الخميس 22 يناير 2026
شهدت مدينة بورما، عاصمة إقليم أودل غرب صوماليلاند، في 5 ديسمبر/كانون الأول 2025 واحدة من أخطر الأزمات السياسية–الأمنية منذ إعلان صوماليلاند استعادة استقلالها عن الصومال عام 1991. ما بدأ احتجاجات على موافقة الحكومة لإقامة عرض احتفالي لـ"حير العيسى" (Xeer Ciise) تحوّل خلال ساعات إلى مواجهات دامية بين قوات الأمن ومتظاهرين، مع تقديرات تشير إلى سقوط ما لا يقلّ عن عشرين قتيلاً وعشرات الجرحى، واستخدام الرصاص الحي لتفريق المحتجين. في تلك اللحظة، لم تعد القضية خلافاً حول فعالية ثقافية، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لحدود قدرة دولة صوماليلاند على إدارة توازناتها الداخلية.
الشرارة المباشرة للأحداث كانت قرار الحكومة إعادة السماح بحفل عرض واحتفال بميثاق "حير العيسى" بعد أسابيع من التوتر في مدينة زَيْلع الساحلية حول المناسبة نفسها. ويعد "حير العيسى" منظومة قانونية عرفية شفهية تنظم شؤون مجتمعات العيسى في إثيوبيا وجيبوتي وصوماليلاند؛ وقد أُدرج هذا الميثاق رسمياً عام 2024 على قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية في اليونسكو.
ظاهريا، يمكن اعتبار حفل عرض كتاب يشرح الميثاق في زيلع احتفالاً تراثيًا مشروعاً في سياق اعتراف دولي بتراث العيسى. لكن اختيار التوقيت والمكان – في مدينة تتنازع عليها قبيلتا الغدبورسي والعيسي، وفي إقليم شديد الحساسية من حيث تداخل الأرض والرمزية بين القبيلتين، وفي لحظة إقليمية مشحونة بصراعات جيوسياسية حول الممرات البحرية وترتيبات الوصول إلى البحر وتقاسم مناطق للنفوذ – منح الحدث الثقافي مضموناً سياسياً مختلفاً تماماً.
ما إن شاع خبر إعادة السماح بالحفل حتى خرجت في بورما تظاهرات عنيفة ترفض القرار، سرعان ما فقدت السلطات السيطرة عليها. خلال ساعات، هوجم فرع البنك المركزي، وتعرض مكتب المحافظ وبعض مراكز الشرطة لهجمات منسّقة، ونُصبت حواجز طرق داخل المدينة، وحمل كثير من الشباب السلاح، وارتفعت أعلام مناوئة لعلم صوماليلاند، وردت قوات الأمن بإطلاق النار واستدعاء وحدات من الجيش في محاولة لفرض النظام. بدا واضحاً أن ثمة من كان مستعداً لاستثمار حدث رمزي محدود لإعطاء انطباع بانهيار هيبة الدولة، والإيحاء بأن الرابط بين بورما وصوماليلاند أضعف مما تقوله سردية "الشراكة" التي تُستدعى عادة حين يُحتفى بتاريخ "مؤتمر بورما" ودور أودل في إعادة تأسيس صوماليلاند.
في الليلة التالية، حاول الرئيس عبدرحمن محمد عبد الله "عرو" امتصاص الغضب؛ فندد بسقوط الضحايا، وأمر بسحب القوات العسكرية إلى ثكناتها، وتعهد بفتح تحقيق ومحاسبة المسؤولين، قبل أن يعلن في اليوم الموالي تعليق الاحتفال نهائياً. بالتوازي، أعلن وزير الإعلام استقالته، مؤكداً أن قرار السماح بالفعالية كان قراراً حكومياً جماعياً، وأنه لا يستطيع تحمّل تبعاته، خصوصاً في إقليم ينتمي إليه عشائرياً. هذا التسلسل – انفجار احتجاجات، ثم استخدام قوة مميتة، ثم تراجع متأخر – يعكس نمط إدارة مألوفاً في أزمات سابقة، وعلى رأسها أزمة لاسعانود في مطلع عام 2023.
العنصر الأكثر إشكالاً في سلوك الدولة خلال أحداث بورما هو اللجوء السهل والسريع إلى الرصاص الحي. تشير تقارير منصات إعلامية وحقوقية محلية إلى أن الاحتجاجات قوبلت بإطلاق النار على متظاهرين غير مسلحين. هذا النمط يعيد إلى الأذهان مساراً مشابهاً في لاسعانود، حين أدت المواجهات بين القوات الحكومية ومحتجين محليين إلى انسحاب صوماليلاند من المدينة وصعود كيان SSC– خاتومو الذي اعترفت به الحكومة الصومالية في مقديشو لاحقاً كولاية اتحادية.
أوجه الشبه بين بورما ولاسعانود واضحة باستخدام مفرط للقوة في مواجهة احتجاجات بدأت سلمية، لكن الاختلافات لا تقل أهمية؛ ففي لاسعانود كان هناك عمق عسكري–تنظيمي في بونتلاند وكيان خاتومو جاهز للاستثمار في الغضب المحلي، بينما لا تملك أودل، وبورما بالتحديد، ظهراً عسكرياً منظَّماً خارج الحدود بالدرجة نفسها. هذا يجعل السيناريو في الغرب أبطأ وأقل وضوحاً مما كانت عليه في الشرق، لكنه أكثر تشابكاً لأنه يتقاطع مع حسابات جيبوتي وإثيوبيا، لا مع طرف صومالي واحد كما في حالة الشرق.
وعلى الرغم من ذلك، تظهر في الحالتين مشكلات بنيوية متكررة في صوماليلاند. فثمة إخفاق واضح في قدرة الأجهزة الأمنية على إدارة الحشود بوسائل غير قاتلة، وغياب فصل واضح بين دور الجيش ودور الأمن الداخلي، مما يسرّع الانزلاق من احتجاج سياسي إلى مواجهة مسلحة تُدار بمنطق الحسم الأمني أكثر مما تُدار بمنطق إدارة الأزمات ضمن أدوات الدولة.
واضح أن ثمة من كان مستعداً لاستثمار حدث رمزي محدود لإعطاء انطباع بانهيار هيبة الدولة، والإيحاء بأن الرابط بين بورما وصوماليلاند أضعف مما تقوله سردية "الشراكة"، التي تُستدعى عادة حين يُحتفى بتاريخ "مؤتمر بورما"، ودور أودل في تأسيس صوماليلاند
تتغذى هذه الهشاشة الأمنية على مظالم سياسية متراكمة في أودل كما كان في الشرق. تشير شهادات نخب محلية إلى شعور واسع بأن تمثيل الإقليم في الحكومة والبرلمان والأجهزة الأمنية لا يعكس وزنه الديمغرافي والتركيبة العشائرية، وأن القرارات التي تمس السلم الأهلي – مثل فعالية "حير العيسى" – تُصنع في هرجيسا دون إشراك حقيقي للمجتمع المحلي. هذا الشعور، رغم اصطدامه بسرديات مناقضة باستحواذ الغدبورسي علي التمثيل السياسي للمحافظة علي حساب العشائر الأخرى، لكنه بات يغذي خطاب الرافضين لمشروع صوماليلاند السياسي، وبعضهم يدفع باتجاه ولاية خاصة تربط الإقليم مباشرة بمقديشو خارج إطار صوماليلاند، وهو خطاب كان حاضرا بشكل خافت منذ سنوات، لكنه وجد الآن في أحداث بورما فرصة لإعادة الانتشار في الشارع والفضاء الرقمي معاً.
يعد إقليم أودل فضاءًا تاريخيًا لتوازن دقيق بين قبيلتي الغدبورسي والعيسى، مع امتدادات عابرة للحدود للطرفين في جيبوتي والمنطقة الصومالية في إثيوبيا. مدينة بورما نفسها هي مدينة "مؤتمر بورما" 1993، الذي جمع نحو 150 من شيوخ العشائر في صوماليلاند، وأسّس لميثاق وطني ونظام سياسي هجين دمج بين مجلس الشيوخ التقليدي (الغورتي) والمؤسسات الحديثة، وكرّس انتقال السلطة من قيادة الحركة الوطنية الصومالية (SNM) إلى حكومة أكثر توافقية حصلت فيها قبيلة الغدبورسي على منصب نائب الرئيس وما زالت تحتفظ به.
لكن ذاكرة الحرب الأهليّة تركت روايات متباينة في أودل عن علاقة الإقليم بصوماليلاند كمشروع دولة. فخلال حرب SNM ضد نظام سياد بري في الثمانينيات، كانت بنية الحركة يغلب عليها أبناء قبائل الإسحاق، فيما اتخذت قطاعات من الغدبورسي مواقف متباينة يغلب عليها الطابع المساند للنظام. هذه الخلفية بقيت حاضرة في خطاب بعض النخب، بوصفها تعبيراً عن شعور بأن سردية المقاومة للنظام العسكري الصومالي صيغت أساساً من منظور مكوّن معين، وأن أقاليم مثل أودل شاركت في مؤتمرات المصالحة بحكم الواقع الجديد الذي فرضته الحركة الوطنية الصومالية (SNM)، ولم تحصل على حصة مكافئة في بناء الدولة الجديدة.
إلى جانب ذلك، طالما انتقدت أصوات فكرية وسياسية من الإقليم – مثل البروفسور أحمد سمتر وآخرين – مركزية السلطة في هرجيسا، وطالبت بترتيبات أكثر شمولاً في توزيع السلطة والموارد. هذه الخلفية تفسّر لماذا يتحول قرار رمزي مثل الاحتفاء بـحدث ثقافي مثل "حير العيسى" في بورما إلى مؤشر على أزمة عميقة في التوازن بين المكونات الاجتماعية في البلاد؟
لا يمكن قراءة ملف "حير العيسى" بمعزل عن جيبوتي. فالدولة الصغيرة المطلة على البحر الأحمر يقوم نظامها السياسي، عملياً، على هيمنة مطلقة لنخب من عشيرة العيسى، مع توازن داخلي دقيق مع قومية العفر. في أكتوبر/تشرين الأول 2025، صادق البرلمان الجيبوتي على تعديل دستوري ألغى الحد الأقصى لسن المرشح الرئاسي (75 سنة)، فاتحاً الطريق أمام الرئيس إسماعيل عمرغيله، البالغ 77 عاماً، للترشح لولاية سادسة في انتخابات 2026.
في هذا السياق الانتخابي، يجد النظام الحاكم في جيبوتي في رمزية العيسى عبر الحدود مورداً سياسياً داخلياً. فإدراج "حير العيسى" على قائمة التراث العالمي، والاحتفاء به في الإعلام الجيبوتي، يرسخ صورة للعيسى كجماعة تمتد من جيبوتي إلى إثيوبيا وصوماليلاند، ولا تُختزل في حدود الدولة الوطنية الحديثة. بعض النخب في هرجيسا وأودل تقرأ هذا التوسع الرمزي بوصفه إحدى أدوات جيبوتي لتثبيت نفوذها على الساحل الصومالي الغربي، وإبقاء أودل وزَيْلع في مدار حساس بين هرجيسا وأديس أبابا وجيبوتي باعتبار تلك المناطق مناطق امتداد للعيسي حصرا.
يستخدم النظام في جيبوتي هذا البعد العابر للحدود لعشيرة العيسى كأداة مزدوجة؛ فداخلياً يغذي فكرة "هوية عيسى الكبرى" للاستثمار في شرعية الحكم وصرف أنظار الداخل عن التعديلات الدستورية، وتمديد فترات الحكم للرئيس الحالي الذي ما زال على السلطة منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي، ويواجه ضغطا داخليا حول خلفه المحتمل، وخارجياً يستخدم النظام تمدد العيسي للضغط على إثيوبيا عبر ملف العفر–العيسى، وعلى صوماليلاند عبر أودل وزَيْلع. وأي صدام مسلح بين الغدبورسي والعيسى في غرب صوماليلاند لن يبقى دون أثر على التوازن العرقي داخل جيبوتي نفسها، وعلى الأمن على طريق أديس–جيبوتي الحيوي، ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت مصلحة جيبوتي في تفكيك صوماليلاند أم في إبقائها ضعيفة وقابلة للضبط في مواجهة مشاريع إثيوبية أو إماراتية أو تركية منافسة في حرب الموانئ والمنافذ البحرية.
من هذه الزاوية، يبعث ما صدر عن أوغاس عشيرة العيسى من داخل إثيوبيا – حين دعا إلى المضي في الاحتفال ولو بالقوة، وطلب من كل من يحمل السلاح التوجه إلى الحدود المشتركة مع أودل – قلقاً مضاعفاً. فمن جهة، تُرسِل هذه المواقف رسالة تصعيدية واضحة إلى قبيلة الغدبورسي، وهو ما رد عليه أوغاس الغدبورسي بلهجة تصعيدية مضادة بقبول "التحدي" والاستعداد للحرب دفاعاً عن زَيْلع حسب تعبيره. ومن جهة أخرى، يعكس الاكتفاء في حكومة عرو ببيانات عمومية وباهتة عن "أياد خارجية" و"مخططات تخريبية" عجز الدولة عن مخاطبة جيبوتي وحلفائها بلغة سياسية مباشرة تتناسب مع مستوى المخاطرة.
بالتوازي، حضرت مقديشو في الأزمة كفاعل يسعى صراحة إلى تفكيك مشروع صوماليلاند من الداخل منذ توقيع مذكرة التفاهم البحرية بين أديس أبابا وهرجيسا في يناير/كانون الثاني 2024. لجأت الحكومة الفيدرالية ومسؤولون ينحدرون من إقليم أودل إلى استثمار كل توتر في الإقليم لتقديمه كدليل على "رفض شعبي لحكم صوماليلاند"، عبر أدوات عدة؛ فشددت بيانات رسمية على أن أودل "جزء لا يتجزأ من الصومال"، وانتشرت حملات إعلامية منظَّمة يقودها نواب وشخصيات من الصومال تنادي بمشروع "ولاية أودل"، وتعبئة رقمية عبر وسوم وخطابات تصوّر ما يجري في بورما كـ"انتفاضة تحرر من احتلال هرجيسا".
خلف هذا الاشتباك الإعلامي والعشائري، تتحرك أيضاً مصالح اقتصادية صامتة؛ فالتوتر في أودل يتقاطع مع صراع أوسع على الموانئ وخطوط التجارة والوظائف المرتبطة بميناء بربرة والطرق المؤدية إلى إثيوبيا. رجال أعمال من العيسى والغدبورسي، داخل الإقليم وخارجه، يراقبون إعادة رسم خرائط التجارة بين زَيْلع وبربرة وجيبوتي، وقد يستفيد بعضهم من إضعاف حضور الدولة في مناطق معينة، سواء عبر التهريب أو فرض رسوم غير رسمية أو التحكم في مسارات النقل. بذلك يصبح "التخريب" مزيجاً من خطاب عشائري وذباب إلكتروني ومصالح اقتصادية ملموسة على الأرض، لا مجرد حرب هاشتاغات بين هرجيسا ومقديشو.
هذه الحملات لم تنجح – حتى الآن – في تحويل الاحتجاج إلى خروج جماعي عن مشروع صوماليلاند؛ إذ ما زال جزء كبير من خطاب الشارع في بورما يتحدث عن المظلومية داخل إطار الدولة، لا عن القطيعة معها. لكن الخطر يكمن في أن استمرار الأخطاء الحكومية بمنح هذه الحملات الوقت والذخيرة الرمزية للتحوّل من حملات رقمية إلى مشاريع سياسية منظَّمة على الأرض، كما حدث في لاسعانود قبل عامين حين تراكمت الأخطاء الأمنية والسياسية لتفتح الباب أمام كيان جديد مرتبط بمقديشو. والمفارقة أن الذباب الإلكتروني المحسوب على مقديشو، ونظيره المقرّب من هرجيسا، يلتقيان – رغم الخصومة – في نقطة واحدة، وهي تقزيم المواطن في أودل وتحويله من فاعل سياسي له مطالب واضحة إلى مجرد أداة في حرب روايات متبادلة.
منذ خطابه في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين قال إن إثيوبيا "لا يمكن أن تبقى دولة بلا بحر" ولو "بالقوة أو بالحيلة"، جعل رئيس الوزراء آبي أحمد من مسألة الوصول إلى منفذ بحري قضية مركزية في خطابه الداخلي. وفي الأول من يناير/كانون الثاني 2024، وقّع مذكرة تفاهم مع الرئيس السابق لصوماليلاند، موسى بيحي، تمنح إثيوبيا حق استخدام شريط ساحلي بإيجار قرب بربرة مقابل تعهّد مستقبلي بالاعتراف باستقلال صوماليلاند. ردّت مقديشو حينها باعتبار الاتفاق باطلاً، وانتهاكاً لسيادة الصومال، واستدعت سفيرها وهددت بإجراءات دبلوماسية وقانونية واسعة.
خلف هذا الاشتباك الإعلامي والعشائري، تتحرك أيضاً مصالح اقتصادية صامتة؛ فالتوتر في أودل يتقاطع مع صراع أوسع على الموانئ وخطوط التجارة والوظائف المرتبطة بميناء بربرة والطرق المؤدية إلى إثيوبيا
لاحقاً، ومع تصاعد التوتر والضغوط الإقليمية على إثيوبيا، جرى توقيع "إعلان أنقرة" بين إثيوبيا والصومال في ديسمبر/كانون الأول 2024 برعاية تركية، تعهّد فيه الطرفان بحلّ ملف المنافذ البحرية المثير للجدل عبر اتفاقات ثنائية وبما يحفظ وحدة أراضي الصومال، ما أخرج عملياً هرجيسا من غرفة التفاوض على مسألة المنفذ البحري الذي يفترض أنها صاحبة الأرض فيه. في سبتمبر/أيلول 2025 أُعلن اكتمال سدّ النهضة، وبدء تشغيله بالكامل، في خطوة عززت ثقة أديس أبابا بقدرتها على فرض وقائع جديدة. وفي هذا السياق، غدا الوصول إلى البحر الأحمر مشروع أبي أحمد الجديد، بوصفه رافعة لإعادة صياغة موقع إثيوبيا الإقليمي.
عملياً، تتمثل خيارات إثيوبيا الثلاثة للوصول إلى البحر بالضغط على إريتريا شمالاً، أو على جيبوتي، أو باتجاه سواحل غرب صوماليلاند (زَيْلع). الخياران الأولان عاليَا الكلفة بسبب وجود تحالفات دولية وقواعد عسكرية في جيبوتي، وحساسية أي مواجهة جديدة مع أسمرة. أما المسار الثالث فيبدو – في نظر كثير من المراقبين – أقل كلفة نسبياً، في ظل غياب ترتيبات دفاعية ملزِمة تحمي صوماليلاند، ومحدودية الحضور الدولي فيها، واستمرار النزاع القانوني حول العلاقة بين هرجيسا ومقديشو.
في هذا السياق جاءت زيارة الرئيس عرو لأديس أبابا في أكتوبر/تشرين الأول 2025، في أول زيارة رسمية له إلى إثيوبيا بعد انتخابه. وقد بدا واضحاً حينها أن مذكرة التفاهم البحرية وصلت إلى طريق مسدود تحت ضغط إقليمي متصاعد، وأن الطرفين يحاولان إعادة صياغة العلاقة على أساس تعاون اقتصادي وتجاري أكثر حذراً ومن دون التزام إثيوبي واضح بمصير الاتفاق السابق. بالتوازي، عمل الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيله، الذي كان من أشد المعارضين للمذكرة، على تعزيز نفوذه في ساحل زَيْلع؛ فمن جهة حسّن علاقاته مع شيوخ من الغدبورسي كانوا في المنفى ثم عادوا إلى بورما، ومن جهة أخرى قوى ارتباطه بعناصر من العيسى على جانبي الحدود، مستخدماً هذه الورقة للضغط على آبي أحمد في الداخل الإثيوبي، ولإنشاء حزام نفوذ جيبوتي يسبق أي ترتيبات إثيوبية أو إماراتية محتملة في الساحل الغربي لصوماليلاند.
بالنسبة لهرجيسا، فإن أي إضعاف لمركزية الدولة في أودل، أو انزلاق الإقليم إلى مواجهات مسلحة، يعني عملياً فتح الباب أمام ترتيبات بحرية قد لا تكون لصالح صوماليلاند، سواء جرت بين أديس أبابا ومقديشو أو عبر تفاهمات غير معلنة مع قوى محلية.
كل ما سبق يجري في إقليم يمرّ بمرحلة إعادة تشكيل عميقة. فالسودان يعيش منذ 2023 حرباً أهلية صنّفتها تقارير أممية وحقوقية كأكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، مع أكثر من 11 مليون نازح ولاجئ. البحر الأحمر وخليج عدن يشهدان منذ أواخر 2023 هجمات متكررة للحوثيين على السفن التجارية، دفعت كثيراً من شركات الشحن إلى إعادة توجيه سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، مع زيادة كبيرة في زمن الرحلات وتكاليف التأمين والنقل. في مقديشو، يتفكك النظام الفيدرالي مع خروج بونتلاند وجوبلاند عملياً من ترتيباته، وما تزال حركة الشباب تسيطر على مساحات واسعة من الأرياف وتبني "دولة ظل" موازية، مستفيدة من هشاشة المركز والخلافات بين الحكومة الفيدرالية والولايات. وفي الهضبة الإثيوبية تنشأ ترتيبات جديدة من الصراع عن طريق إعادة تشكل التحالفات بين أسمرة والجبهة الشعبية للتحرير التغراي ومجموعات امهرية علي حساب أديس أبابا.
في هذا المسرح، تعيد قوى إقليمية ودولية تموضعها؛ فالقاهرة تعزز حضورها الدبلوماسي والعسكري في البحر الأحمر، وجيبوتي تستثمر موقعها كثكنة لخمسة جيوش كبرى، وأنقرة تبني شراكة دفاعية طويلة مع مقديشو عبر اتفاق دفاعي–اقتصادي لعشر سنوات، في الوقت الذي تحذّر فيه أوساط تركية من هشاشة الوضع الصومالي، فيما تسعى الإمارات إلى ترسيخ حضورها في موانئ متعددة بينها بربرة.
إن أي إضعاف لمركزية الدولة في أودل، أو انزلاق الإقليم إلى مواجهات مسلحة، يعني عملياً فتح الباب أمام ترتيبات بحرية قد لا تكون لصالح صوماليلاند، سواء جرت بين أديس أبابا ومقديشو أو عبر تفاهمات غير معلنة مع قوى محلية
تقع صوماليلاند في قلب هذه الخرائط المتداخلة، وتبدي حكومة عرو في هرجيسا حرصاً واضحاً على تجنب الانحياز العلني لأي محور؛ فلا هي جزء رسمي من محور مصر–إريتريا–جيبوتي، ولا من محور إثيوبيا–الصومال–تركيا. لكنها عملياً تدفع ثمن هذا "الحياد" عبر هامش مناورة ضيّق جداً. وأي خطأ داخلي – مثل إدارة أزمة "حير العيسى" – يتحول بسرعة إلى فرصة مغرية لكل هذه الأطراف كي تثبت روايتها: الحكومة الفدرالية في مقديشو التي تريد إظهار صوماليلاند ككيان فاشل، والنظام الجيبوتي الذي يستخدم ورقة العيسى، وإثيوبيا التي تبحث عن منفذ بحري بأي ثمن، والقوى الدولية التي تنظر إلى الساحل الصومالي كجزء من أمن ممرات التجارة العالمية.
أمام صوماليلاند اليوم مساران واضحان تقريباً. المسار الأول هو الاحتواء عبر إصلاح سلوك الدولة، لا عبر الاكتفاء بإطفاء الحريق الأمني. ذلك يعني تثبيت قرار سحب القوات الثقيلة من بورما وأودل، وحصر مهام حفظ النظام بقوات شرطة منضبطة ومدرَّبة على استخدام وسائل غير قاتلة؛ وفتح تحقيق قضائي مستقل وشفاف في أحداث القتل والإصابات، يُعلن للرأي العام ويحدد المسؤوليات على مستويات الأمر والتنفيذ.
إلى جانب الإجراءات الأمنية والقضائية العاجلة، يحتاج هذا المسار إلى لمسة مؤسسية–دستورية أعمق. فجزء كبير من مسألة أودل مرتبط بآليات تمثيل الإقليم في مجلسي الشيوخ (الغورتي) والبرلمان والحكومة، وبغياب معايير واضحة لتقاسم المناصب بين العشائر في الأقاليم. هنا تبدو الحاجة ملحّة لمراجعة صيغة التمثيل، وإنشاء إطار تشاوري دائم لأقاليم الأطراف – أودل وسول وسَنَاغ – مع رئاسة الجمهورية ومجلس الشيوخ، أو حتى الدعوة إلى مؤتمر "بورما 2"، لتجديد العقد الاجتماعي بين المكونات الاجتماعية، بما يناسب مرحلة ما بعد مذكرة إثيوبيا، والصراعات الإقليمية حول المنافذ البحرية التي تثيرها إثيوبيا وتقلق المنطقة. دون هذا البعد المؤسسي، ستظل كل تسوية سياسية مؤقتة ومعرّضة للانفجار عند أول اختبار جديد.
كما يتطلب المسار الإصلاحي إعادة فتح ملف "حير العيسى" داخل أودل عبر آلية تشاركية تضم شيوخ الغدبورسي والعيسى ونخباً مدنية، بحيث تتحول أي احتفالات مستقبلية إلى مناسبة لتدبير الخلاف لا لتكريسه، وضبط الخطاب الرسمي والإعلام الموالي، ووقف لغة التخوين واتهامات "العمالة" بحق المحتجين. نجاح هذا المسار لا يعني إنقاذ حكومة عرو من النقد بقدر ما يعني إعادة الاعتبار لصوماليلاند ككيان قادر على تصحيح مساره بنفسه، قبل أن تُفرض عليه تسويات من الخارج أو تُستغل هشاشاته في صراعات محاور أكبر منه.
المسار الثاني هو الانزلاق إلى تطبيع العنف؛ أي الاستمرار في إنكار المسؤولية، والإبقاء على أودل في خانة الملف الأمني و"الابتزاز العشائري" المضاد، وترك الفضاء الرقمي للذباب الإلكتروني المتقابل. في هذه الحالة، قد يتحول خطاب "ولاية أودل" من شعار احتجاجي إلى مشروع سياسي مسلّح، وتتكرر الاحتكاكات بين شباب العيسى والغدبورسي على طرق المراعي والقرى المختلطة، بما يستدعي الامتدادات العشائرية في إثيوبيا وجيبوتي، على وقع صراع العفر–العيسى على ممر أديس أبابا–جيبوتي وحسابات أديس أبابا البحرية.
في المحصلة، إطفاء حريق بورما بالعدالة والحوار الجاد ليس ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي لبقاء واحدة من آخر قصص الاستقرار الممكنة في القرن الأفريقي. ثمن الخطأ هذه المرة لن يُدفع في بورما وحدها، بل على طول الساحل من زَيْلع إلى بربرة، وربما على طاولة المساومات الإقليمية حول البحر الأحمر والبحر العربي أيضاً.