخل واحد، إنما في تعدد المسارات، حيث اقتصاد إغاثة دائم وساطة لا تنتهي وإعادة هندسة نخب وضغوط أمنية متزايدة.

تبدو هذه المسارات منفصلة، لكنها في الواقع تصب في اتجاه واحد: تآكل القرار الوطني وزيادة الهشاشة الداخلية وتصدع السيادة. فالسودان اليوم لا يواجه خطر التقسيم الجغرافي فحسب، بل خطر التقسيم الوظيفي، حيث تُدار المناطق لأغراض أمنية وأخرى اقتصادية وأخرى إنسانية، ما يعني أن الدولة تتفتت إلى ملفات منفصلة.

يبدو العالم، ما بعد أوكرانيا، والآن ما بعد فنزويلا، وفي أي لحظة ما بعد تايوان، ليس عالم الفوضى المطلقة، إنما عالم إعادة الترتيب بالقوة. والقانون الدولي لم يمت، لكنّه لم يعد مرجعية حاكمة بحزمٍ صرامة، إنما أداةً تُستخدم حين تسمح موازين القوة.

بالنسبة لأفريقيا والقرن الأفريقي ومناطق الهشاشة في الجنوب العالمي، الرسالة واضحة وإن كانت قاسية: السيادة لا تُمنح ولا تُحمى بالخطاب ولا تُصان بحسن النوايا، إنما تُبنى من الداخل وبمؤسسات وشرعية شعبية، واقتصاد إنتاجي واحتكار مشروع للعنف وأدواته، ودونه ستظل القارة ساحة مفتوحة لإعادة التعريف، وسيظل كل صراع داخلي قابلًا للتحوّل إلى ملف دولي، وكل مورد إلى إغراء، وكل فراغ إلى مبرر، وبالتالي يتلحلح السؤال الذي يعد، هل سيتدخل الخارج، إنما هل نملك ما يكفي من المناعة الذاتية لنجعل كلفة التدخل أعلى من عوائده؟