تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

إجيابا شيغو.. كتابةٌ تُضمِّد الجراح وتفتح أرشيف الاستعمار

17 سبتمبر, 2025
الصورة
إجيابا شيغو.. كتابةٌ تُضمِّد الجراح وتفتح أرشيف الاستعمار
Share

تعرّفتُ لأول مرة على أعمال الكاتبة الصومالية‑الإيطالية إجيابا شيغو (Igiaba Scego) وأنا أتابع الدكتوراه في الأدب المقارن بجامعة روتجرز في الولايات المتحدة، بعد مغادرتي إيطاليا. وعلى امتداد عامٍ كامل غصتُ في أدبيات ونظريات ما بعد الاستعمار، من إدوارد سعيد وفرانتز فانون إلى تسيتسي دانغاريمبغا وجامايكا كينكيد؛ أصواتٌ تكتب، بلغة آسرة، عن قرونٍ من الهيمنة الاستعمارية البريطانية والفرنسية وإرثها الممتد. ومع ذلك بقيت حقيقةُ أن إيطاليا، بلدي الذي وُلدتُ فيه، مارست بدورها الاضطهاد واستعمرت شعوبًا وأراضيَ خارج المنهج المدرسي، ولم تُطرح للنقاش حتى خلال دراستي في الولايات المتحدة حين تعرّفتُ إلى مفهومي الاستعمار ونزع الاستعمار. 

كان لقائي بأعمال إجيابا شيغو كشفًا حقيقيًا؛ فقد فتحت كتبها ونشاطها الثقافي بابَ حواراتٍ مؤجّلة في إيطاليا وخارجها عن التشابك التاريخي بين إيطاليا والصومال، وعن الهجرات الراهنة، وعن سُبلٍ جديدة لصوغ شعورٍ بالانتماء يتجاوز اللغات والثقافات.

تتصدر شيغو هذه النقاشات منذ مطلع الألفية، تكتب سيرتها وسيرة الصوماليين‑الإيطاليين لتؤكد أن الطريق إلى مستقبلٍ أعدل يبدأ بمواجهة الماضي. وُلدت في روما عام 1974 بعدما غادر والدَاها الصومال إثر انقلاب سياد بري، وتقول: "لطالما شعرتُ بأنني رومانية أكثر مني إيطالية". أصدرت رواياتٍ وقصصًا ومقالاتٍ عديدة، وبلغت أعمالُها قرّاءً خارج إيطاليا بترجماتٍ إلى الإنجليزية وغيرها. وآخر أعمالها «كاساندرا في مقديشو» (2023) مذكّراتٌ عابرة للأجيال مُهداة إلى الجماعة الصومالية، صاغتها على هيئة رسالةٍ من الراوية إلى ابنة أختها؛ سورايا.

في خاتمة الكتاب تكتب شيغو إنّ الدافع الأعمق لكتاباتها هو "الضرورة المُلحّة لفهم قصة عائلتي - المتعددة الوجوه، المنفية، والتي عصفت بها دكتاتورية وحروب لا تنتهي وهجرات متعددة". وكان سرد هذه القصة، في الوقت نفسه، وسيلةً لكسر الصمت. ويمكن قراءة هذا الطموح على مستويين متداخلين: أولًا، ترفض شيغو إسكاتها بوصفها امرأةً سوداء في بلد ما زال يهمّش الأصوات غير البيضاء؛ وثانيًا، تدعو قرّاءها إلى عدم الصمت إزاء التاريخين المتشابكين لإيطاليا والصومال.

تبدو هذه الدعوة إلى الوعي التاريخي أكثر إلحاحًا اليوم؛ ففي وقت يواصل فيه آلاف الأشخاص عبور البحر المتوسط أملًا في بلوغ سواحل جنوب أوروبا، تتتبّع أعمال شيغو الخيوط التي تصل بين موجات الهجرة الراهنة والعلاقات المعقّدة بين الصومال وإيطاليا. هكذا تبني كتابتها جسرًا بين الماضي والحاضر، وتدافع عن مستقبلٍ لا يكون فيه التنقّل وتجاوز الحدود امتيازًا وحكرًا على قلّة.

تكتب سيرتها وسيرة الصوماليين‑الإيطاليين لتؤكد أن الطريق إلى مستقبلٍ أعدل يبدأ بمواجهة الماضي

عاشت شيغو حياتها كلّها في روما التي تسميها "النقطة الثابتة الوحيدة في عائلة دائمة الترحال". منحها هذا الثبات في المكان قاعدةً تعبر منها بين اللغات والثقافات بخطى واثقة، فيما تتوزّع أسرتها على خرائط العالم. في الفصل الأول من «كاساندرا في مقديشو» تتأمّل دورها كساردة ومترجمة في آنٍ معًا - للغات والثقافات والمشاعر. تكتب بالإيطالية لتعيد تركيب هويات عائلتها المنفية المتشظّية؛ لغةٌ كانت يومًا رمزًا للقهر والاستعمار، لكنها أصبحت اليوم "اللغة التي تلمّ شتاتنا". ومن هنا تمضي كتابتها في تجاوز الحدود الثقافية، عابرةً اللغات التي شكّلتها، لتخلق حيزًا وسيطًا قد يُربك أحيانًا، لكنه مفعمٌ بحكايات الأمل.

تكشف مرجعيات إجيابا شيغو الأدبية والثقافية عن هويةٍ هجينة وفضولٍ معرفيّ متّقد. تستلهم الأدب البرازيلي وتقاليده الموسيقية، وتتجاوب مع التأملات الذاتية لدى جيمس بالدوين وبِيل هوكس، وتجد صداها في كتابات الهجرة المعاصرة كما في الكلاسيكيات. ويحيّي عنوان «كاساندرا في مقديشو» الأسطورةَ الإغريقية، الحكّاءة التي قُدِّر لنبوءاتها ألّا تُصدَّق. وعلى منوال «كاساندرا» معاصرة، تنسج شيغو خيوط حكاياتٍ متعددة، وتسدّ فجواتٍ سردية وتاريخية. تنطلق من مسلّمةٍ بسيطة: أن إعادة التركيب شرطٌ للفهم، وأن تسمية الأشياء تمنح المعنى لما كاد أن ينفلت.

في وقت يواصل فيه آلاف الأشخاص عبور البحر المتوسط أملًا في بلوغ سواحل جنوب أوروبا، تتتبّع أعمال شيغو الخيوط التي تصل بين موجات الهجرة الراهنة والعلاقات المعقّدة بين الصومال وإيطاليا

تسعى شيغو، عبر كتابتها، إلى الإمساك بمفهوم الـ«جيرو/Jirro»؛ مصطلحٍ يلملم خبرات عائلتها وتجربة الشعب الصومالي بأسره. وتعرّفه في الفصل الأول على النحو الآتي: "جيرو تعني حرفيًا «المرض» بالصومالية. هذا ما سيقوله لك أي قاموس، بل وحتى ترجمة غوغل، لكن بالنسبة إلينا، جيرو كلمةٌ أوسع بكثير. إنّها تتحدث عن جراحنا، عن ألمنا، عن توترنا ما بعد الصدمة وما بعد الحرب. جيرو هو قلبنا المكسور؛ التوازن الهشّ لحياتنا بين الجحيم والراهن".

في تصوّر شيغو، يمثّل «جيرو» شعور التعليق في المنفى، والسعي إلى أدواتٍ نفسية وعاطفية لترميم ما هشّمه التاريخ. ولا تُكتشف هذه الأدوات إلا عبر الكتابة والسرد. لهذا جاءت «كاساندرا في مقديشو» في هيئة رسالةٍ إلى ابنة أختها الصغيرة - هديةٍ موجّهةٍ إلى أجيال الصوماليين المقبلة. ومن دون حفريات الذاكرة والتاريخ الشفهي التي تنطوي عليها الكتابة السيرية، يتعذّر العثور على علاجٍ لـ«جيرو». إن رواية قصة عائلتها وشتات الصوماليين هي الخطوة الأولى على طريق الالتئام.

تكشف روايات شيغو وقصصها ومقالاتها عن قدرة الأدب التحوّلية على تمثيل الهجرة والتشرّد، وصوغ لغةٍ للصدمة، وفتح مسالك نحو أشكالٍ جديدة من الجماعة. يبدأ هذا العمل كنص أدبي، لكنه يمتدّ إلى الاجتماع والسياسة والتعليم. وفي سياق نشاطها الثقافي، أصدرت كتبًا للأطفال وتشارك بانتظام في الفعاليات العامة والمبادرات التربوية.

أقرأ أعمالها منذ أكثر من عقد، ومع كل إصدارٍ جديد أتذكّر أن التئام جراح الماضي يبدأ بمعرفة موقعنا، والانفتاح على الآخرين، والعمل الفعّال لبناء مستقبلاتٍ أعدل وأكثر إنصافًا.