السبت 18 أبريل 2026
أن تحلم بفرصة للسفر والعمل في الخارج، ربما هي أُمنية لآلاف من شباب وفتيات القارة الأفريقية، لاسيما في البيئات التي ينتشر خلالها الفقر، وتكثر فيها البطالة. لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، إذ قادت الفكرة ذاتها عشرات من الشابات الأفريقيات، للعمل في مصانع تجميع الطائرات المسيرة الروسية، ضمن عملية خداع معقدة، بدأت من مواقع التواصل الاجتماعي، لتضاف إلى عمليات تجنيد سابقة استهدف الدارسين الأفارقة في روسيا للعمل في الخطوط الأمامية للقتال في أوكرانيا.
كشفت بلومبرغ، مطلع مايو/آيار 2025، تفاصيل مثيرة عن تورط برنامج "ألابوغا ستارت" الروسي الذي يقدم منحًا تعليمية وفرص عمل للفتيات حول العالم، في عمليات إجبار نساء ممن جرى التعاقد معهن للعمل في تجميع طائرات مسيرة تستخدم في الحرب الروسية الأوكرانية، من خلال العمل داخل مواقع بمنطقة "ألابوغا الاقتصادية الخاصة"، الواقعة في جمهورية تتارستان، إحدى الكيانات الفدرالية الروسية.
وفقا للوكالة فإن عمليات التجنيد استقطبت العشرات خلال السنوات الثلاثة الماضية، من بينهن شابات من بوتسوانا التي تعاني من ارتفاع كبير في معدلات البطالة، ومواقع أفريقية أخرى، لافتة إلى أنه توجد أدلة دامغة على إرسال الفتيات اللاتي يتم استقطابهن عبر إعلانات مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى العمل في المجهود الحربي الروسي، وأنه يوجد وكلاء لإقناع الفتيات الأفريقيات بالسفر للعمل في روسيا تحت مزاعم تمكين النساء وتطوير إمكانيتهن.
في تتارستان تفرض السلطات الروسية أوضاعا قاسية على الأفريقيات، إذ لا يكون مسموحا لهن الحديث مع أحد، أو إخبار أحد بما يفعلنه هناك. كما تشير تقارير حقوقية إلى تعرض بعضهن للانتهاكات من قبل مشغليهم، في وضع أقرب إلى جرائم الاتجار بالبشر.
على الرغم من تجاهل السلطات الروسية لهذه الاتهامات وعدم الرد عليها أو نفيها، إلا أن مطالعة المنصة الرسمية للبرنامج تشير إلى أنها نشرت خلال الأشهر الماضية معلومات عن الخدمات التي تقدمها، إذ تؤكد أنها استقطبت عاملات من حوالي 44 دولة حول العالم، من "موزامبيق وكولومبيا ومالي وزمبابوي وبنين ورواندا وتنزانيا وتونس وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديموقراطية وسريلانكا وغيرهم"، جرت عمليات تعيينهم عام 2024، والسنوات السابقة، ويعملن في مجالات متعددة.
ركزت المنصة على استعراض تجارب فتيات ممن التحقن بالبرنامج، كلهن أفريقيات ماعدا واحدة فقط من دولة كولومبيا، إحداهن تدعى فيكتوريا من نيجيريا التحقت بالبرنامج عام 2022، والفادي من أوغندا، وأخرى قدمتها المنصة تحت اسم القدس من إثيوبيا، والتي أكدت أنها تتدرب على المعدات الصناعية الحديثة، وتكتسب خبرات مهنية، دون معرفة طبيعة المعدات أو الخبرات.
ورغم تقديم المنصة لمعلومات حول المهن المتاحة وأليات التعاقد، إلا أن النماذج التي قُدمت لإقناع الأفريقيات بالانضمام لم تُعلن بشكل كافي عن تخصصاتهن، ولا عن القطاع الذي يعملن فيه تحديدا، بل اكتفت الفتيات التي عرضت تجاربهن بكلام مرسل عن تطوير القدرات وتعلم اللغة الروسية.
بدلا من العمل والدراسة في مجالات مثل الضيافة والمطاعم، تجد الخاضعات للبرنامج أنفسهن في سهول تتارستان يعملن في مهن غير المتفق عليها، أبرزها العمل في تجميع الطائرات بدون طيار الهجومية
تقدم المنصة تسهيلات كبيرة لمن تنضم إلى البرنامج، حيث توفر لهن تكاليف ورسوم السفر، وراتب تنافسي، وسكن بسعر مناسب، بالإضافة إلى فرصة لتعلم اللغة الروسية، ولا يتطلب الأمر إلا حل لغز إلكتروني تقدمه لك المنصة بمجرد الدخول إليها، والخضوع لاختبار بدائي في اللغة الروسية، يتضمن معرفة مائة كلمة روسية فقط كشرط للقبول، وتطلب من المنضمين تقديم معلوماتهم كاملة، من بينها الاسم والعنوان والبريد الإلكتروني ورقم الهاتف وصورة بخلفية بيضاء، وتحديد موعد مناسب للتواصل مع البرنامج.
المثير فيما نشرته المنصة أنها تقول إنها كرمت 3 فتيات فزن في مسابقة "برنامج البدء"، وهي مسابقة عبر الإنترنت، تعمل على الترويج لـ"ألابوغا ستارت" على منصات التواصل الاجتماعي، للتعريف بالبرنامج ودعوة النساء للانضمام إليه.
تشير المعلومات المتوفرة حول عمليات التجنيد إلى أن موقع تندر المتخصص في التعارف هو أحد التطبيقات الإلكترونية التي استخدمت لغرض الترويج لبرنامج ألابوغا ستارت، وأن بعض الطلاب الروس يستخدمون تطبيقات المواعدة للتواصل مع الفتيات الأفريقيات للترويج للبرنامج.
تتطابق المعلومات سالفة الذكر مع ما نشرته وكالة أسوشيتد برس الأمريكية العام الماضي، والتي ذكرت أن منصة ألا بوغا ستارت تستهدف فتيات تتراوح أعمارهن ما بين 18 و22 عامًا، حيث يقدم لهن منحا للعمل والدراسة بتسهيلات كبيرة، تبدأ العملية بإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي يقود إلى منصة رقمية خاصة بالبرنامج الروسي، تقدم خدماتها بعدد من اللغات من بينها العربية والفرنسية والإنجليزية والروسية.
تشير إلى أنه بدلا من العمل والدراسة في مجالات مثل الضيافة والمطاعم، تجد الخاضعات للبرنامج أنفسهن في سهول تتارستان يعملن في مهن غير تلك المتفق عليها، أبرزها العمل في تجميع الطائرات بدون طيار الهجومية التي صممتها إيران وقدمتها لروسيا خلال الفترة الماضية، ليتم إطلاقها في أوكرانيا.
وفق شهادات النساء اللاتي تحدثن للوكالة ممن عملن في تجميع هياكل الطائرات، فإن العملية بدأت منذ اختبار الكلمات الروسية عبر المنصة، حيث اشتملت على كلمات من نوعية "مصنع، ربط، فك، خطاف"، مشيرة إلى أن العمل كان يتم تحت رقابة صارمة، وأنهن عملن في بيئة قاسية، وكن يتعاملن مثل الحيوانات، وأنهن تعرضن لمواد كيميائية أثرت على الجلد دون استخدام أدوات وقائية.
في سياق متصل قدرت مجلة جون أفريك، رواتب الفتيات الشهرية بمبالغ تتراوح بين 50 ألف و65 ألف روبل روسي (يعادل 470 إلى 610 يورو)، مؤكدة أن العملية يسبقها مقابلة على الإنترنت مع راغبات الانضمام للبرنامج، وأنه حتى عام 2024، كانت مئات النساء الأفريقيات قد وصلن إلى المنطقة الاقتصادية الخاصة بـ"ألابوغا"، وأنهن كن يتوقعن أن يعملن في خدمات الضيافة ليفاجئن بالعمل في تجميع الطائرات المُسيّرة.
وأكدت المجلة وجود مقاطع فيديو تظهر الفتيات الأفريقيات يعملن في مصانع تجميع الطائرات الروسية، سواء تلك المصممة إيرانيًا أو الروسية المشتقة من نماذج زراعية.
تزامنا مع هذه التقارير تشير معلومات أوردها منتدى الدفاع الأفريقي، إلى أنه منذ نشاط هذه الحملات، وتحديدا عام 2023، زاد عدد الضربات الروسية التي تنفذها الطائرات المسيرة، حيث ارتفعت من نحو 400 ضربة في مايو/آيار 2024 إلى أكثر من 2,400 ضربة نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، وهو ما يرجح المعلومات السابقة.
العملية بدأت منذ اختبار الكلمات الروسية عبر المنصة، حيث اشتملت على كلمات من نوعية "مصنع، ربط، فك"
ويؤكد المنتدى أن الفتيات اللاتي يلتحقن بالبرنامج يعملن في تصنيع مسيَّرات عسكرية من طراز «شاهد-136» الإيرانية، وأنه يوجد نحو 200 أفريقية، يعملن في مصانع ألابوغا للمسيَّرات، غالبيتهن من "كينيا ونيجيريا ورواندا وسيراليون وجنوب السودان وأوغندا".
يدعم الاتهامات السابقة، توجيه القوات الأوكرانية لضربة جوية في أوائل أبريل/نيسان 2025 لمواقع في تتارستان، حيث أكدت كييف وقتها أن هذه المواقع تستخدم في إنتاج الطائرات المسيرة، وتحديدا داخل المنطقة الصناعية الخاصة ألابوغا، حتى أن معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS) الأمريكي أكد أن 90٪ من الفتيات اللاتي التحقن ببرنامج "ألابوغا ستارت" لا يقمن بأي نشاط آخر من التي يروج لها عبر الإنترنت، عدا بناء طائرات بدون طيار للجيش الروسي.
دفعت هذه المخالفات مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان، لمطالبة الشركات التي تمتلك منصات التواصل الاجتماعي، مثل: ميتا وتيليجرام وتويتر للنظر في مثل هذه الادعاءات، والتحقيق فيما إذا كانت منصاتهم استخدمت لتجنيد الفتيات للعمل في خدمات الحرب الروسية أم لا، ويبدو أن هذه الدعوات لقيت قبولا لدى بعض هذه الشركات، فبمجرد الدخول إلى صفحات ألابوغا سارت على فيسبوك والإكس يتبين أنها مغلقة.
مقابل هذه الدعوات شرع المكتب الوطني للإنتربول في بوتسوانا، في فتح تحقيقات موسعة حول أنشطة برنامج "ألابوغا سارت"، وفقا لما ذكرته وكالة الأنباء الأوكرانية، نقلا عن سيليباتسو موكغوسي، المسؤول عن التنسيق بين الإنتربول وشرطة بوتسوانا.
وعطفا على ذلك قال المتخصص في الحرب الروسية الأوكرانية بجامعة غلاسكو، حسين علييف، إن سبب اللجوء لهذه الممارسات هي أن الطائرات المسيرة الإيرانية الصنع هي أكثر المسيرات الهجومية التي تستخدمها روسيا حاليا في حربها على أوكرانيا.
واتفق معه إيفان كليشتش، المتخصص في السياسة الخارجية الروسية، والذي يؤكد أنه منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، تحولت المنطقة الاقتصادية الخاصة في ألابوغا إلى مجمع صناعي كبير للطائرات المسيرة الهجومية، وأن عدد العاملين هناك زاد بعد الاتفاق الروسي الإيراني على التعاون العسكري في مجال إنتاج أنواع إيرانية من الطائرات المسيرة.
لم يقف التجنيد الروسي للأفارقة على حد فتيات مصانع إنتاج المسيرات في تتارستان، بل مارست موسكو الحيلة نفسها مع راغبي الدراسة في جامعتها، خاصة من انقطعت بهم السُبل هناك بعد الحرب، حتى أن بعضهم وقع في الأسر لدى القوات الأوكرانية، حيث نبهت حركة مارتن لوثر كينغ، وهي منظمة حقوقية توغولية، السلطات في توغو إلى وجود طلاب ممن حصلوا على منح تعليمية روسية أسرى في كييف.
الأمر ذاته حدث مع الطالب السنغالي مالك جوب الذي ظهر في مقطع فيديو، خلال مارس/آذار 2025، أسيرا لدى القوات الأوكرانية، بعد أن كان أحد الطلاب النابغين الذين تفخر بهم أسرته في السنغال لتميزه في دراسة القانون، إلا أن الحال تغير تمامًا بعد أن أجبر على الانضمام لصفوف القوات الروسية.
لم يقف التجنيد الروسي للأفارقة على حد فتيات مصانع إنتاج المسيرات في تتارستان، بل مارست موسكو الحيلة نفسها مع راغبي الدراسة في جامعتها، خاصة من انقطعت بهم السبل هناك بعد الحرب، حتى أن بعضهم وقع في الأسر لدى القوات الأوكرانية
تكررت المأساة مع الشاب المصري محمد رضوان سنوسي، الذي تفاجأت أسرته في أبريل/نيسان2025 بإعلان الحكومة المصرية إسقاط الجنسية عنه، لإنضمامه إلى قوات مسلحة في دولة أجنبية، لينزل الخبر كالصاعقة على الأسرة التي تبينت أن ابنها الذي كان يحلم بأن يصبح طبيبًا تحول إلى أسير حرب لدى القوات الأوكرانية.
ووفقا لما ذكرته بلومبرج، فإن المسؤولين الروس يهددون الطلاب الأفارقة والعمال الشباب بعدم تمديد تأشيراتهم ما لم يوافقوا على الانضمام إلى الجيش، مؤكدة أن بعض الأفارقة الذين يحملون تأشيرات عمل "اعتقلوا وأجبروا على الاختيار بين الترحيل أو القتال".
وكأن تجنيد الفتيات والشبان قسرا لا يكفي، إذ اتُهمت روسيا أيضا بالاستيلاء على الموارد الطبيعية في جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي والسودان وأماكن أخرى للمساعدة في تمويل حرب موسكو في أوكرانيا،
وقالت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، إن مجموعة مرتزقة فاغنر تستغل الموارد الطبيعية وأن هذه المكاسب غير المشروعة تستخدم لتمويل آلة الحرب الروسية في أفريقيا والشرق الأوسط وأوكرانيا".
الممارسات الروسية السابقة تشير إلى أن موسكو لم تعد تمارس أدوار تقليدية في صراع النفوذ الدولي في أفريقيا، بل تلجأ إلى ممارسات قد يكون تأثيرات سلبية خطيرة على الاستقرار والسيادة في القارة، وأن الدولة الأفريقية قد تجد نفسها أمام واقع جديد تتحرك فيه موسكو بلا رادع، وتوظف الأفارقة ومواردهم لتحقيق مصالحها حتى البعيدة جغرافيا عن الأراضي الأفريقية.