تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 15 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

أهداف ماكرون من زيارة القرن الأفريقي

25 ديسمبر, 2024
الصورة
Geeska cover
Share

أثارت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الشرق الأفريقي العديد من التساؤلات حول أهدافها، في ظل تراجع الحضور الفرنسي في مستعمراتها السابقة، في وسط وغرب القارة. يُعتبر ماكرون أنشط الزعماء الغربيين في أفريقيا، فقد زار العديد من دول القارة، منذ تنصيبه لأول مرة عام 2017، دون نجاح في تقديم سياسة جديدة تقطع مع ماضي بلاده الاستعماري، القائم على استغلال الثروات الطبيعية، ما أدى إلى فقدان باريس نفوذها لصالح قوى جديدة، مثل روسيا وتركيا.

جولة أفريقية جديدة

وصل ماكرون إلى جيبوتي في 20 ديسمبر/ كانون الأول، قادمًا من جزيرة مايوت، التي تعاني من تبعات إعصار " تشيدو" المدمر، والأسوأ منذ 90 عامًا. تعتبر الجزيرة مقاطعة ما وراء بحار تابعة لفرنسا، وتقع في أرخبيل جزر القمر. في جيبوتي، تناول ماكرون عشاء عيد الميلاد مع الجنود في القاعدة الفرنسية، التي تضمّ نحو 1500 فردا، وتعتبر ثاني أكبر تواجد عسكري فرنسي في الخارج.  

أكد ماكرون خلال لقاء الرئيس إسماعيل عمر غيله على أهمية العلاقات الثنائية بين البلدين، والشراكة العسكرية الممتدة منذ عقود، والتي تُوجت بالتوقيع على اتفاقية دفاعية جديدة لمدة عشرين عامًا، في يوليو/ تموز الماضي، خلال زيارة غيله إلى باريس، وبعد عامين من مراجعة الاتفاقية السابقة. وصل ماكرون في محطته الأخيرة إلى العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، وحظي باستقبال حافل من رئيس الوزراء أبي أحمد، كما افتتح الزعيمان القصر الوطني "قصر منليك" بعد تجديده، بمنحة فرنسية قدرها 20 مليون يورو.

تأتي جولة ماكرون في وقت تواجه فيه فرنسا تحديات جمة في وسط وغرب القارة، التي طالما شكلت دولها ساحةً خلفيةً للنفوذ الفرنسي، منذ مرحلة ما بعد الاستقلال. لم يعد بإمكان باريس مواكبة التغيرات الدولية فيما يخص أفريقيا، خاصة مع صعود الصين التي صارت شريكا تجاريا أساسيا لمعظم دول القارة، على حساب الشركاء الغربيين التقليديين. أخذ النفوذ الفرنسي في الانحسار، بدايةً من عام 2020، بعد موجة من الانقلابات العسكرية شهدتها بلدان الساحل والصحراء، بدايةً من مالي ثم بوركينا فاسو والنيجر، فضلًا عن تغيرات سياسية كبيرة في تشاد والسنغال وساحل العاج.

تصاعد الرفض الشعبي في هذه البلدان للوجود الفرنسي، وهو ما استجاب له الحكام الجدد، بقرارات أدت إلى إنهاء الوجود العسكري الفرنسي والغربي فيها، وكانت البداية مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بين عامي 2022 – 2023.  

لم تكد باريس تتدارك ما حدث، حتى فاجأتها تشاد بإعلان تعليق اتفاقية التعاون العسكري، في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لتخسر بهذا واحدة من أهم الحلفاء في وسط القارة. وشهد اليوم ذاته، إعلان رئيس السنغال باسيرو ديوماي فاي رغبته في إغلاق القواعد الفرنسية، التي يتعارض وجودها مع سيادة بلاده، وفق تصريحه.

مغازلة الأنغلوسكسون  

مثّلت التغيرات السابقة إخفاقًا ذريعًا للسياسة الخارجية الفرنسية في مناطق نفوذها التقليدية، في الدول الأفريقية الفرانكوفونية، التي يرى شعوبها أنّ التواجد الفرنسي العسكري الذي طالما دعم الحكام المستبدين، أهم أسباب تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية في بلدانهم، التي تعتبر من بين الدول الأشد فقرًا في القارة.

لا تقتصر التبعات على طرد القوات الفرنسية، بل تمتد إلى مراجعة عقود تجارية وامتيازات تنقيب عن الموارد الطبيعية بين شركات فرنسية وحكومات أفريقية. حلّت روسيا مكان فرنسا في هذه البلدان، من خلال تقديم الدعم العسكري لدول مالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى، ناهيك عن ضخ استثمارات في قطاع الثروات الطبيعية.  

تدرك باريس حاجتها إلى إعداد إستراتيجية جديدة تقطع مع الماضي الاستعماري، وتسعى لنيل قبول بين شعوب هذه الدول. في هذا الصدد، استضافت القمة الأفريقية الفرنسية في 2021، وطرحت محاور للتعاون الثنائي مع دول القارة، لكنها لم تفلح في إيقاف الموجة المعادية لها.

مقابل هذا، حققت باريس حضورًا إيجابيًا في علاقاتها بالدول الأفريقية غير الفرانكوفونية، التي لا يجمعها بهم ماضي استعماري، على غرار موزمبيق التي تعتبر شركة توتال الفرنسية من أكبر المستثمرين فيها ثرواتها الغازية الكبيرة. كما استقبل ماكرون في باريس الرئيس النيجيري في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وبحثا القائدان سبل تعزيز التعاون في مجالات الزراعة والأمن والتعليم والصحة، وإشراك الشباب والابتكار والانتقال الطاقي.

زار ماكرون نيجيريا في 2018، وإثيوبيا في 2019، وجنوب إفريقيا في 2021، واستقبل قادة هذه الدول، كما قام بزيارة ثانية إلى إثيوبيا قبيل عدة أيام. تعتبر الدول الثلاث أكبر دول جنوب الصحراء من حيث الاقتصاد والسكان، وتُصنف نيجيريا وجنوب أفريقيا كدول أنجلوسكسونية، بينما تمتعت إثيوبيا بعلاقات طويلة قوية مع فرنسا، منذ احتلال الأخيرة سواحل جيبوتي قبل أكثر من قرن.

في الوقت الذي تفتقد فرنسا فيه إلى إستراتيجية متكاملة في غرب ووسط القارة، يبدو أنّ لديها إستراتيجية واضحة حيال منطقة المحيطين الهندي والهادي، تم وضعها عام 2018، كما أنّها تتمتع بعضوية كاملة في رابطة بلدان حافة المحيط الهندي، ولجنة المحيط الهندي. لدى فرنسا مصالح عديدة في هذه المنطقة، وتسعى من خلالها إلى الحفاظ على وجودها، وسيادتها الكاملة في جزيرة "لا ريونيون" الواقعة في المحيط الهندي شرق مدغشقر، وتعزيز التعاون الإقليمي مع دول حافة المحيط. كما تعمل على تحفيز اندماج الجزيرة في التعاون الإقليمي لمنطقتي المحيط الهندي والمحيط الهادئ، وتسهيل المبادلات الثنائية، وهو ما يتطلب وجودًا دائمًا وقويًا في جيبوتي.

تنافس في القرن الأفريقي

تشعر فرنسا بالتهديد، مع ازدياد التنافس الصيني والتركي في شرق القارة، حيال وجودها في جيبوتي، التي تمثّل نقطة انطلاق إستراتيجية، تمكنها من التدخل في مناطق نفوذها القديمة في وسط القارة، وتمنحها مرتكزا لحماية تجارتها الدولية مع دول آسيا، التي تمرّ عبر قناة السويس والبحر الأحمر، وكذا تعزيز وجودها في المحيط الهندي.

شهدت علاقات فرنسا مع جيبوتي توترًا مكتومًا خلال العامين الماضيين، اللذين شهدا مراجعة معاهدة التعاون العسكري، والتي على ما يبدو جُددت ضمن صفقة أكبر، تضمنت التعهد بإنشاء مطار جديد، وتعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري. اللافت في زيارة ماكرون لجيبوتي، هو الإعلان عن توقيع اتفاقيتين؛ تتعلق إحداهما ببناء مطار جديد، وهي الخطوة التي ترتبط بتجديد معاهدة التعاون الدفاعي، التي تمنح فرنسا الحق في استخدام المطارات. والثانية حول تطوير وكالة فضاء، وهي اتفاقية تستدعي أخرى مشابهة وقعتها تركيا مع الصومال، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول منافسة فرنسية لتركيا على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي، خاصة أنّ فرنسا تملك برنامجًا متقدمًا للفضاء، كما أنّ جيبوتي لا تملك ما يؤهلها فنيًا وماليًا لمثل هذه الوكالة.

تتصل زيارة إثيوبيا بجيبوتي، حيث يعتمد استقرار الثانية على استقرار الوضع الداخلي في الأولى، وعلاقاتها بالإقليم، خاصة في مسألة الصراع علي السيادة بين الصومال وصوماليلاند، الذين شهدت علاقتهما توترًا كبيرًا في هذا العام، حتى إعلان أنقرة الأخير. تجد فرنسا منافسةً حادة من تركيا في القرن الأفريقي، وهي منطقة نفوذ فرنسية قديمة، من خلال وجودها في جيبوتي، وعلاقاتها القوية بإثيوبيا، كما أنّ الأخيرة تلتقي مع فرنسا والغرب حيال الأزمة السودانية، والوضع في إريتريا.

تستند السياسة الفرنسية تجاه إثيوبيا إلى التعاون في ثلاثة محاور؛ الاقتصاد والثقافة والتعاون العسكري. وقد حقق البلدان الكثير فيما يتعلق بالتعاون الثقافي، حيث قدمت فرنسا منحا مالية لترميم وصيانة العديد من المباني التراثية في إثيوبيا. كما أنّ سفارتها تحتوي مجموعة تضم ثلاثة آلاف قطعة أثرية، تم استخراجها على مدار عقود من عمل البعثات الأثرية الفرنسية، التي تعتبر الأكثر اهتمامًا وخبرةً بالتراث الإنساني في إثيوبيا.  

تسعى فرنسا من خلال الثقافة لتعزيز علاقتها بالحكومة والشعب، لهذا قامت بتسليم أديس أبابا ثلاث قطع أثرية تعود إلى حقبة زمنية تمتد لما بين مليون ومليوني عام في الماضي، قبل أسبوعين من زيارة ماكرون الأخيرة.

أعلن ماكرون في مجال الاقتصاد دعمه الكامل لجهود إعادة هيكلة ديون إثيوبية، التي تُقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار. وسياسيًا، صرح بأنّ بلاده تدعم سعي إثيوبيا للوصول إلى البحر من خلال محادثات تحترم القوانين الدولية والدول المجاورة. تحظى قضية وصول إثيوبيا للبحر باهتمام فرنسا، التي يهمها الحفاظ على مكانة جيبوتي كممر للتجارة الخارجية الإثيوبية، كما أنّها لم تخف رغبتها من الاستفادة من وصول إثيوبيا العسكري إلى البحر الأحمر، من خلال تقديمها تدريبات بحرية لقوات إثيوبية.

لا تملك فرنسا نفوذًا كبيرًا في المنطقة مقارنةً بتركيا، كما أنّها لا تعتبر من الشركاء الأوروبيين البارزين للصومال، وبالتالي فلا تزال تفتقد إلى إستراتيجية واضحة ومتماسكة حيال الإقليم.  

يمكن القول إن فرنسا في القرن الأفريقي تنطلق وفق نهجين؛ الأول تأمين وجودها العسكري في جيبوتي، والذي يكتسب أهمية كبيرة ضمن إستراتيجيتها في المحيطين الهندي والهادي. والثاني، تحقيق مصالح اقتصادية قريبة، مثل الحصول على عقود تجارية كبرى، على غرار صفقة الخطوط الجوية الإثيوبية مع شركة إيرباص الجوية، وغيرها من الصفقات التي تسعى لإبرامها مع واحدة من كبريات دول القارة سكانيًا. من المتوقع أنّ تزدهر علاقات البلدين خلال الأعوام المقبلة، شريطة نجاح إثيوبيا في تخطي الصراعات الداخلية، التي عطلت التنمية في البلاد، وتسببت في تردي علاقاتها مع الدول الغربية، خاصة بعد حرب تيغراي في 2020.