الجمعة 17 أبريل 2026
تجمع الأوساط الثقافية العالمية على أن الأدب الأفريقي هو أدب زاخر ومتنوع حيث نجح في التعبير عن مشاغل سكان القارة السمراء، فكان أدبا مقاوما ومناضلا خلال مرحلة الكولونيالية، وناقدا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وللصراعات السياسية والإثنية في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة، وعلا صوته ضد التهجير والتقسيم والعنصرية. كما لم يتردد في التعبير عن رفضه لخطط الهيمنة، ومساعي الدول الكبرى الهادفة إلى الاستحواذ على ثروات الشعوب الأفريقية.
تحصَّل عدد معتبر من الكتاب الأفارقة في السنوات الأخيرة على جوائز عالمية أبرزها جائزة نوبل للآداب التي حصدها الشاعر والمسرحي النيجيري وول شوينكا عام 1986، وفي عام 1991 حازتها الروائية الجنوبية الأفريقية نادين غورديمر، على مجمل أعمالها "على خدمة الإنسانية المتميزة"، وقد استخدمت قلمها لإدانة نظام الفصل العنصري، وهي أول امرأة أفريقية بيضاء تفوز بجائزة نوبل. كما منحت جائزتي البوكر البريطانية الشهيرة، ونوبل للأدب للكاتب الجنوبي أفريقي جون ماكسويل كوتزي عام 2003، تقديرا لمساهمة إنتاجه الابداعي في "تصوير الاغتراب"، وممارسة النقد الاجتماعي وتوثيق مرحلة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وذلك حسب تقيم اللجنة التي توجته بهذه الجائزة العالمية الكبرى.
في عام 2021، نال الكاتب التنزاني عبد الرزاق قرنح أيضا جائزة نوبل، وذلك تقديرا لأعماله التي تتميز بالغوص في آثار الاستعمار والهجرة على تشكيل الهويات، وتمثل هذه الجائزة اعترافا عالميا بالقيمة الإبداعية والفكرية لأدب المبدع قرنح، ولكونه جزءا عضويا من الثقافة الإنسانية خاصة أنه قد ساهم بفاعلية في الدفاع عن قيم الحرية والعدالة في العالم.
رغم عمق العلاقات التاريخية والحضارية بين أفريقيا ودول المنطقة العربية، ورغم انتماء دول شمال أفريقيا إلى القارة جغرافيا، ورغم الاعتراف العالمي بقيمة وأهمية الأدب الأفريقي في توثيق ذاكرة الشعوب الأفريقية والدفاع عن هويتها، وتسابق دور النشر في أوروبا وأميركا الغربية والجنوبية وأستراليا لطبع مختلف الأجناس الأدبية الأفريقية، إلا أن حضور هذا الأدب في مشهد المنطقة العربية لا يزال ضعيفا، وهو الآن يبحث عن قارئه العربي.
في هذا السياق يطرح عدد من الكتاب والنقاد تساؤلات عن سبب ضعف الاهتمام العربي بالأدب الأفريقي، وهل يعود ذلك إلى تقصير دور النشر العربية في ترجمة ونشر الإنتاجات الأدبية الأفريقية أم إلى تقصير الدبلوماسية العربية في التعريف بالثقافة الأفريقية؟ ولماذا لا يتم الالتفات إلى الكتاب الأفارقة إلا عند حصولهم على الجوائز العالمية، أم أن استشراء الجهل بالأدب الأفريقي يعكس حالة ظاهرة العزوف عن القراءة التي تعاني منها المنطقة العربية منذ سنوات طويلة؟
يعتقد بعض المختصين في الأدب الأفريقي أن اعتماد غالبية الكتاب الأفارقة على اللغات الأجنبية في كتاباتهم هو الذي يقف وراء ضعف اهتمام دور النشر العربية مشرقيا ومغاربيا باكتشاف كنوز هذا الأدب، وهناك من يرى أن عدم تكريس مختلف أشكال التعبير الأدبي والفكري والفني الأفريقي في المناهج التعليمية العربية هو الذي أدى، ولا يزال يؤدي، إلى انتشار الجهل بمعالم الأدب الأفريقي بشكل خاص، وبالإنتاج الحضاري الأفريقي بشكل عام.
في هذا السياق، يشير الكاتب والناقد المغربي مصطفى لغتيري في تصريح خاص لـــموقع "جيسكا" قائلا: "لا شك أن الأدب الأفريقي قد حقق ويحقق نجاحات عدة على المستوى العالمي، سواء منه ذلك الذي يتخذ من اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أداة للتعبير، بل فقد انفتح الباب كذلك لبعض اللغات المحلية، لتترجم هموم وآمال وأحلام الإنسان الأفريقي في هذه القارة الجريحة، التي عانت أكثر من غيرها من ويلات الاستعمار والاستغلال الاقتصادي والعبودية".
الأدب الأفريقي هو أرض خصبة لا يطؤها الكثيرون، ومنبع ثري لمكتبتنا العربية، وهي تفتقر إليه حد الظمأ. رغم ما شهده الأدب الأفريقي من زخم إبداعي كبير منذ الحرب العالمية الثانية، لم يُبذل جهد يستحق لترجمته ونقله إلى عالمنا العربي
يتابع الناقد والمبدع المغربي لغتيري مبرزا أنه "رغم هذا الحضور القوي للأدب الأفريقي من خلال حصده العديد من الجوائز العالمية من قبيل: نوبل والبوكر والجونكور، إلا أن النقد العربي لا يكاد يلتفت إلى هذا الثراء الثقافي الذي تعرفه القارة، ولعل الأسباب في ذلك متعددة، أذكر من بينها اللغة المعتمدة في هذه الكتابات، وهي: الفرنسية والانجليزية واللغات المحلية"، مع ندرة الترجمة المهتمة بنصوص أدباء أفريقيا، علاوة على معطيات ثقافية جعلت العرب ينظرون إلى أفريقيا باعتبارها قارة هامشية في جميع المجالات بما فيها المجال الأدبي، فضلا عن أحكام مسبقة حول هذا الأدب باعتباره أدبا محليا واحتجاجيا في عمومه.
كما أن التبادل الثقافي ما بين الدول العربية ودول أفريقيا جنوب الصحراء ضعيف جدا، مما يجعل الاطلاع على الأدب في الاتجاهين يعاني من ضعف شديد، واستدرك موضحا "لكن هذا الأمر ليس مطلقا تماما، فقد لوحظ في الفترة الأخيرة بعض الاهتمام العربي بقضايا القارة الأفريقية، خاصة مع هيمنة مشكل الهجرة، وقد برزت بعض الندوات والمؤتمرات التي اتخذت من قضايا القارة أو من أدبائها مواضيع يقاربها النقاد، ويشتغلون عليها، ومن بينها مؤتمر الرواية في تونس الذي نظمه ببيت الرواية في تونس، والذي جعل من قضايا ذوي البشرة السمراء محور الندوات. كما ظهرت للنور بعض الترجمات خاصة في سلسلة إبداعات عالمية التي يشرف عليها المجلس الوطني للثقافة والفنون في دولة الكويت، الذي بفضله اطلعنا على روايات جميلة خاصة من نيجيريا وجنوب أفريقيا"، وأردف قائلا إنه: "بصفة عامة أظن أن المستقبل القريب سيعرف نوعا من الاهتمام بأدب القارة الأفريقية، وقد ظهرت بوادر ذلك في بعض البحوث الجامعية التي بدأت تقارب هذا النوع من الأدب".
أما الناقد الأدبي السوداني، عامر محمد أحمد حسين، فيلفت النظر في حديثه مع موقع "جيسكا" أن "الأدب الأفريقي يتم فصله جغرافياً مثل حالة الكشوف الجغرافية التي تنشر حيثيات مغامرة ومذكرات مسطحة من مغامريها في أوروبا، وتقوم بتصديرها إلى العالم العربي. يمثل الفصل الثقافي بين شمال عربي مسلم وجنوب مسيحي زنجي أول خطوة استعمارية مشينا على خطاها كلنا، وأصبحنا ننتظر أن تكتشف لنا أوروبا الكاتب والمثقف الأفريقي، وبعد اكتشافها له وفوزه بجائزة عالمية، تسارع دور النشر العربية إلى ترجمة أعماله، وهكذا في كل السنوات الماضية أو القادمة إذا لم تعط أوروبا صك الاعتراف لن يكتب لكاتب أفريقي الانتشار في العالم العربي".
من جهته، يعتبر الناقد أحمد حسين أن "هذه آفة من الآفات لم تسلم منها أسماء عربية كتبت باللغات الأوروبية ولم تترجم كل أعمالها إلى لغتها الأم؛ أي العربية، وإذا نظرت إلى قائمة الأسماء الأفريقية من الاسم الكبير ليوبولد سنغور مروراً بوول شوينكا وتشينوا أتشيبي ونغوغي واثيونغو وحتى الطيب صالح، عرفتهم أوروبا أولا، ثم جازف ناشر عربي، فترجم ونشر. بهذه الأسماء قليلة العدد تم تنميط كل الأدب الأفريقي". ويضيف بأن "استمرار الجهل بالأدب الأفريقي هو انعكاس للجهل بالأدب العربي في المقام الأول، والمعرفة واحدة لا تتجزأ، وكل خيط يقود إلى الآخر، ازدهرت سوق النشر والكتابة أوغابت القراءة أو خرجت ولم تعد".
علاوة على معطيات ثقافية جعلت العرب ينظرون إلى أفريقيا باعتبارها قارة هامشية في جميع المجالات بما فيها المجال الأدبي، فضلا عن أحكام مسبقة حول هذا الأدب باعتباره أدبا محليا واحتجاجيا في عمومه
أما الكاتب والصحفي وليد عثمان، فيبدي، في حديثه مع موقع (جيسكا)، أسفه لأن "أفريقيا لا تزال ميداناً مجهولا إلى حد كبير بالنسبة للقارئ العربي، رغم الثراء الجغرافي والثقافي في دول القارة السمراء، وقد يكون ذلك من أسباب ندرة الترجمة المواكبة للإنتاج الأدبي الأفريقي. وإن حدث، فإنها تكون من لغة ثالثة، مثل: الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية، وهو أمر قد يفقد النص الأصلي دهشته وخصوصيته وأسرار تميَزه". وفي تقديره فإنه "لا يمكن إعفاء المترجم العربي، والمثقف العربي عموماً، من نظرته المهونة للثقافة الأفريقية، ربما إلى حد الاستعلاء، رغم التداخل الجغرافي والثقافي بين الأقطار العربية والأفريقية. إن كان المصري سمير عبدربه أشهر من تصدى لترجمة الأدب الأفريقي، فإن جهده يبقى فردياً، وحتى حين حاولت جامعة الأزهر الإسهام في هذا الأمر بترجمة نصوص مكتوبة باللغة السواحلية، فإنها لم تمض في مبادرتها إلى النهاية.
رغم ضعف الاهتمام العربي بالأدب الأفريقي مقارنة باهتمامه واستكشافه للأدب الغربي إلا أنه هناك محاولات ومساهمات فردية كرست جهدها للتعريف بالأدب الأفريقي للقارئ العربي، وفي هذا الصدد يلفت الشاعر والمفكر الجزائري أزراج عمر في مقال له إلى أن "ظاهرة إدارة الظهر لأفريقيا تكرست في مجلاتنا الأدبية والفكرية والفلسفية وفي المؤسسات المتخصصة في دراسة أنتروبولوجيا الثقافات، ومعالم الآداب، وتيارات الفلسفة حيث لم تسع جميعا إلى إبراز دور أفريقيا في صنع الحضارة الحديثة، وإلى التعريف بالمتون الأدبية والفكرية الأفريقية لدى أجيال الشباب والشابات عندنا. وما يؤسف له أن بلداننا لا توجد بها جوائز لها مصداقية مخصصة لأدباء ومفكري أفريقيا".
أصبحنا ننتظر أن تكتشف لنا أوروبا الكاتب والمثقف الأفريقي، وبعد اكتشافها له وفوزه بجائزة عالمية تسارع دور النشر العربية إلى ترجمة أعماله، وهكذا في كل السنوات الماضية أو القادمة إذا لم تعط أوروبا صك الاعتراف لن يكتب لكاتب أفريقي الانتشار في العالم العربي
استحضر أزراج عمر تجربة الكاتب والمترجم المصري الراحل الدكتور علي شلش، الذي كانت له مساهمات معتبرة في تقديم جزء من آداب وتاريخ أفريقيا، فهذا الناقد والمترجم يبقى من أبرز الدارسين الأكاديميين العرب الذين كرسوا جزءا مهما من حياتهم للتعريف بالأدب الأفريقي وبترجمته إلى اللغة العربية، حيث ترك وراءه ستة مؤلفات، وهي: "من الأدب الأفريقي" و"الدراما الأفريقية" و"ألوان من الأدب الأفريقي" و"سبعة أدباء من أفريقيا" و"الأدب الأفريقي" و"مختارات من الأدب الأفريقي".
في كتابه بعنوان "الأدب الأفريقي" (1993) يبرز أنه قام بقراءة تحليلية للأجناس الأدبية التي عرفتها أفريقيا، مثل: الرواية والشعر وأدب السيرة وصولا إلى القصة والمسرحية. كما تطرق إلى أنواع الأدب الذي عرفته القارة مثل: الأدب الشفهي والأدب المكتوب باللغات الأفريقية المحلية والأخرى الأجنبية. ويؤكد الدارسون الذين تابعوا بالتحليل مؤلفات الدكتور علي شلش أنه قد أبرز "خصائص الأدب الأفريقي في عدة نقاط، وهي: ارتباطه الوثيق بقضايا القارة، واستنكار السيطرة الاستعمارية حتى ليبدو الأدب في مختلف أشكاله وثيقة اجتماعية هامة. وثانيا؛ الوضوح إلى حد الشفافية في الأسلوب، وبخاصة فيما يكتب باللغة الإنجليزية والبرتغالية بعيدا عن الالتواء والحذلقة والادعاء. ثالثا؛ تميز الأدب الأفريقي بالتلقائية في التعبير حتى ليبدو ساذجا بعض الشيء، كما في أعمال توتولا بصفة خاصة، وقد أدت هذه التلقائية إلى اختفاء العقلانية والسفسطة اللتين تتخمان الأدب الأوروبي. رابعا؛ الرؤى والأساليب. خامسا؛ تغليب الذات على الموضوع حتى لتبدو معظم آثار هذا الأدب تجارب ذاتية للكاتب".
على غرار تجربة علي شلش في ترجمة ودراسة الأجناس الأدبية الأفريقية، فقد ساهمت تجربة الروائية والناقدة الأدبية المصرية رضوى عاشور في التعريف بالأدب الأفريقي وأبرز كتابه، حيث اهتمت في أطروحتها للدكتوراه بالدراسات النقدية للأدب الأفرو – أميركي وبأدب غرب أفريقيا. واستنتجت أن الأدب الأفريقي هو "أرض خصبة لا يطؤها الكثيرون، ومنبع ثري لمكتبتنا العربية، وهي تفتقر إليه حد الظمأ. رغم ما شهده الأدب الأفريقي من زخم إبداعي كبير منذ الحرب العالمية الثانية، لم يُبذل جهد يستحق لترجمته ونقله إلى عالمنا العربي".
ففي كتابها "التابع ينهض" تقدم الناقد رضوى عاشور نماذج مختلفة لأدباء أفارقة من بلاد متعددة مثل: السنغال والكاميرون ونيجيريا وغينيا، وقد استغرقت ست سنوات في جمع مادة هذا الكتاب، وذلك من أجل أن تجيب عن السؤال: "هل صحيح ما يقوله البعض من أن الأدب الأفريقي الحديث يستمد قوته في كونه ردا على أوضاع سياسية بعينها، وأنه يفقد هذه القيمة بزوال تلك الأوضاع؟". وتوضح الناقدة ذلك قائلة: "إن ما دفعني للبدء في هذه الدراسة، وشجعني على الاستمرار فيها هي القناعة العميقة بضرورة الاتصال الثقافي بين دول العالم الثالث عموما، والقارة الأفريقية بشكل خاص، ليس لما تواجهه هذه البلاد من مشاكل مشتركة وتطلعات مماثلة، ولكن لما لآدابها وفنونها من قيم الثقافة الإنسانية، الوطن دائما هو المحور والمرتكز، هذه هي الحقيقة الأولى التي تواجه دارس الرواية في غرب أفريقيا".
وبخصوص مساهمات دول المغرب الكبير في ترجمة الأدب الأفريقي، فيلفت الشاعر الجزائري أزراج عمر النظر إلى "وجود محاولات نادرة ذات طابع فردي في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا. لكنها لا تشكل إطارا مفتوحا لكل الكفاءات في مجالات الترجمة والبحث والدراسة والتدريس لعناصر الثقافة الأفريقية القديمة والحديثة والمعاصرة. كما أن هذه المحاولات ليس لها أثر يذكر في حياة ووعي المواطنين والمواطنات، وبالدرجة الأولى في حياة الطلاب والطالبات ومختلف شرائح المثقفين على تنوع أجيالهم".
في هذا السياق يسلط الضوء على مساهمة استثنائية، وهي من إنجاز المترجم التونسي جمال الجلاَصي الذي قام بترجمة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر ليوبولد سيدار سنغور، فضلا عن نصوص أخرى من الأدب السنغالي والأفريقي، مثل: رواية "إضراب الشحاذين" لأميناتاساوفال، التي تعد من روائع الأدب السنغالي.
من جهته، يبدي المترجم التونسي الجلاصي تفاؤلا بمستقبل الأدب الأفريقي في المنطقة العربية، وقد سبق أن نقلت عنه مواقع إعلامية محلية قوله: "صدرت لي عدة ترجمات عن دور نشر خليجية ولاحظت وجود إقبال كبير من قبل القارئ العربي عموما لا فقط التونسي، وذلك لأن القارئ يجد فيها بعضا من ذاته". ويعتقد المترجم الجلاصي أن "الأدب السنغالي مثلا فيه جزء كبير من القيم الإسلامية المشتركة بيننا، فضلا عن قيم مشتركة يدافع عنها الكتاب الأفارقة الذين يحملون نفس أحلامنا وهواجسنا والتوق نحو الحرية وتحقيق المساواة".