الثلاثاء 19 مايو 2026
في زحام المشهد الثقافي العربي، ثمة صحراء أخرى غير تلك الممتدة على الخرائط: إنها الفجوة المعرفية بين مثقفي شمال أفريقيا وإبداعات القارة جنوب الصحراء، فعلى الرغم من الجوار الجغرافي والانتماء المشترك إلى أفريقيا، تظل الأعمال الأدبية الصادرة في نيجيريا مثلًا أو زامبيا أو جنوب أفريقيا أو منطقة القرن الأفريقي؛ شبه غائبة عن النقاش الثقافي العربي، باستثناءات نادرة مثل: تشيماماندا نغوزي أديتشي التي اخترقت الحواجز بفضل انتشارها العالمي.
خلال زيارتي للمعرض الدولي للكتاب بالجزائر العاصمة؛ كنت أحرص دائما على حضور الندوات المبرمجة على هامش المعرض، وذلك للاستماع إلى أصوات جديدة سواء من داخل الجزائر وخارجها، ممن لا تصلنا أصواتهم إلا نادرًا، لأسباب يصعب حصرها. لكن في الحقيقة كنت قليلا ما أظفر بصوت جديد، فهناك نمطية سائدة عند المنظمين باستضافة أسماء مكررة مع حفظ مقاماتهم بطبيعة الحال.
في آخر نسخة خريف عام 2025 كانت هناك ندوة تدور حول أثر الأدب الجزائري في العمق الأفريقي، ومع جودة المحاضرات التي ألقيت خلالها وقوة النقاش بين الحاضرين؛ إلا أني اندهشت كثيرا من الغياب التام لأي شخصية أدبية تمثل ذلك "العمق الأفريقي" الذي قد نتوهمه عند قراءة الإعلان عن الندوة، لماذا يجب علينا أن ندعي أننا قادرون على الحديث نيابة عن هؤلاء؟ ما الذي يمنع من إرسال دعوات لأدباء من أقرب الجيران الأفارقة: مالي والنيجر مثلا؟ نحن في عصر من السهل جدا فيه تتبع الحركات الثقافية في معظم البلدان وتبادل المعارف واكتشاف الآخر القريب منا والبعيد عنا كذلك.
ينبغي لنا أن نتخلى عن ذلك التصور المشوه الذي غلب علينا عن أن أفريقيا غير مُنتِجة للأدب والفن، أو أن إنتاجها لا يرقى لأن يكون أهلا للدراسة والمباحثة والنقد والاستفادة والتطوير والتأريخ والتأصيل، الأمر مختلف تماما. هذه القطيعة ليست مجرد فجوة في تبادل الإصدارات، بل انعكاسا لانشطار ثقافي أوسع، حيث يتجه مثقفو الشمال نحو المتوسط وعواصم أوروبا، بينما تبقى جنوب الصحراء منطقة "أخرى" في المخيلة العربية، منطقة فراغ شبه كامل.
في هذا السياق، حاولت في هذا المقال تعبيد طريقٍ ما عبر هذه الصحراء المعرفية، مستعرضًا بعض التجارب المتعلقة بالنساء الأفريقيات سواء كنَّ منتِجات للأدب أو موضوعات للكتابة، وذلك سعيًا للكشف عن خيوط مشتركة تمتد عبر القارة: النضال ضد الاستعمار والصراع مع الهوية والجسد الأنثوي كساحة معركة، والكتابة كفعل مقاومة.
كتبت شاييرا دارك مقالةً عن أندريه بلوين افتتحته بسؤال جوهري: لماذا تختفي النساء من روايات التحرر الوطنية؟ وتضرب مثالًا بفوميلايو رانسم-كوتي، السيدة النيجيرية التي أطاحت بمَلِكٍ عبر احتجاجاتها ضد الضرائب الجائرة. لكن التاريخ يذكرها فقط كأول امرأة تقود سيارة وكأم لموسيقي شهير، وليس كمناضلة سياسية. هذا المصير ذاته طارد أندريه بلوين، القومية الأفريقية الوحدوية التي لعبت دورًا محوريًا في استقلال غينيا، وكانت مستشارة لباتريس لومومبا، لكنها بقيت في الظل عدة عقود.
يلتقي النضال ضد الاستعمار الجديد مع النضال ضد العنف الذكوري، حيث تصبح أجساد النساء الأفريقيات ساحة معركة تمتد من الحقبة الاستعمارية إلى العولمة المعاصرة
ما يميز تجربة بلوين في نظري هو عبورها للحدود: فهي ابنة أفريقيا الوسطى، ناشطة في غينيا، ومستشارة في الكونغو، ومنفية في الجزائر (أليس هذا كافيًا لأن نهتم بها نحن الجزائريين على الأقل؟)، وهذا التنقل يجعل منها نموذجًا لأفريقيا المتجاوزة للحدود الاستعمارية، وهو ما تفتقده كثير من الروايات الوطنية الأحادية.
في روايتها الجديدة "Dream Count" (أحلام عديدة) تعود أديتشي بعد اثني عشر عامًا من الصمت الروائي لتقدم لوحة نسائية معقدة، أربع نساء من نيجيريا وغينيا وأمريكا، تتشابك قصصهن لتكشف عن طبقات متعددة من التجربة الأنثوية الأفريقية. هنا أديتشي تنتقل من الخطاب المقالي المباشر (كما في نصها السابق "نحن جميعًا يجب أن نكون نسويات") إلى سرد روائي أكثر تعقيدًا، لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يعرض تناقضات الشخصيات وهشاشتها.
قصة كادياتو، الخادمة الغينية التي تتعرض لاعتداء جنسي من شخصية فرنسية بارزة، تمثل القلب الأخلاقي للرواية. تستلهم أديتشي هذه القصة من حادثة حقيقية (نافيساتو ديالو، المهاجرة الغينية التي اتُهمت بتلفيق قصة اغتصابها ضد دومينيك شتراوس كان)، وتعيد سردها كـ"عمل استعادة كرامة". هنا يلتقي النضال ضد الاستعمار الجديد مع النضال ضد العنف الذكوري، حيث تصبح أجساد النساء الأفريقيات ساحة معركة تمتد من الحقبة الاستعمارية إلى العولمة المعاصرة.
لكن ما يميز أديتشي، كما يقول كثير ممن كتب عن إنتاجها الأدبي؛ هو قدرتها على المزج بين النقد الاجتماعي اللاذع والسخرية، على غرار شخصية أوميلوجور التي تطلق موقعًا ساخرًا بعنوان "لصالح الرجال فقط"، وتنتقد الليبراليين الأمريكيين بالحدة ذاتها التي تنتقد بها القيود الاجتماعية في نيجيريا.
في رواية "Daughter in Exile" (ابنة في المنفى) تروي الكاتبة بيسي أدجابون قصة لولا، امرأة غانية-نيجيرية تسافر إلى أمريكا حاملة حلم أن تبدأ حياة جديدة، لتجد نفسها في متاهة الهجرة غير القانونية والعمل دون أوراق والوحدة القاسية، هذه الرواية تقدم منظورًا مختلفًا للنضال النسوي الأفريقي: ليس ضد الاستعمار التقليدي، بل ضد "أرض الفرص" التي تتحول إلى كابوس. لولا، المرأة المتعلمة وذات الخبرة الدبلوماسية؛ تجد نفسها عاجزة عن العمل بسبب غياب الرقم الاجتماعي، جسدها أصبح عقبة وليس وسيلة للتحقق: كأم عزباء، تواجه نظرات الريبة من الكنيسة، ونصائح بالتخلي عن طفلها للتبني، واتهامات عنصرية في العمل.
النضال ضد المحو التاريخي، تكافح النساء الأفريقيات ليُكتبن في التاريخ، ليس كشخصيات ثانوية أو كزوجات أو أمهات لرجال مهمين، بل كفاعلات أساسيات في صنع التغيير
ما يميز هذه الرواية هو تركيزها على التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة اليومية للمهاجرة: الثلج الذي لم تعرفه من قبل والروائح الجديدة وطريقة النظر واللغة غير المفهومة، وهي تفاصيل تذكرنا بأن النضال النسوي الأفريقي لا يتوقف عند حدود القارة؛ بل يمتد إلى الشتات، حيث تواجه النساء شكلا آخر من أشكال المحو والتهميش.
جنوب أفريقيا: ذاكرة ما بعد الفصل العنصري
في قراءة لكتاب "The Inheritors" (الورثة) تتبع الصحفية الأمريكية إيف فيربانكس المتخصصة في الفلسفة السياسية من جامعة يال، والحائزة على منحة فولبرايت إلى جنوب أفريقيا؛ تتبع حياة ثلاثة أشخاص في جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري: ديبو، الناشطة السوداء التي كافحت ضد النظام القديم، لكنها تواجه صعوبة في إيجاد مكانها في المجتمع الجديد؛ مَلايكا، ابنتها التي تنشأ في جنوب أفريقيا "الحديثة" وتواجه تحديات مختلفة؛ وكريستو، الرجل الأبيض "الأفريكانرز" الذي خدم في جيش النظام القديم، ويحاول التأقلم مع وضعه الجديد.
يكمن جمال هذا الكتاب في مقاربته للتاريخ عبر القصص الشخصية، فالتاريخ هنا ليس مجرد أحداث كبرى، بل تجارب حية وذكريات وجروح وآمال. من خلال هذه المقاربة، يكشف الكتاب عن تعقيدات مرحلة ما بعد التحرر: فالنضال لم ينتهِ باستلام السلطة، بل يتحول إلى صراع يومي مع البيروقراطية والفساد والتفاوت الطبقي الجديد.
تثير هذه الشخصيات الثلاث أسئلة عن معنى "الوراثة": من يرث ماذا في جنوب أفريقيا الجديدة؟ وكيف تنتقل الذاكرة بين الأجيال؟ ديبو ومَلايكا تمثلان جيلين مختلفين في فهم النضال: الأولى عاشت القمع والعنف، والثانية نشأت في زمن "الحرية" لكنها تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية لا تقل قسوة.
عبر هذه الإطلالة السريعة على جاراتنا الجنوبيات، يمكن أن نستظهر خيوطا مشتركة تشكل نسيجًا للأدب النسوي الأفريقي:
النضال ضد المحو التاريخي، سواء مع أندريه بلوين في ستينيات القرن الماضي، أو مع كوليكا بوتوما اليوم، تكافح النساء الأفريقيات ليُكتبن في التاريخ، ليس كشخصيات ثانوية أو كزوجات أو أمهات لرجال مهمين، بل كفاعلات أساسيات في صنع التغيير.
الجسد الأنثوي كساحة معركة، من ختان الإناث في قصة كادياتو، إلى الاعتداء الجنسي في فندق نيويورك، إلى نظرة الكنيسة للأم العزباء في ابنة في المنفى، يظل جسد المرأة الأفريقية موقعًا للصراع بين التقاليد والحداثة، بين القانون والممارسة، بين الهيمنة الذكورية والمقاومة.
هذه الأعمال وغيرها تشكل فرصة بالنسبة لمثقفينا لإعادة النظر في علاقتهم بالقارة، فبدلًا من التوجه الدائم نحو الشمال أو الشرق أحيانا؛ يمكن فتح نوافذ جديدة نحو الجنوب، نحو تجارب أدبية تشاركنا الهواجس ذاتها
العبور بين الحدود، فالشخصيات النسائية في هذه الأعمال تعبر الحدود الجغرافية (بلوين بين أفريقيا الوسطى وغينيا والكونغو، لولا بين السنغال وأمريكا)، والحدود الثقافية (نساء أديتشي بين نيجيريا وأمريكا)، والحدود الاجتماعية (غريس بين القرية والمدينة في زامبيا). وهذا العبور يمنحهن منظورًا مزدوجًا يمكنهن من نقد المجتمعات التي ينتمين إليها ورؤيتها من الخارج.
التعقيد والتناقض، فلا تقدم هذه الكتابات نساء مثاليات أو بطلات خارقات؛ بل تقدم شخصيات فوضوية، حقيقية، متناقضة، شيا في رواية أديتشي تترك حبيبها "الآمن" لأنه ممل، وتتوق لرجل "جميل" يعاملها بازدراء، لولا تختار السفر إلى أمريكا مع التحذيرات، ثم تندم، ديبو تقاتل من أجل الحرية، ثم تجد نفسها تائهة فيها.
ما نخلص إليه ليس مجرد قراءة عابرة أو استعراض لأسماء غريبة عند القارئ الشمال أفريقي؛ بل هو خريطة طريق لفهم تحولات الأدب النسوي الأفريقي، إنه أدب يرفض التبسيط ويصر على التعقيد، يكسر الصور النمطية عن "المرأة الأفريقية" كضحية صامتة، ويقدمها بدلًا من ذلك كفاعلة تاريخية وثائرة وكاتبة وشاعرة ومحامية ومهاجرة... تكافح من أجل البقاء.
أعتقد أنه فيما يفترض أنه ضروري للمثقفين في شمال أفريقيا؛ فإن هذه الأعمال وغيرها تشكل فرصة لإعادة النظر في علاقتهم بالقارة، فبدلًا من التوجه الدائم نحو الشمال أو الشرق أحيانا؛ يمكن فتح نوافذ جديدة نحو الجنوب، نحو تجارب أدبية تشاركنا الهواجس ذاتها: الهوية والاستقلال والعدالة الاجتماعية والمرأة، إنه حوار في انتظار من يفتتحه، وترجمة في انتظار من ينجزها، وجسور في انتظار من يعبرها، إنهم جيرانٌ في انتظار من يؤدي إليهم صلة الجوار.
ربما يكون السؤال الذي تطرحه إيف فيربانكس في كتابها عن جنوب أفريقيا هو السؤال الأعم الذي يصلح للقارة بأكملها: "أين يوجد التاريخ في غير القصص التي يرويها الناس؟"، وهذه السرديات النسائية، التي ترويها النساء الإفريقيات عن أنفسهن؛ قد تكون هي التاريخ الحقيقي الذي لم يُكتب بعد.