تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

اكتمال "معجم الدوحة التاريخي"… عشرون قرناً من العربية في 300 ألف مدخل ومليار كلمة

23 ديسمبر, 2025
الصورة
اكتمال "معجم الدوحة التاريخي"… عشرون قرناً من العربية في 300 ألف مدخل ومليار كلمة
Share

أعلن "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" اكتمال مادته المعجمية وإطلاق بوابته الإلكترونية بصيغتها النهائية، في حفل رسمي بالدوحة تزامن مع اليوم العالمي للغة العربية، وبحضور ورعاية رسمية وعلمية تعكس مكانة المشروع كأكبر عمل معجمي تاريخي عربي حتى الآن.

المشروع، الذي بدأ العمل فيه قبل 13 عاماً تحت إشراف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يهدف إلى توثيق سيرة الألفاظ العربية عبر نحو عشرين قرناً، من خلال تتبّع أول ظهور مكتوب للكلمة، وتحولات معناها واستعمالها في النصوص المختلفة حتى الزمن الحاضر، في نقوش ومخطوطات وكتب تراث وأدب وعلوم ووثائق.

ووفق المعطيات التي عُرضت خلال الحفل، يضم المعجم اليوم أكثر من 300 ألف مدخل معجمي تغطي ما يزيد على 10 آلاف جذر لغوي، مستندةً إلى مدوّنة نصية ضخمة تقارب مليار كلمة، وببليوغرافيا تتجاوز 10 آلاف مصدر تمتد من أقدم النصوص العربية المعروفة حتى بدايات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

منذ البداية، اختار القائمون على المشروع الاعتماد على النصوص الأصلية بوصفها «مصادر استعمال حيّة»، بدلاً من إعادة تدوير ما ورد في المعاجم السابقة. وبُنيت لهذا الغرض منظومة حاسوبية معقّدة تتيح ربط كل لفظ بسياقاته التاريخية والزمنية، مع إمكان تتبّع تغيّر المعنى عبر القرون، وإظهار الشواهد في تسلسل زمني يساعد الباحث على قراءة التطور الدلالي بدقة.

في كلمته خلال الحفل، قال مدير عام المركز العربي، المفكر عزمي بشارة، إن اكتمال المعجم يمثّل "وفاءً بعهد" قطعته المؤسسة منذ سنوات بإخراج معجم تاريخي يرصد تطور دلالات ألفاظ العربية من ظهورها مكتوبة حتى عصرنا هذا، مشدداً على أن الإعلان هو عن "اكتمال مشروع التأليف" لا عن كمال المعجم نفسه، بما يترك الباب مفتوحاً للتحديث والتطوير المستمرَّين.

وأشار بشارة إلى أن المعجم مثّل، في حد ذاته، تجربة عربية نادرة في العمل العلمي الجماعي؛ إذ شارك فيه مئات الباحثين والمحررين من أكثر من 15 دولة عربية، عملوا ضمن فرق متخصصة في قراءة النصوص، واستخراج الشواهد، وتحليل الدلالات، وصياغة المواد المعجمية وفق منهج موحّد. ويرى القائمون أن هذه التجربة تُظهر أن اللغة المشتركة يمكن أن تكون قاعدة عمل معرفي عابر للحدود السياسية والأيديولوجية.

لغة وتراث… وذكاء اصطناعي

على المستوى التقني، يُنتظر أن يشكّل المعجم قاعدة بيانات مرجعية لمشاريع معالجة اللغة العربية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ فوجود مدوّنة نصية ضخمة ومنقّحة زمنياً يتيح تدريب النماذج اللغوية على مستويات أدق من الفهم والسياق، ما يرفع من جودة الترجمة الآلية، وتحليل النصوص، ومحركات البحث العربية، وغيرها من التطبيقات الرقمية التي تحتاج إلى بيانات لغوية موثوقة.

وفي هذا السياق، يشير باحثون إلى أن "معجم الدوحة التاريخي" لا يخدم العربية وحدها، بل يقدّم نموذجاً يمكن أن يُحتذى في لغات الحزام الثقافي المحيط بها. فالساحة الصومالية، مثلاً، تزخر بحيوية لغوية واجتماعية واسعة في القرن الأفريقي والشتات، وبوحدة كتابية نسبية منذ السبعينيات، لكنها ما زالت تعاني نقصاً في المشاريع المعجمية الكبرى والمنسّقة. تتوزع المعاجم الصومالية اليوم بين معاجم أحادية ترسّخ التعريف والضبط داخل اللغة نفسها، ومعاجم ثنائية تخدم الترجمة والتعليم – ولا سيما صومالي–إنجليزي وصومالي–عربي – إلى جانب تقليد صومالي–إيطالي مرتبط بتاريخ البحث اللغوي، وقد سهّلت القواميس والمواقع الرقمية الوصول إلى المفردات وإن تفاوتت في منهج التحرير والدقة. غير أن وضع الصومالية يجمع، رغم هذه الحيوية، بين تحديات معيارية عدّة؛ ٥تشتّت الجهود المؤسسية، وتعدد اللهجات، واتساع فجوة المصطلحات المتخصصة يجعل الحاجة ملحّة إلى مشاريع معجمية حديثة تقوم على مدونات لغوية ومعايير تحرير موحّدة، وتشجّع دولاً ومؤسسات ثقافية في المنطقة على الاستثمار الهادئ والمستدام في المعرفة واللغة بوصفهما رصيداً استراتيجياً.

من 250 ألف عنوان إلى منصة واحدة

من التحديات الكبرى التي واجهت فريق المعجم اختيار المتن النصي الذي سيُبنى عليه العمل؛ إذ انطلقت عملية الانتقاء من ببليوغرافيا ضخمة ضمت نحو 250 ألف عنوان، روعي فيها تمثيل مختلف الأقاليم والمدارس والتيارات الفكرية والأدبية. وفي ما يخص القرن العشرين وبدايات الحادي والعشرين، جرى اعتماد منهج العينات لضمان تمثيل واسع للغة العربية المعاصرة المكتوبة في الصحافة والكتب والأبحاث.

بعد اختيار المتون، خضعت النصوص لعمليات رقمنة وتدقيق وفهرسة زمنية دقيقة، مع ربط كل شاهد نصي بتاريخ مؤلفه وبيئته، بما يتيح تتبّع انتشار الألفاظ جغرافياً وزمنياً. وبسبب ضخامة حضور بعض المفردات الشائعة التي تظهر في مئات الآلاف من السياقات، طوّر الفريق أدوات بحث وترشيح آلي تساعد المحررين على التقاط التحولات الدلالية الجديدة من بين هذا الكم الهائل من الشواهد، من دون الوقوع في فوضى الأمثلة المكررة.

حالياً، يُقدَّم "معجم الدوحة التاريخي" في صورة رقمية عبر بوابة إلكترونية مجانية، من دون طبعة ورقية شاملة، بسبب ضخامة المحتوى والحاجة إلى مرونة التحديث المستمر. وتتيح المنصة البحث عن الألفاظ بحسب الجذر أو الصيغة، مع عرض التعاريف وشواهد الاستعمال موزّعة زمنياً، في تجربة استخدام تستفيد من إمكانات العرض الرقمي والتقنيات الحديثة.

ويجمع مختصون على أن اكتمال هذا المعجم يمثل نقلة نوعية في البنية التحتية للمعرفة العربية؛ فهو يوفر لأول مرة مرجعاً تاريخياً رقمياً متكاملاً لتطوّر العربية، يمكن البناء عليه في التعليم والبحث والتقنية وصناعة المحتوى، ويسهم – إذا ما أُحسن استثماره في السنوات المقبلة – في تعزيز حضور اللغة العربية بين اللغات العالمية الكبرى، لا بوصفها لغة تراث فحسب، بل أيضاً لغة معرفة معاصرة قادرة على مواكبة عصرها.