تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 10 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

الأديب العربي بنجلون.. لو امتلك الساسة الحس الأدبي لما أججوا الصراعات

21 يونيو, 2025
الصورة
الأديب العربي بنجلون.. لو امتلك الساسة الحس الأدبي لما أججوا الصراعات
Share

يقول المفكر والأديب الكيني الراحل واثينغو نغوغي: "إن الحضارة العربية التي يبلغ عمرها قرونا كان لها تأثير هائل في أدب شمال أفريقيا الحديثة، وفي أجزاء عديدة من القارة، وقد حرّم مربونا الاعتراف بهذا التأثير، وأهملوا أدب شمال أفريقيا والعالم العربي"، لقد آن الأوان لننظر إلى أفريقيا بعيدا عن التصنيف الاستعماري الذي يقسمها إلى سوداء وشمالية (غير سوداء)، هذا التصنيف الذي صنع تعارضا متوهما بين العروبة والأفريقانية.

في هذا الحوار نلتقي بشخصية أدبية مهمة من شمال أفريقيا، وهو الأديب المغربي الكبير العربي بنجلون، والذي اشتهر بكتابته الأدبية الموجهة للطفل، إلا أن لديه إسهامات نقدية وصحفية وروائية ثرية، إضافة إلى مجهوداته الطويلة في المجال التعليمي، ذلك المجال الذي قاده إلى أدب الطفل، وإلى إصدار صحيفة "الطفل" بمولاي إدريس زرهون (1971)، كما شارك بنجلون في لجان تحكيم عدد من الجوائز، ومن مؤلفاته: "تيار الوعي في الأدب الْمغربي الْمعاصر" (1983) و"أدب الأطــفــال في الْمغرب" (1985) و"النص الْمفتوح" (1986) و "أبعاد النص" (1986) و"جِدال وسِجال" (1986) و"سفر في أنْهار الذاكرة" - سيرة ذاتية – (1987).

معتصم الشاعر: أستاذي العربي بنجلون، لا أعرف من أين أبدأ الحوار معك وسط أجواء الحروب والتوترات والانقسامات والمؤامرات والصورة القاتمة لمستقبل البشرية، هنالك سؤال صارخ من وسط الركام يكاد يشق آذاننا المرهقة وهو: ما جدوى الأدب في هذا الوقت؟ وما الذي يمكن أن يقدمه الأديب ليخفف من قتامة الصورة؟

العربي بنجلون: منذ الأزل، يأتي الأدب والفن قبل وبعد الصراعات والحروب، لأنهما في البداية يعلمان ويربيان ويحذران من الدمار والكوارث والآفات الاجتماعية. وفي النهاية، يصفان الواقع، ويبديان الحقيقة. وليس بإمكانهما أن يوقفا تلك الأزمات، أو يحدا منها، لأنها أكبر من قدرات الأدباء والفنانين والمفكرين أيضا، ومن تدبير رجال الساسة، هم الذين يتحملون المسؤولية. وفي الخمسينيات، قال الفيلسوف جان بول سارتر: ماذا تفعل القصيدة، أمام رصاصة تخترق صدر طفل؟!

الشاعر: مع طغيان السياسة والاقتصاد على الحياة، ما هو دور الثقافة والفنون في هذه المرحلة من عمر البشرية، والتي – كما يقول صديقي الشاعر حسين حبش- تركض بقدمين سريعتين جدا نحو الهاوية؟

بنجلون: على الأدب والثقافة أن يستمرا في الحضور، وألا يرفعا الراية البيضاء، لأن هذه الحروب التي تقضي على البشرية من أجل السيطرة والهيمنة، سببها الرئيسي هو غياب أو ضعف الأدب والثقافة. فلو كان الساسة يمتلكون الحس الأدبي، لما أقدموا على تأجيج الصراعات بين الشعوب. الأدب هو بلسم يوضع على الجروح، كي يشفى أصحابها، وهو عبق الورد الذي يعطر النفوس والقلوب، كيلا تغوص في الوحل والعفن. وإذا كانت السياسة جناحا يساريا للطائر، فإن الأدب جناح يميني له، يُمَكِّناه معا من الطيران بسلام.

الشاعر: في أفريقيا والعالم العربي هنالك حاجة ماسة إلى التغيير، ولن يكون التغيير عميقا إلا إذا ارتكز على جهود ثقافية وفكرية جبارة، كيف تنظر إلى المثقف وتفاعله مع واقعه؟ هل تراه يمارس دوره بجدية أم أن هنالك ما يمنعه؟

بنجلون: أجل، المثقف يتفاعل مع واقعه المر. لكنْ، يبقى مجرد تفاعل، لا يتحول إلى فعل ليمارس التغيير، لأنه لا يملك الوسائل الكفيلة بذلك، ولأن قدراته التفكيرية والوجدانية، لا تتعدى التعبير والكتابة، إلى العمل والحركة، لبناء المستقبل. ولهذا يظل دور المثقف محدودا، ينحصر في الكتابة والتنبيه وإبداء الرأي بطريقة فنية.

الشاعر: لديك كتاب بعنوان "نماذج سردية من الشرق والغرب"، آمل أن تتحفنا بكتاب حول نماذج سردية من أفريقيا أيضا، وعلى ضوء كتابك، كيف تنظر إلى الأدب العربي وما وصل إليه الآن مقارنة بآداب الشعوب الأخرى؟

بنجلون: أنا دائما أفصل بين الأدبين، العربي والغربي، ولا أحاول أن أميل إلى الغربي أو العربي، لأنني أعتبر أن الأدب وليد بيئة معينة، لها مواصفات محددة، لا ينبغي تجاوزها. ولهذا نجد في الأدبين أعمالا متفوقة وأخرى متواضعة، كل منها تعبر عن مجتمعها كما تراه وتعاينه. وليس مطلوبا منها أن يتفوق بعضها على بعض. فقضايا الغرب تختلف عن قضايا العرب، وزاوية التقاط تلك القضايا مختلفة هي أيضا، وبالتالي، لا يمكننا أن نقارن أو نوازن بين الأدبين.

الشاعر: ما دعاني إلى طلب المقارنة بين الأدبين، هو أن هنالك أزمة ثقة في النفس، إننا ننظر إلى التقدم المادي للغرب، فنفترض أن الغرب يتفوق علينا في كل شيء، هذا يحدث معنا كأفارقه وكعرب، ونجد هذا حتى في بعض المثقفين الكبار، الذين تسيطر عليهم النظرة الدونية للذات، والذين يتخذون من جائزة نوبل معيارا للجودة العالمية، ففي كل عام يتوقع بعض العرب- الذين يظنون بأدبنا خيرا- شخصا عربيا سيفوز بنوبل، خاصة أدونيس، ويتوقع البعض في أفريقيا أسماء مثل واثينغو نغوغي وغيره، وحين تفاجئنا الجائزة بشخص ليس منا، وليس معروفا لدينا بدرجة كافية، يتحول البعض إلى الهجوم على الأدب العربي أو الأدب الأفريقي، بل إن البعض قد صرح بلا تردد، أنه ليس من بين العرب من يستحق نوبل، وأنت مطّلع على معظم الأدب العالمي، بماذا تفسر هذه النظرة الساخطة على الذات؟

بنجلون: الجوائز بصفة عامة لها حساباتها الخاصة، حتى لو كان ذلك لا يظهر لنا، فلجنة تحكيم الجائزة تحظُرها، سرا، على الشيوخ، ولهذا السبب حجبتها عن الشاعر الكبير "عزرا باوند" الذي كان من المؤثرين في حركة الحداثة في الأدب العالمي، والمتمردين على النظام الأمريكي، محمل إياه (العالمَ الجديدَ) الحرب الظالمة على فيتنام. ذلك أن من أهداف الجائزة (الخفية والسرية) ألا تـنـتـقـدَ (أولياءَ النعمةِ)، وإلا لن تحظى بقيمتها المادية، قبل المعنوية، ما جعل الفيلسوفَ الفرنسيَّ (جان بول سارتر) ينعتها بـ(قُبلة الموت)!

فهل هناك من يريد أن يقبِّل الموتَ، عِــوَضَ حبيبتِهِ؟! إلا أنَّ الأديب الأيرلندي "برناردشو" عـدَّها بسخريتِهِ اللاذعةِ "طَوْقَ نَجاةٍ" لمن بلغَ الشاطئَ! لا ننسى أن هناك من رفضها، لأنها ستحوله إلى "بوقٍ" لذوي زِمامِ الأمور، أو أنها لم تجئْ في حينها، إلا بعد أن حقق الأديبُ نجاحَهُ، كأنها ســتــبــيِّــض ســلــــوكَ مانِــحــيـها، لا الــــفــــائــــزَ بــها. مــن بــيــنهــم جــورج بــرنــاردشو، وجان بول سارتر!

وهناك عاملٌ آخرُ إضافيٌّ، فــقــد سُئِــل كاتبٌ ياباني: لماذا لم تـترشح لجائزة نوبل؟ فأجاب بسخريةٍ: "لا أريدُ أن أكونَ فرسًا في السباق السنوي"! ذلك أن الناشرين (الكبار) يُراهنون على بيع الملايين من نسخ العمل الفائز، أو الاختراع أو الابتكار، أو ترويج أفكار معينة لربح مادي، أو لكسب تعاطف دولي، نحو (قضيةٍ ما)!

يتجلى هذا العاملُ، بشكل أكبرَ، في الجوائز الأوروبية، التي تسعى إلى تجذير حضورها الثقافي واللغوي في العالم العربي والأفريقي. وبطبيعةِ الحالِ، لا يمكننا أن نُعَـمِّمَ هذا الحكمَ على كلِّ الفائزين، فهناك استـثـناءاتٌ قليلةٌ جدًّا، لا يُعْــتَــدُّ بها! لقد تداول المثقفون أسماء عربية ممن سيحظون بنوبل، فذكر اسم سوري للشاعر أدونيس واسم مغربي للفيلسوف (محمد عزيز الحبابي)، وكاد الثاني أن يفوز بها لو كان علمانيا، إذ ابتكر ما يصطلح عليه (الشخصانية الإسلامية)، وكان يدعو إلى الثقافة المغربية الخالصة، غير الطائعة والخاضعة، سواء للشرق أو للغرب، فضلا عن شيخوختِهِ. وتلك ضريبة يؤديها مَنْ يفكر في التفرُّد والتميُّز والتحرر من رِبْقة الآخر! لكنّ تلك الضريبة تــتحــول إلى "وِسامِ نُــبْــلٍ" حقيقي، يحفظ ماءَ وجه الأديب، طيلةَ الحياة والتاريخ في هذا الكون. المشكلة متجذرة في كل العقليات، سواء العربية أو الغربية، لأنه حتى لو ابتكرنا جائزة عربية أو إسلامية أو أفريقية، فإن الشروط (الخفية) ستحجبها عمَّن يستحقها.

الشاعر: إذاً، العالم الذي نصفه بالمتقدم وننسب إليه كل القيم النبيلة ليس عادلا كما يدّعي، وليس جادا بشأن الانفتاح على الآخرين، كيف تنظر إلى جدية الغرب في التعرف علينا، وترجمة آدابنا ونصرة قضايانا؟

بنجلون: العالم الآخر عادل بين شعوبه، يوفر لها كل الحقوق، لأن بها يبني اقتصاده ويحمي نفسه، لكنه غير عادل مع الغير، كي يمتص ثرواته، ويحوله إلى عبدٍ في مزرعته. وهو بذلك يكشف عن الذئب الشرس الذي يسكن ذاته، فيتعامل بمعايير مزدوجة. يقيم القيامة على مواطن من بلده، إذا أسيئت معاملتُه، ويسكت عما لحق الملايين من البلد الآخر!

الشاعر: يعني هذا أن ملاحقتنا الثقافية لذلك العالم وتبخيس ما لدينا ليس سوى انتحار وجودي، هل تعتقد بأننا في حاجة إلى بلورة نظريات أدبية خاصة بنا، ونابعة من تراثنا الثقافي؟

بنجلون: طبعا، يجب أن نطور ما لدينا من إمكانات فكرية وأدبية واجتماعية واقتصادية، حتى نخلق لأنفسنا إطارا يميزنا عن الآخر، ويتيح الفرص لنا للإبداع والابتكار وتطوير الذات، أما الاعتماد على الآخر وتقليده، فلن يزيدنا إلا عبودية، ويحولنا إلى قرود تقتدي بالغير. لكن علينا في الحين نفسه أن نستفيد من الآخر، لا أن نقف مكتوفي الأيدي حول ما يحققه من منجزات.

الشاعر: أدبياً، يحتفى العرب بآداب الغرب وأمريكا اللاتينية، ويكادون يجهلون تماما شعوبا قريبة منهم جغرافيا وثقافيا مثل البلاد الإفريقية والهند وباكستان وإيران وأفغانستان وغيرها، لماذا لا نفكر أن نعزز قراءة الأدب العربي بين هؤلاء، وتشجيع قراءتنا لأدبهم؟

بنجلون: هذا رأي وجيه، فهناك شعوب أسيوية وأفريقية متشابهة تماما مع الدول العربية، بل إننا نلتقي معاً في كثير من القضايا الفكرية والاجتماعية والعقائدية. وأظن أن هذا العمل الإيجابي، لن تحققه إلا اتحادات وروابط الكتاب والأدباء العرب، وكذا الجمعيات والمنظمات الثقافية، والجامعات... لكن يظل مقترحا معلقا، لأن الأغلبية الساحقة، لا تعير اهتماما للتواصل والتكامل بين الشعوب.

الشاعر: في البلاد الأفريقية الناطقة بالعربية، نادرا ما ننظر إلى أدبنا على أنه أدب أفريقي، إننا نصنفه كأدب عربي، وحين يكتب بعض الأفارقة غير العرب باللغة العربية نسمي أدبهم ب"الأدب الأفريقي المكتوب بالعربية". وهذا ينطبق على الفئة الأولى أيضا، هل تعتبر هذه التسمية صحيحة؟ أعني هل هنالك خصائص مشتركة لآداب الشعوب التي تكتب بالعربية، أم أن الصحيح هو أن نقول الآداب العربية، آخذين في الاعتبار الفوارق إن وجدت؟

بنجلون: البيئات العربية متشابهة لدرجة كبيرة، رغم اختلاف لهجاتها وعاداتها وتقاليدها، فهي مشتركة في العديد من الأشياء، كالأرض والتاريخ والدين والآمال، أي أننا نشترك في أهم ما يجمعنا من ركائز الشخصية العربية. وبالتالي، فإنني عندما أقرأ رواية أو قصيدة، لأي شاعر عربي، أجد قاسما مشتركا بيني وبينه، رغم بعض الفوارق البسيطة، التي تفرضها البيئة والرؤية البشرية للأمور. وبالمناسبة، عندما أقرأ كتابا ما أو أشاهد شريطا سينمائيا، لا أجد نفسي فيه، أشعر بأنه غريب عني، وأن صاحبه ترجم أو اقتبس مضمونه وشكله الفني من عمل غربي، لا يمت إلى هويتي وذاتي بصلة.

الشاعر: هنالك تدافع كبير نحو الكتابة الروائية، كيف تنظر إلى الكتابة المعاصرة خاصة للشباب، على ضوء التقنيات والمبادئ الواردة في كتابك المهم: "هندسة الكتابة الروائية"؟

بنجلون: فعلا، هناك إقبال كبير على الرواية، لأنها تفتح مجالا أكبر للتعبير، وتسع للكثير من الأحداث والوقائع والشخصيات الرئيسية والثانوية، كأنها ملحمة، وهي كذلك، لأنها تطورت عن الملحمة. لكن الغالبية العظمى، إذا ألفوا رواية أو اثنتين، يتخلون عنها. ذلك أن هناك جوائز مخصصة لها، تسيل لعاب الأدباء، وإنْ كانوا شعراء أو قصاصين، طمعا في قيمتها المادية العالية نسبيا، وهذا نلاحظه حتى في الغرب. أما كتابي "هندسة الكتابة الروائية" فهو لا يتناول الكتابات الشابة، بل يأتي بنماذج من الشرق والغرب للمقارنة والمناقشة، والتعريف بتقنيات الكتابة لديهم، أذكر مثالا: ميخائيل باختين... وهذا من شيوخ النقاد الذين أولوا أهمية لجنس الرواية.