الثلاثاء 10 مارس 2026
يقول المفكر والأديب الكيني الراحل واثينغو نغوغي: "إن الحضارة العربية التي يبلغ عمرها قرونا كان لها تأثير هائل في أدب شمال أفريقيا الحديثة، وفي أجزاء عديدة من القارة، وقد حرّم مربونا الاعتراف بهذا التأثير، وأهملوا أدب شمال أفريقيا والعالم العربي"، لقد آن الأوان لننظر إلى أفريقيا بعيدا عن التصنيف الاستعماري الذي يقسمها إلى سوداء وشمالية (غير سوداء)، هذا التصنيف الذي صنع تعارضا متوهما بين العروبة والأفريقانية.
في هذا الحوار نلتقي بشخصية أدبية مهمة من شمال أفريقيا، وهو الأديب المغربي الكبير العربي بنجلون، والذي اشتهر بكتابته الأدبية الموجهة للطفل، إلا أن لديه إسهامات نقدية وصحفية وروائية ثرية، إضافة إلى مجهوداته الطويلة في المجال التعليمي، ذلك المجال الذي قاده إلى أدب الطفل، وإلى إصدار صحيفة "الطفل" بمولاي إدريس زرهون (1971)، كما شارك بنجلون في لجان تحكيم عدد من الجوائز، ومن مؤلفاته: "تيار الوعي في الأدب الْمغربي الْمعاصر" (1983) و"أدب الأطــفــال في الْمغرب" (1985) و"النص الْمفتوح" (1986) و "أبعاد النص" (1986) و"جِدال وسِجال" (1986) و"سفر في أنْهار الذاكرة" - سيرة ذاتية – (1987).
العربي بنجلون: منذ الأزل، يأتي الأدب والفن قبل وبعد الصراعات والحروب، لأنهما في البداية يعلمان ويربيان ويحذران من الدمار والكوارث والآفات الاجتماعية. وفي النهاية، يصفان الواقع، ويبديان الحقيقة. وليس بإمكانهما أن يوقفا تلك الأزمات، أو يحدا منها، لأنها أكبر من قدرات الأدباء والفنانين والمفكرين أيضا، ومن تدبير رجال الساسة، هم الذين يتحملون المسؤولية. وفي الخمسينيات، قال الفيلسوف جان بول سارتر: ماذا تفعل القصيدة، أمام رصاصة تخترق صدر طفل؟!
بنجلون: على الأدب والثقافة أن يستمرا في الحضور، وألا يرفعا الراية البيضاء، لأن هذه الحروب التي تقضي على البشرية من أجل السيطرة والهيمنة، سببها الرئيسي هو غياب أو ضعف الأدب والثقافة. فلو كان الساسة يمتلكون الحس الأدبي، لما أقدموا على تأجيج الصراعات بين الشعوب. الأدب هو بلسم يوضع على الجروح، كي يشفى أصحابها، وهو عبق الورد الذي يعطر النفوس والقلوب، كيلا تغوص في الوحل والعفن. وإذا كانت السياسة جناحا يساريا للطائر، فإن الأدب جناح يميني له، يُمَكِّناه معا من الطيران بسلام.
بنجلون: أجل، المثقف يتفاعل مع واقعه المر. لكنْ، يبقى مجرد تفاعل، لا يتحول إلى فعل ليمارس التغيير، لأنه لا يملك الوسائل الكفيلة بذلك، ولأن قدراته التفكيرية والوجدانية، لا تتعدى التعبير والكتابة، إلى العمل والحركة، لبناء المستقبل. ولهذا يظل دور المثقف محدودا، ينحصر في الكتابة والتنبيه وإبداء الرأي بطريقة فنية.
بنجلون: أنا دائما أفصل بين الأدبين، العربي والغربي، ولا أحاول أن أميل إلى الغربي أو العربي، لأنني أعتبر أن الأدب وليد بيئة معينة، لها مواصفات محددة، لا ينبغي تجاوزها. ولهذا نجد في الأدبين أعمالا متفوقة وأخرى متواضعة، كل منها تعبر عن مجتمعها كما تراه وتعاينه. وليس مطلوبا منها أن يتفوق بعضها على بعض. فقضايا الغرب تختلف عن قضايا العرب، وزاوية التقاط تلك القضايا مختلفة هي أيضا، وبالتالي، لا يمكننا أن نقارن أو نوازن بين الأدبين.
بنجلون: الجوائز بصفة عامة لها حساباتها الخاصة، حتى لو كان ذلك لا يظهر لنا، فلجنة تحكيم الجائزة تحظُرها، سرا، على الشيوخ، ولهذا السبب حجبتها عن الشاعر الكبير "عزرا باوند" الذي كان من المؤثرين في حركة الحداثة في الأدب العالمي، والمتمردين على النظام الأمريكي، محمل إياه (العالمَ الجديدَ) الحرب الظالمة على فيتنام. ذلك أن من أهداف الجائزة (الخفية والسرية) ألا تـنـتـقـدَ (أولياءَ النعمةِ)، وإلا لن تحظى بقيمتها المادية، قبل المعنوية، ما جعل الفيلسوفَ الفرنسيَّ (جان بول سارتر) ينعتها بـ(قُبلة الموت)!
فهل هناك من يريد أن يقبِّل الموتَ، عِــوَضَ حبيبتِهِ؟! إلا أنَّ الأديب الأيرلندي "برناردشو" عـدَّها بسخريتِهِ اللاذعةِ "طَوْقَ نَجاةٍ" لمن بلغَ الشاطئَ! لا ننسى أن هناك من رفضها، لأنها ستحوله إلى "بوقٍ" لذوي زِمامِ الأمور، أو أنها لم تجئْ في حينها، إلا بعد أن حقق الأديبُ نجاحَهُ، كأنها ســتــبــيِّــض ســلــــوكَ مانِــحــيـها، لا الــــفــــائــــزَ بــها. مــن بــيــنهــم جــورج بــرنــاردشو، وجان بول سارتر!
وهناك عاملٌ آخرُ إضافيٌّ، فــقــد سُئِــل كاتبٌ ياباني: لماذا لم تـترشح لجائزة نوبل؟ فأجاب بسخريةٍ: "لا أريدُ أن أكونَ فرسًا في السباق السنوي"! ذلك أن الناشرين (الكبار) يُراهنون على بيع الملايين من نسخ العمل الفائز، أو الاختراع أو الابتكار، أو ترويج أفكار معينة لربح مادي، أو لكسب تعاطف دولي، نحو (قضيةٍ ما)!
يتجلى هذا العاملُ، بشكل أكبرَ، في الجوائز الأوروبية، التي تسعى إلى تجذير حضورها الثقافي واللغوي في العالم العربي والأفريقي. وبطبيعةِ الحالِ، لا يمكننا أن نُعَـمِّمَ هذا الحكمَ على كلِّ الفائزين، فهناك استـثـناءاتٌ قليلةٌ جدًّا، لا يُعْــتَــدُّ بها! لقد تداول المثقفون أسماء عربية ممن سيحظون بنوبل، فذكر اسم سوري للشاعر أدونيس واسم مغربي للفيلسوف (محمد عزيز الحبابي)، وكاد الثاني أن يفوز بها لو كان علمانيا، إذ ابتكر ما يصطلح عليه (الشخصانية الإسلامية)، وكان يدعو إلى الثقافة المغربية الخالصة، غير الطائعة والخاضعة، سواء للشرق أو للغرب، فضلا عن شيخوختِهِ. وتلك ضريبة يؤديها مَنْ يفكر في التفرُّد والتميُّز والتحرر من رِبْقة الآخر! لكنّ تلك الضريبة تــتحــول إلى "وِسامِ نُــبْــلٍ" حقيقي، يحفظ ماءَ وجه الأديب، طيلةَ الحياة والتاريخ في هذا الكون. المشكلة متجذرة في كل العقليات، سواء العربية أو الغربية، لأنه حتى لو ابتكرنا جائزة عربية أو إسلامية أو أفريقية، فإن الشروط (الخفية) ستحجبها عمَّن يستحقها.
بنجلون: العالم الآخر عادل بين شعوبه، يوفر لها كل الحقوق، لأن بها يبني اقتصاده ويحمي نفسه، لكنه غير عادل مع الغير، كي يمتص ثرواته، ويحوله إلى عبدٍ في مزرعته. وهو بذلك يكشف عن الذئب الشرس الذي يسكن ذاته، فيتعامل بمعايير مزدوجة. يقيم القيامة على مواطن من بلده، إذا أسيئت معاملتُه، ويسكت عما لحق الملايين من البلد الآخر!
بنجلون: طبعا، يجب أن نطور ما لدينا من إمكانات فكرية وأدبية واجتماعية واقتصادية، حتى نخلق لأنفسنا إطارا يميزنا عن الآخر، ويتيح الفرص لنا للإبداع والابتكار وتطوير الذات، أما الاعتماد على الآخر وتقليده، فلن يزيدنا إلا عبودية، ويحولنا إلى قرود تقتدي بالغير. لكن علينا في الحين نفسه أن نستفيد من الآخر، لا أن نقف مكتوفي الأيدي حول ما يحققه من منجزات.
بنجلون: هذا رأي وجيه، فهناك شعوب أسيوية وأفريقية متشابهة تماما مع الدول العربية، بل إننا نلتقي معاً في كثير من القضايا الفكرية والاجتماعية والعقائدية. وأظن أن هذا العمل الإيجابي، لن تحققه إلا اتحادات وروابط الكتاب والأدباء العرب، وكذا الجمعيات والمنظمات الثقافية، والجامعات... لكن يظل مقترحا معلقا، لأن الأغلبية الساحقة، لا تعير اهتماما للتواصل والتكامل بين الشعوب.
بنجلون: البيئات العربية متشابهة لدرجة كبيرة، رغم اختلاف لهجاتها وعاداتها وتقاليدها، فهي مشتركة في العديد من الأشياء، كالأرض والتاريخ والدين والآمال، أي أننا نشترك في أهم ما يجمعنا من ركائز الشخصية العربية. وبالتالي، فإنني عندما أقرأ رواية أو قصيدة، لأي شاعر عربي، أجد قاسما مشتركا بيني وبينه، رغم بعض الفوارق البسيطة، التي تفرضها البيئة والرؤية البشرية للأمور. وبالمناسبة، عندما أقرأ كتابا ما أو أشاهد شريطا سينمائيا، لا أجد نفسي فيه، أشعر بأنه غريب عني، وأن صاحبه ترجم أو اقتبس مضمونه وشكله الفني من عمل غربي، لا يمت إلى هويتي وذاتي بصلة.
بنجلون: فعلا، هناك إقبال كبير على الرواية، لأنها تفتح مجالا أكبر للتعبير، وتسع للكثير من الأحداث والوقائع والشخصيات الرئيسية والثانوية، كأنها ملحمة، وهي كذلك، لأنها تطورت عن الملحمة. لكن الغالبية العظمى، إذا ألفوا رواية أو اثنتين، يتخلون عنها. ذلك أن هناك جوائز مخصصة لها، تسيل لعاب الأدباء، وإنْ كانوا شعراء أو قصاصين، طمعا في قيمتها المادية العالية نسبيا، وهذا نلاحظه حتى في الغرب. أما كتابي "هندسة الكتابة الروائية" فهو لا يتناول الكتابات الشابة، بل يأتي بنماذج من الشرق والغرب للمقارنة والمناقشة، والتعريف بتقنيات الكتابة لديهم، أذكر مثالا: ميخائيل باختين... وهذا من شيوخ النقاد الذين أولوا أهمية لجنس الرواية.