الأحد 15 فبراير 2026
الحرب، كما تصفها تشيماماندا نغوزي آديتشي لا تأتي بالتدريج، ولا تمنح المجتمعات فرصة الاستعداد النفسي أو السياسي لها. إنها حدث قاطع يشبه انكساراً حاداً في الزمن يقسم الحياة إلى ما قبل وما بعد، ويعيد تعريف كل ما كان يبدو مألوفاً، لا تطرق الباب ولا تطلب الإذن بل تنقضّ فجأة على تفاصيل الحياة اليومية، وتحوّل الأمان النسبي إلى حالة استثنائية، والاستثناء إلى قاعدة.
قراءة هذا الاقتباس من رواية "نصف شمس صفراء" (Half of a Yellow Sun) التي تناولت حرب بيافرا في نيجيريا أواخر ستينيات القرن الماضي تجعل القارئ، ولا سيما القارئ السوري يشعر بأنّ الكلمات كُتبت عن تجربته الخاصة. ذلك الانتقال المفاجئ من حياة عادية رغم هشاشتها إلى واقع تحكمه المدافع والحصار والخوف المستمر، هو ذاته ما عرفته سوريا بعد عام 2011. في الحالتين، لم تكن الحرب وليدة لحظة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل من انقسامات سياسية واجتماعية لم تُواجَه بصدق حتى انفجرت دفعة واحدة.
كتبت آديتشي عن نيجيريا، وهي تتفكك تحت وطأة الانقلابات العسكرية والانقسامات العرقية، وعن إقليم شرقي تُرك ليواجه الحصار والجوع حتى الانهيار. في ذلك الوقت بدت حرب بيافرا لكثيرين مأساة أفريقية محلية، محصورة في سياقها الجغرافي والسياسي. غير أنّ قراءة هذه الرواية اليوم بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب السورية تكشف أنّ ما جرى في نيجيريا لم يكن استثناءً، بل نموذجاً متكرراً لحروبٍ أهلية تتشابه في بنيتها، وإن اختلفت خرائطها.
قبل اندلاع حرب بيافرا كانت نيجيريا دولة حديثة الاستقلال عن بريطانيا، تحملُ وعود الدولة الوطنية الحديثة امتلكت موارد طبيعية هائلة، وتنوعاً ثقافياً وعرقياً وطاقات بشرية واسعة. إلا أنّ هذا التنوع نفسه كان يحمل في داخلهِ توترات غير محلولة. شعر شعب الإيبو في الشرق بالتهميش السياسي والاقتصادي، وبأنّ السلطة تتركز في أيدي جماعات أخرى. ومع سلسلة من الانقلابات العسكرية والانقلابات المضادة، واغتيال عدد من زعماء الإيبو، بدا خيار الانفصال بالنسبة لكثيرين وكأنهُ المخرج الوحيد من دائرة العنف. هكذا وُلدت جمهورية بيافرا عام 1967، ومعها بدأت حرب استمرت ثلاث سنوات، كانت المجاعة خلالها أقوى من القصف، وأكثر فتكًا من السلاح.
آديتشي تكتب عن ما لا تسجله عادة كتب التاريخ؛ عن رائحة الملاجئ الرطبة، عن صوت الملاعق وهي تحرك حساءً مائياً بلا طعم، عن حوارات الهمس بين الأمهات وهنّ يتساءلن عن مصير أبنائهن على الجبهات
في سوريا، لم يتخذ الانقسام شكل انفصال جغرافي معلن، بل ظهر تدريجياً كشرخ سياسي وأمني واجتماعي عميق. خرجت مظاهرات تطالب بالإصلاح واجهتها السلطة بالقوة المفرطة، فتحولت البلاد من لغة الهتافات إلى لغة السلاح. وفي كلا السياقين كانت هناك فرصة ضائعة في البدايات للحوار، وتفادي الانزلاق نحو الحرب الشاملة، لكنّ الإصرار على الحل الأمني والعسكري أغلق أبواب التسوية، وترك المجتمع ينهار من الداخل.
ما يميز رواية "نصف شمس صفراء" ليس فقط تحليلها لأسباب الحرب وسياقاتها السياسية، بل تركيزها العميق على التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية تحت الحصار. آديتشي تكتب عن ما لا تسجله عادة كتب التاريخ؛ عن رائحة الملاجئ الرطبة، عن صوت الملاعق وهي تحرك حساءً مائياً بلا طعم، عن حوارات الهمس بين الأمهات وهنّ يتساءلن عن مصير أبنائهن على الجبهات.
حين ننقل هذه التفاصيل إلى المشهد السوري، تبدو الصور متطابقة إلى حد يصعب تجاهله. أحياء محاصرة في حلب والغوطة ومضايا، أمهات يطبخنّ العدس مع الماء فقط ليكفوا جوع أطفالهن، وليلٌ ثقيل يملؤهُ الخوف حتى في أوقات الهدوء الظاهري. في الحالتين لا يبدو الجوع مجرد نتيجة جانبية للحرب بل أداة مقصودة لكسر الإرادة الإنسانية، وتحويل البقاء إلى معركة يومية.
إنّ قراءة هذه الرواية اليوم بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب السورية تكشف أنّ ما جرى في نيجيريا لم يكن استثناءً، بل نموذجاً متكرراً لحروبٍ أهلية تتشابه في بنيتها، وإن اختلفت خرائطها
لم يكن الحصار في بيافرا مجرد منع للإمدادات، بل سياسة واضحة لإخضاع الإقليم. أُغلقت الطرق، ومُنع دخول الغذاء والدواء، حتى صار الأطفال يملكون بطوناً منتفخة من سوءِ التغذية، وأجساداً نحيلة كأغصان جافة. تصف آديتشي مشهد أم تحاول إقناع طفلها بأكل أوراق الكسافا المغلية، وهو يرفض لأنّ الطعم مرّ، فتقول له وهي تكتم دموعها: "كله، إنه يجعل قلبك قوياً". هذه الجملة البسيطة تختصر مأساة كاملة حيث يُطلب من الطفل أن يتحمل ما لا يُحتمل.
حملت سنوات الحرب في سوريا مشاهد لا تقل قسوة؛ أطفال يلتقطون بقايا الخبز من تحت الأنقاض، عائلات تتشارك قطعة بطاطا واحدة في اليوم، ومرضى يموتون لأنّ الدواء لم يدخل المدينة منذ شهور. الجوع هنا وهناك لم يكن مجرد نقص في الغذاء بل سلاحاً موجّهاً إلى الروح قبل الجسد.
يظهر الانقسام الداخلي إلى جانب الجوع جرحا مشتركا بين التجربتين، ففي نيجيريا كان الانتماء للإيبو أو الهوسا أو اليوروبا يحدد مصيرك عند نقطة تفتيش. وفي سوريا صار الاسم أو اللهجة أو حتى الحي الذي تنتمي إليه معياراً للحياة أو الموت، حتى بينَ أبناء المدينة الواحدة. الحرب في الحالتين لا تقتل الأجساد فقط، إنما تعيد تعريف معنى الانتماء، وتجعل الإنسان غريباً داخل وطنه.
لا تتوقف آثار الحرب عند حدود الجوع والخوف، بل تمتد إلى التحولات العميقة التي تصيب الأفراد والعلاقات الاجتماعية. كيف يمكن لشخص كان يضحك بصوت عالٍ في الأمس أن يصبح صامتاً كجدار؟ كيف تتحول العلاقات بين الناس إلى صفقات للبقاء؟ في أحد مشاهد الرواية، تضطر إحدى الشخصيات إلى المقايضة بساعة يده الثمينة مقابلَ كيس دقيق، وتغادر السوق وهي تشعر أنها باعت جزءًا من حياتها. هذا المشهد يجد مرآته السورية بوضوح حيث اضطر كثيرون إلى بيع أثاث بيوتهم أو حتى أبوابها، مقابل الطعام أو المال اللازم لعبور الحدود.
لم تكن حرب بيافرا حدثاً معزولًا عن السياق الدولي. فقد تلقت الجمهورية الانفصالية دعماً جزئياً من فرنسا وبعض الدول الأفريقية، بينما حصلت الحكومة النيجيرية على دعم كبير من بريطانيا والاتحاد السوفيتي. هذه التدخلات الخارجية لم تُنهِ الحرب بل ساهمت في إطالة أمدها، وحولت الصراع المحلي إلى ساحة لتصفية حسابات دولية. واتخذ هذا النمط في سوريا شكلًا أكثر تعقيداً، إذ تحولت البلاد إلى مسرح مفتوح لتدخلات إقليمية ودولية متعددة، من روسيا وإيران إلى تركيا والولايات المتحدة ودول أخرى، كلٌ يدعم طرفًا أو جماعة بينما يدفع المجتمع السوري ثمن هذا التشابك.
الحرب في الحالتين لا تقتل الأجساد فقط، إنما تعيد تعريف معنى الانتماء، وتجعل الإنسان غريباً داخل وطنه
الفرق الجوهري بين التجربتين أنّ حرب بيافرا انتهت بعد ثلاث سنوات فقط، وتمكنت نيجيريا، رغم الجراح العميقة من إطلاق عملية إعادة دمج نسبي عبر العفو العام، ومحاولات إعادة الإعمار. لم تُمحَ الذاكرة لكن الدولة حاولت منع تحويلها إلى وقود لحرب جديدة. أما في سوريا، فما زالت الحرب مفتوحة على احتمالات متعددة، والجراح لم تلتئم، والانقسامات ما زالت حاضرة بقوة مع خوف دائم من تكرارِ الانفجار.
عند إغلاق الرواية، لا نشعر أننا أنهينا قصة من الماضي، بل أننا قرأنا إنذاراً مبكراً. ما كتبته آديتشي عن نيجيريا ليس مجرد سرد لتاريخ محلي بل هو درس عالمي في هشاشة السلم الأهلي، وفي خطورة تجاهل الانقسامات الداخلية حتى تتحول إلى حرب شاملة. قراءة هذه الرواية بعد تجربة سوريا تجعلنا نرى بوضوح أنّ التاريخ لا يسير في خط مستقيم، وأنّ المآسي مهما ابتعدت جغرافياً يمكن أن تتكرر بأشكالٍ متشابهة.
الأدب العظيم في مثل هذه الرواية يمنحنا أكثر من متعة القراءة؛ يمنحنا مرآة أخلاقية، ويذكّرنا بأنّ الحروب الأهلية لا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تترك جروحاً طويلة الأمد تحتاجُ إلى إرادة سياسية وشجاعة أخلاقية لرتقها. وبين بيافرا وسوريا تتأكد الحقيقة القاسية أنّ الخرائط قد تتغير، لكنّ الجوع والحصار وفقدان الثقة بينَ أبناء البلد الواحد تبقى لغات مشتركة للحرب، أينما كانت.