السبت 14 مارس 2026
وقّعت رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في 27 يونيو/حزيران الماضي، اتفاقية سلام تاريخية في واشنطن برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وبتسهيل من قطر كوسيط إقليمي. جاءت هذه الاتفاقية، بعد عقود من الصراع المسلح في منطقة البحيرات العظمى، لتعتبر محاولة حثيثة لإنهاء نزاع استمر لأكثر من 30 عامًا، وأودى بحياة الآلاف وشرد مئات الآلاف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. نتناول خلفية الصراع بين البلدين، وأبعاد الاتفاقية الموقعة، وكذلك الدوافع وراء إبرام الاتفاقية، وأبرز الفرص والتحديات المستقبلية التي هذا الإنجاز التاريخي.
وُقّعت الاتفاقية بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزيرة خارجية جمهورية الكونغو الديمقراطية تيريزا كايومبا ووزير الخارجية الرواندي أوليفييه ندوهونجيريهي في غرفة المعاهدات بوزارة الخارجية، ثم لاحقًا أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، والذي وصف الاتفاقية بأنها "فصل جديد من الأمل"، لا سيما كونها تشمل انسحاب القوات، وتطبيق وقف إطلاق النار، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وتنسيق الأمن، وتقديم المساعدات الإنسانية، وإقرار إطار عمل للتكامل الاقتصادي الإقليمي يهدف إلى توجيه الاستثمارات الغربية إلى قطاعات المعادن الحيوية في المنطقة.
يعود أصل الصراع إلى أعقاب الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994 في رواندا؛ حيث قتلت ميليشيات الهوتو ما بين 500 ألف ومليون شخص من التوتسي، بالإضافة إلى الهوتو المعتدلين، وعندما ردّت القوات التي يقودها التوتسي، عبر ما يقرب من مليوني هوتو إلى شرق الكونغو خوفًا من الانتقام.
الحقيقة أن الصراع على الموارد الطبيعية كان العامل الرئيسي في تغذية النزاع على مدار العقود الثلاثة الماضية؛ حيث أن الثراء المعدني في منطقة شرق الكونغو، والتي يتوافر بها الكولتان والذهب والكوبالت والنحاس والليثيوم، كان بمثابة نقمة لها
ومع فرار جناة الهوتو إلى شرق الكونغو (زائير آنذاك)، وتشكيلهم جماعات مسلحة أبرزها "القوات الديمقراطية لتحرير رواندا" (FDLR)، كانت رواندا تتهم بين الحين والأخر الجيش الكونغولي بحماية الهوتو، مما جعلها تشن تدخلات عسكرية منذ عام 1996 وما بعده، للقضاء على هؤلاء، وهو ما أشعل فتيل حربي الكونغو الأولى (1996- 1997) والثانية (1998 – 2003)، ما جعل المنطقة تدخل في دوامة من الحروب استمرت قرابة 30 عامًا، أودت بحياة أكثر من ستة ملايين شخص، وذلك على إثر اتهام الكونغو رواندا بدعم حركة 23 مارس، واتهام رواندا لكينشاسا بدعم القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR).
الحقيقة أن الصراع على الموارد الطبيعية كان العامل الرئيسي في تغذية النزاع على مدار العقود الثلاثة الماضية؛ حيث أن الثراء المعدني في منطقة شرق الكونغو، والتي يتوافر بها الكولتان والذهب والكوبالت والنحاس والليثيوم، كان بمثابة نقمة لها، إذ اُعتبرت ساحة للتنافس الإقليمي والدولي المحتدم، ما جعلها بؤرة لأطول الأزمات الإنسانية في العالم.
تجدر الإشارة إلى أن اتفاقية سلام 27 يونيو/ حزيران 2025 لم تُعد الأولى من نوعها، فقد سبق تدخل أطراف أفريقية لتخفيض وتيرة الصراع، لا سيما مع تجدد القتال في عامي 2022 و2023، وعودة حركة 23 مارس إلى الواجهة، ولعل أبرزها كان عمليتا لواندا ونيروبي، فالأولى بقيادة الرئيس الأنغولي جواو لورينسو، وقد ركزت على الحوار السياسي بين البلدين، وأسفرت عن اتفاق الأطراف على خارطة طريق في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 في لواندا، بما يؤول إلى وقف الأعمال العدائية، وانسحاب حركة 23 مارس، فيما استهدفت الثانية -عملية نيروبي – والتي كانت في إطار جماعة شرق أفريقيا (EAC)، إجراء مفاوضات مع الجماعات المسلحة باستثناء حركة 23 مارس، ومع ذلك، لم تُسفر تلك الجهود عن إقرار سلام حقيقي وشامل في المنطقة.
ثمة أبعاد أمنية وسياسية واقتصادية وإنسانية من وراء اتفاقية 27 يونيو/ حزيران 2025، والتي تُشكل نقطة تحول في العلاقات بين كيغالي وكينشاسا:
أولا، الأبعاد الأمنية فقد تضمنت الاتفاقية بنودًا رئيسية منها احترام سلامة أراضي البلدين، وحظر دعم الأعمال العدائية، إلى جانب تفكيك كل من جماعتي "23 مارس" و"القوات الديمقراطية لتحرير رواندا" ونزع السلاح منهما، مع التنصيص على جدول زمني لانسحاب كامل للقوات الرواندية من شرق الكونغو، بالإضافة إلى إنشاء لجنة إقليمية لمراقبة تنفيذ الاتفاقية.
ثانيا، الأبعاد السياسية حيث قال الرئيس الكونغولي "فيليكس تشيسيكيدي" بأن الاتفاق "ليس مجرد وثيقة، بل وعد بالسلام"، مشيرًا إلى أنه يمهد لعهد جديد من الاستقرار، ليرد وزير خارجية رواندا بأن الاتفاق "نقطة تحول" تفتح الباب أمام تعاون طويل الأمد. وتشير التقديرات إلى أن الاتفاقية تمثل محاولة لإعادة الاستقرار في منطقة البحيرات العظمى، التي تشمل جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وأوغندا وبوروندي، والتي تشهد دائمًا صراعات إقليمية معقدة. غير أن اللافت للانتباه هو الدعم الدولي التي حظيت به الاتفاقية؛ فالحقيقة أن اختيار واشنطن مكانا للتوقيع يعكس دور الولايات المتحدة كوسيط رئيسي في حل النزاعات الأفريقية في وقت يتراجع فيه دور الاتحاد الأفريقي، علاوة على الدور القطري والترحيب المصري والخليجي الاتفاقية، ما يعتبر مؤشرًا يعزز الدعم الإقليمي لتنفيذه.
ثالثا، الأبعاد الاقتصادية إذ تشير التقديرات إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نجح من خلال الاتفاقية، التي تنص على إنشاء إطار اقتصادي إقليمي مشترك لتطوير تجارة المعادن، وتوسيع الاستثمارات الغربية في المنطقة، في شق الطريق أمام بلاده للسيطرة على أكبر كنز في العالم، وهو الوصف الذي يُطلَق على دولة الكونغو الديمقراطية التي تقدَّر ثرواتها المعدنية ب24 تريليون دولار. إضافة إلى رواندا الغنية أيضًا بالمعادن. وبالتالي، فإن الدافع الأساسي له هو وضع يده على مناجم المعادن التي تحتاجها شركات التكنولوجيا والطائرات والصواريخ الأمريكية. وفي تعاون مع قطر، نجح في اقتحام أرض الكنوز تمهيدًا لطرد الشركات الصينية التي تهيمن على 80٪ من إنتاج المعادن في الكونغو الديمقراطية.
رابعا، الأبعاد الإنسانية بسعي الاتفاقية إلى معالجة الأزمة الإنسانية في شرق الكونغو، من خلال تسهيل عودة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، إلى جانب تحسين الظروف المعيشية لملايين المتضررين جراء دوامة الحرب، ومع ذلك، يواجه تنفيذ هذا البند تحديات لوجستية، بما في ذلك نقص التمويل وتدمير البنية التحتية في المناطق المتضررة، وفي هذا الصدد، رحبت رئيسة بعثة مونوسكو بالاتفاق، واصفة إياه بأنه "خطوة كبيرة نحو إنهاء الصراع". ومع ذلك، حذرت من أن السلام الدائم يتطلب "مسؤولية مشتركة"، وخاصة أن التمويل لم يغط سوى 11٪ من خطة الاستجابة الإنسانية بحلول يونيو 2025.
يمكن الإشارة إلى أربعة أسباب دفعت الأطراف المتنازعة نحو الموافقة على التوقيع على اتفاقية السلام، وتتمثل فيما يلي:
الوساطة الدولية والضغط الأمريكي: لعبت الولايات المتحدة وقطر أدوارًا محورية في التوصل إلى الاتفاق خلال الأشهر الأخيرة، فمن ناحية، استضافت قطر جولات تفاوض في الدوحة، بما في ذلك لقاء ثلاثي في مارس/ آذار 2025 بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيسين بول كاجامي وفيليكس تشيسيكيدي. من ناحية أخرى، كان لواشنطن دور محوري تُوَّج بحفل توقيع الاتفاقية، إلى جانب تحركتها الدؤوبة في المراحل النهائية من المفاوضات لإقناع الأطراف بالحوافز الاقتصادية إذا وقعت الاتفاقية، وقد انعكس ذلك في لقاء الرئيس تشيسيكيدي بمستشار الشؤون الأفريقية الأمريكي مسعد بولس في أبريل/نيسان 2025، وحديثهما عن اتفاقيات التعدين والعوائد الاقتصادية القوية جراء السلام المحتمل في المنطقة.
الضغط الدولي: دعا مجلس الأمن في فبراير/ شباط 2025 رواندا إلى سحب قواتها من الكونغو، وأدان بشدة العمليات الهجومية التي تقوم بها حركة 23 مارس (M23) في شمال وجنوب كيفو في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مما زاد الضغط على كيغالي للتفاوض، وفي السياق ذاته، دعمت الأمم المتحدة، من خلال بعثة مونوسكو، جهود السلام، مشددة على ضرورة الحل السياسي.
كان لواشنطن دور محوري تُوَّج بحفل توقيع الاتفاقية، إلى جانب تحركتها الدؤوبة في المراحل النهائية من المفاوضات لإقناع الأطراف بالحوافز الاقتصادية إذا وقعت الاتفاقية
الإرهاق العسكري لكل من الطرفين: واجهت رواندا ضغوطًا دولية شديدة وعقوبات تهدد اقتصادها، بينما عجز الجيش الكونغولي عن صد التمرد المستمر من قبل حركة 23 مارس، ومع نزوح الملايين من المواطنين وانهيار البنى التحتية في المناطق الشرقية، رأت كلا الدولتين أن التهدئة باتت ضرورة استراتيجية.
مكاسب اقتصادية محتملة: رأت كل من رواندا والكونغو أن إطارًا اقتصاديًا إقليميًا مشتركًا سيجلب مكاسب على الطرفين، إذا ما تم تنظيم قطاع التعدين وتطهيره من سطوة الجماعات المسلحة.
على الرغم من التشكيك في تطبيق الاتفاقية من الناحية العملية، فإن وجود وساطة أمريكية وقطرية أمر يضفي ثقلًا عليها، ويعزز فرص التزام الأطراف بها، خصوصًا في ظل ربطها باستثمارات ومساعدات اقتصادية مستقبلية.
وما يزيد من فرص نجاح الاتفاقية هو ترحيب الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بإقرارها، لا سيما مع إبداء دول الجوار - مثل أوغندا وأنجولا - استعدادها لدعم وتنفيذ آليات المراقبة والمتابعة، كما أن ربط الاتفاقية بإنشاء إطار تنموي اقتصادي إقليمي، قد يكون حافزًا إضافيًا للحفاظ على السلام. وهكذا، يمكن القول بإن الاتفاقية بمثابة فرصة للاستقرار، بمعنى أنه إذا تم تنفيذها بنجاح على الأرض، فقد تكون نموذجًا مثاليًا لحل النزاعات الإقليمية في إفريقيا، مع تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني.
يرى مراقبون أن غياب الرئيسين تشيسكيدي وكاغامي عن حفل التوقيع أفسد اللحظة، وكان أمرًا غير مألوف بالنسبة لأهمية الاتفاقية، مع تقديرات تفيد بأن موارد الولايات المتحدة وتركيزها محدودان بشأن آلية تنفيذ الاتفاقية، لا سيما وأن تركيزها منصبّ على أمور أخرى، منها أوكرانيا وغزة والتوترات بين إسرائيل وإيران، ومن غير الواضح ما إذا كانت ستعمل على تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي اللازم طويل الأمد لتحقيق أهداف الاتفاق أم لا.
أشار متمردو حركة 23 مارس إلى أن الاتفاق لن يكون مُلزمًا لهم؛ نظرًا لعدم مشاركتهم بشكل مباشر في اتفاق السلام، على الرغم من أن الحركة كانت جزءًا من محادثات سلام أخرى جارية، ومن الواضح أن عدم مشاركتهم في المفاوضات ربما سيعيق الالتزام بعملية السلام.
تعاني مناطق شرق الكونغو من غياب الدولة، وتهالك مؤسساتها، مما يعوق تنفيذ الاتفاق، سواء من حيث بسط السيطرة أو ضمان عودة اللاجئين أو نزع السلاح، وقد تُثني المشاكل الأمنية والتنظيمية والفساد التي تُعاني منها جمهورية الكونغو الديمقراطية المستثمرين الأمريكيين، وحتى لو وعدت الحكومة الكونغولية بمعالجة هذه المشاكل. والحقيقة أن تشتت سياسات جمهورية الكونغو الديمقراطية تفاقم من حالة انعدام الأمن، وخاصة أن الطبقة السياسية في البلاد هي المحرك الرئيسي لعدم الاستقرار في البلاد، نظرًا لانشغالها بالمصالح الذاتية على حساب المصلحة الوطنية، فغالبًا ما يعرقل هؤلاء السياسيون اتفاقيات الهدنة أو السلام، وينضمون إلى التمردات عندما لا يحصلون على ما يريدون.
على الرغم من التشكيك في تطبيق الاتفاقية من الناحية العملية، فإن وجود وساطة أمريكية وقطرية أمر يضفي ثقلًا عليها، ويعزز فرص التزام الأطراف بها، خصوصًا في ظل ربطها باستثمارات ومساعدات اقتصادية مستقبلية
يسجل على الاتفاقية محدودية آليات تنفيذها، كما أنها لم أغلفت موضوع المحاسبة أو العدالة الانتقالية لضحايا الجرائم ضد الإنسانية، من اغتصاب جماعي وتجويع وقتل جماعي، وهو ما قد يثير استياء المجتمعات المحلية، وهكذا، أغفلت الاتفاقية مسألة تعويضات الضحايا، وبرامج إعادة الإدماج، والمساءلة عن جرائم الحرب، فبدون هذه العناصر، فإنه من المتوقع ألا يفي الاتفاق بوعوده.
إن الرعاية الأمريكية للاتفاقية، رغم أهميتها، قد تثير انتقادات حول دوافعها الاقتصادية، خاصة في ظل التنافس مع الصين، وهو ما قد يؤثر على قبول الاتفاق محليًا، خاصة في حالة ارتباط أصحاب المصالح المحليين بالشركات والاستثمارات الصينية.
ينضاف لذلك غلبة المصلحة الاقتصادية، إذ يخشى المراقبون أن تخاطر الاتفاقية بتقليص السلام إلى مجرد تبادل تجاري، فالحقيقة أن المعادن ليست سوى أحد دوافع الصراع، ولكن هناك هناك أبعادًا أخرى يجب وضعها في الاعتبار، وتتلخص في انعدام الثقة بين الحكومتي، نتيجة تراكمات تاريخية طويلة من الخيانات والاتهامات المتبادلة، علاوة على التوترات العرقية، والنزاعات على الأراضي، ومطالبات الجنسية غير المحسومة، وخاصةً فيما يتعلق بالمجتمعات الناطقة بـ "الكينيارواندا" (Kinyarwanda) التي لا يزال وضعها القانوني في جمهورية الكونغو الديمقراطية غارقًا في الغموض.
إن الطريق إلى الأمام بشأن تنفيذ الاتفاقية يعتمد على إجراء حوارات وطنية شاملة، تُتيح منابر لقادة المجتمع والمنظمات الشعبية لتبادل مظالمهم، واقتراح سبل معالجة دوافع وأسباب انعدام الأمن والتهديدات الأمنية الجذرية، علاوة على ضرورة تعزيز الرقابة من خلال هيئة دولية موثوقة ومستقلة تُشرف على تنفيذ الاتفاقية لضمان الامتثال والشفافية
ختامًا، يمكن القول بأنه على الرغم من أن اتفاقية السلام تمثل خطوة واعدة نحو إنهاء صراع طويل الأمد بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وربما تكون بمثابة إنجازًا دبلوماسيًا يُضاف إلى رصيد إدارة ترامب، ومع ذلك فإن تحقيق السلام يتطلب أكثر من مجرد توقيع؛ ولكنه يحتاج إلى التصدي الفعَّال للأسباب الجذرية للصراع، والتي تتجاوز مسألة "لعنة الموارد" لتمتد إلى الانتهازية السياسية، وسوء إدارة البلاد، والنزعة التوسعية، والإفلات من العقاب والمساءلة على جرائم الحرب، وبالتالي، يتعين على واشنطن إدراك أن تعافي المنطقة لن يتحقق إلا من خلال عدالة انتقالية قوية وذات مصداقية.