الجمعة 12 ديسمبر 2025
لسببٍ وجيهٍ تُعَدّ الأمُّ رمزًا للعطاء، رمزًا للتفاني، وذلك كونها تستقبل الإنسان في أكثر لحظاته أنانيةً وانطواءً على ذاته. ولو لم يكن لها غيرُ قدرتها على فهم بكاء رضيعها، والتواصل معه بحالته هذه، وفهمِ لغته التي ليس لها - من حيث النبرة - أساسٌ يمكن الاعتمادُ عليه لمحاولة الفهم، لكفاها ذلك. إنّها قدرةٌ خارقة: أن تميّز حاجة الطفل من صراخه، سواء أكانت رغبته في الطعام، أم في النوم، أم غير ذلك. وفي المقابل، هذا يجعل الأطفال أنانيّين بالفطرة، مغرورين بالسليقة ومن دون تكلّف. ورغم ذلك لا نلوم الأطفال، بل نعذرهم كونهم يجهلون الحياة جهلًا مطبقًا؛ نتعاطف معهم - رغم "غرورهم" الشديد مجازًا - ونساعدهم على فهم الحياة التي لا يبدو أنّنا نفهمها حتى بعد كلّ هذه السنين الطوال التي عشناها.
يُحسَب للطفل قدرته على الاعتراف بأنّه واقعٌ في مشكلةٍ كبيرة، كارثةٍ وجوديّة إن صحّ التعبير. وعند الأزمات يلجأ الإنسان إلى التفكير كوسيلةٍ لفهم تداعيات مشكلاته. ولعلّ أوّل مشكلةٍ يعيها الإنسان أنّ الحياة غيرُ مُصمَّمة - وللأسف الشديد - لمراعاة أحدٍ بعينه، مهما كان حسبُه أو نسبُه، أو ظروفُه البيئيّة أو الاجتماعيّة، وأنّ عليه أن يتواصل مع الآخرين إذا أراد أن يستمرّ على قيدِ حياةٍ تستحقّ التمسّك بها. لذلك يكون الطفل أقدرَ البشر على تعلّم اللغة، بوصفها حاجةً مُلِحّةً للتواصل مع الآخرين الذين اكتشف للتوّ أنّ لديهم كيانًا منفصلًا، برغباتٍ مختلفةٍ عن رغباته، بدلًا من الاعتقاد بأنّ الجميع هنا لتلبية رغباته هو.
تتمثّل أُولى الصدمات التي يتعرّض لها الإنسان في اكتشافه أنّ هذا الكائن المتفرّغ لرعايته وإرضاعه وتلبية حاجاته ليس شيئًا من ممتلكاته الخاصّة؛ وذلك حين يراها تُلقِمُ كائنًا آخر الثديَ نفسَه الذي كان يرضع منه آنفًا، لأسباب قد تختلف عن أسبابه. حينها لا يجد بديلًا من اتّخاذ قرارٍ جادٍّ وصادقٍ بمراقبة جميع تفاصيل هذه الحياة المُربِكة بدهشة، وسرعان ما يتوصّل إلى حقيقةِ ضعفه عن النجاة فيها وحيدًا، وأنّ عليه أوّلًا أن يتقن طريقةَ التواصل، وأنّ نجاته مرهونةٌ بذلك. وهذا ليس ما أردت الحديث عنه بالمناسبة، لأنني أحبّ دائمًا أن أمهّد تمهيدًا لما أودّ الحديث عنه. السؤال الذي يقضّ مضجعي ويصبُّ عليَّ الحيرةَ صبًّا هو: ماذا، بحقّ الباذنجان، حدث للإنسان الراشد ليشعر بالحاجة إلى نشر «ستوري» على مواقع التواصل الاجتماعي يكتب فيه، أو يتلفّظ بعبارةٍ مفادُها: «أنا أحبّ نفسي»؟!
حسنًا، لفهم المشكلة بعمق، أعتقد أنّه من الضروريّ جدًّا النظر إلى مسيرة الإنسان منذ عصر ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا. ورغم أنّ ظاهرة «حبّ الذات» المفرطة تبدو ساذجة، إلّا أنّها تبقى مفهومةً في سياق التجربة الإنسانيّة التي بدأت شبهَ فردانيّةٍ حسب الأنثروبولوجيا؛ إذ لم تكن المجتمعات البشريّة قديمًا مجتمعاتٍ اجتماعيّةً بالشكل الذي نألفه اليوم، وإنّما اهتدى الإنسانُ الأوّل إلى حاجته إلى التعاون مع الآخرين بعدما شعر بأنّ الحياة منفردًا تُقَلِّل احتماليّةَ نجاته - إن لم تجعلها مستحيلة. لذلك ابتكر مبدأ التعاون منذ زمن الصيد بالحجر. ولكي يحافظ الإنسان على تجمّعاته تلك، طوّر مفاهيمَ ذاتَ تعقيدٍ مثل: الزواج والأسرة والصداقة وغيرها من المفاهيم التي امتنّ لها شخصيًّا، مرورًا بالثورة الزراعيّة التي راكمت ذلك التعقيد، وأرشدت الإنسان إلى ابتكار مفهومٍ مهمّ هو الدولة، إلى عصرنا الحالي الذي يعيش فيه الإنسان في مدنٍ سامقةِ الأبراج متراميةِ الأطراف لأسبابٍ لم تعد وجيهةً، إذا نظرنا إلى الأمر بعمق؛ ما جعل الإنسانَ المعاصرَ يشعر بالاختناق من اكتظاظ البشر حوله إلى حدّ أنّ عليه أن يصرّح بحبّه لنفسه علنًا.
ماذا حدث للإنسان الراشد ليشعر بالحاجة إلى نشر «ستوري» على مواقع التواصل الاجتماعي يكتب فيه، أو يتلفّظ بعبارةٍ مفادُها: «أنا أحبّ نفسي»؟!
في هذا السياق، يجب استحضار أنّه على المستوى الأدنى من وعينا تعمل أجسادُنا وفق بداهة حبّ الذات: تُصلِح خلايانا مادّتها الوراثيّة تفاديًا للانهيار، وجهازُنا المناعيّ يميّز بلا هوادة بين «نحن» و«غيرِنا» ليحفظ البقاء. هذه الأنانيّة الحيويّة ليست رذيلةً ولا فضيلة؛ إنّها آليّةُ استمرار. لذلك يغدو إعلان «أنا أحبّ نفسي» أقربَ إلى التصريح بأنني «أتنفّس الأوكسجين»: إنّها حقيقةٌ أولى لا تستحقّ زينةَ الشعار بقدر ما تستدعي سؤالًا أشدّ صعوبة: ماذا أفعل بهذا الحبّ أكثر من الإفصاح عنه على مواقع التواصل الاجتماعي؟! بتعبيرٍ آخر: لا يمكن للإنسان إلّا أن يحبّ نفسَه، ولهذا فالسؤالُ الأخلاقيّ ليس "هل أحبّ نفسي؟" بل "كيف أوسّع هذا الحبّ ليشمل غيري؟".
قد يأخذ البعض الأمرَ لأبعد من ذلك، فيجادل بأنّ جميع دوافع الإنسان مردُّها إلى ذات المسألة، وهي حبُّه لذاتِه، حتى عند الانتحار الذي قد يُفهَم على أنّه رغبةُ الإنسان في النجاة بنفسه من قساوة الحياة وحمايتها من الألم، سواء أكان ألمًا جسديًّا أم معنويًّا. ولعلّ من يجادل بذلك يجد في شعر المتنبي المليء بتأمّلاته في النفس البشريّة ودوافعها ما يدعمه، إذ يقول:
أَرى كُلَّنا يَبغي الحَياةَ لِنَفسِهِ .... حَريصًا عَلَيها مُستَهامًا بِها صَبّا
فَحُبُّ الجَبانِ النَفسَ أَورَدَهُ التُقى... وَحُبُّ الشُجاعِ النَفسَ أَورَدَهُ الحَربا
وَيَختَلِفُ الرِزقانِ وَالفِعلُ واحِدٌ... إِلى أَن يُرى إِحسانُ هَذا لِذا ذَنْبًا
قد لا تكون المشكلة في حبّ الذات، بل في تحويله إلى شعارٍ يختزل الأخلاقَ في جملةٍ قابلةٍ للتسويق. حين يُستَخدم حب الذات «Self Love»؛ ذريعةً للتخفّف من المسؤوليّة تجاه الآخرين، أو للهروب من النقد، أو أحيانًا لإيذاء الآخرين، يفقد ذلك الحبّ معناَه. الحبُّ الذي يرقى بالإنسان ليس الانكفاءَ على الذات، بل توسيعَها: أن تتّسعَ لآخرٍ لا يدخل تلقائيًّا في حسابات بقائنا، وأن نصنعَ من غريزة البقاء التزامًا أخلاقيًّا.
حبُّ الذات بهذا المعنى لا يترك للإنسان سوى خيار الانطواء على نفسه، وهو أسلوبُ حياةٍ قد يبدو متّسقًا نظريًّا، لكنّه لا يَعِدُ بالسعادة كذلك. فمن بين كلّ رغبات الإنسان تبقى رغبته في إسعاد نفسِه أهمَّ تجلّيات حبّه لذاتِه. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يستطيع الإنسان أن يبلغَ السعادةَ بالاكتفاء بنفسه وحدها؟
عصرنا الحالي الذي يعيش فيه الإنسان في مدنٍ سامقةِ الأبراج متراميةِ الأطراف لأسبابٍ لم تعد وجيهةً، إذا نظرنا إلى الأمر بعمق؛ ما جعل الإنسانَ المعاصرَ يشعر بالاختناق من اكتظاظ البشر حوله إلى حدّ أنّ عليه أن يصرّح بحبّه لنفسه علنًا
أضِف إلى ذلك وجودَ نمطٍ صارخ يجمع بين الإعجاب بمفهوم «Self-Love» وبين الرغبة في تجاهل القيم المجتمعيّة. وهو أمرٌ لا أجد حرجًا في وصفه بأنّه استجابةُ الإنسان الحديث لضغوط الحياة في المدن الكبرى، بوصفه نزعةَ انفلاتٍ من القيم التي انشغل الإنسانُ ببنائها عبر آلاف السنين، ليضمن بقاءَ الجماعات. غير أنّ هذه القيمَ نفسَها، التي كان يُفترض أن تقومَ بحمايته، تنقلب أحيانًا إلى عبءٍ يعترض طريقَ رفاهِه؛ إذ تتعدّى على خصوصيّات الفرد، وتضيّق على حريّته. هنا يظهر التوتّرُ القديمُ الجديد بين الفرد والمجتمع، بين حاجته للانتماء ورغبته في الاستقلال.
يخلط كثيرٌ من الناس بين حبّ المرء نفسَه وحبّه للآخرين، ويُظَنّ - في كثير من الأحيان - أنّ الأمرين متضادّان. كلا؛ إذ يصعب على المرء أن يحبّ الآخرين ما لم يحبّ نفسَه أوّلًا، مع أنّ ذلك لا يمنعُه من حماية نفسِه من الذين لا يستطيعون التعاطفَ مع الآخرين، أو يتعمّدون إيذاءَهم.
يهب الفنّ الإنسانَ وعيًا بآلامِ الآخرين، ويغذّي رغبتَه الأصيلةَ في الارتقاء أخلاقيًّا. حين يشاهد الإنسانُ آلامَ غيرِه متجسّدةً أمامه ويتأثّر بها، يصبح قادرًا على التعاطف معهم، وبالتالي يكون قادرًا على فهمِهم؛ إذ إنّه من الصعب أن نفهمَ من لا نتعاطف معه
أعتقد أنّ نُبلَ الإنسان يعتمد على قدرتِه على التعاطف مع الآخرين وتحملِ أعبائهم، وبالتالي يكون قادرًا على حبِّ كيانٍ خارجٍ عن كيانِه الذي ألفه منذ أوّلِ لحظةِ إدراك. حبُّ الذات استجابةٌ جبليّةٌ لطبيعة الإنسان البيولوجيّة، وهو فعلٌ يجيده كلُّ كائنٍ حيّ - بما فيها البكتيريا - سهلٌ، ولا يتطلّب عناءً.
أمّا حبُّ الآخرين، فهو استجابةٌ جبليّةٌ لطبيعة الإنسان في البحث عن المعاني السامية، في البحث عن الأخلاق - إن صحّ التعبير - وهي بطبيعتها مُستعصية، تتطلّب جهدًا كبيرًا، وثقةً عاليةً بالنفس، ووعيًا واسعًا؛ وهو ما يمكن وصفُه بنوعٍ من أنواع حبّ الإنسان لذاتِه بطريقةٍ أسمى من الاستجابة اللاإراديّة لطبيعتِه البيولوجيّة.
أجد الفرصة مناسبةً للقول إنّ الفنّ من أنجعِ الحلول لهذه المعضلة؛ إذ يهب الإنسانَ وعيًا بآلامِ الآخرين، ويغذّي رغبتَه الأصيلةَ في الارتقاء أخلاقيًّا. حين يشاهد الإنسانُ آلامَ غيرِه متجسّدةً أمامه ويتأثّر بها، يصبح قادرًا على التعاطف معهم، وبالتالي يكون قادرًا على فهمِهم؛ إذ إنّه من الصعب أن نفهمَ من لا نتعاطف معه. ولو كنّا نمتلك قدرةَ الفهم العميق للآخرين دون الحاجة إلى الشعور بآلامهم، لكان البشرُ قادرين على التعاطف مع الأسماك. وما لم يختبر الإنسانُ الألمَ الناتجَ من الصيد الجارف، لن يجد جدوى من التوقّف عن الصيد كليًّا - أو عن هذا النوع منه بالتحديد.
لذلك أشعرُ بعمقِ أهميّة الفنّ في المجتمعات الحديثة أكثرَ من أيّ وقتٍ سابق. وإذا كان على المرء أن يختار بين شخصين، أحدُهما أقربُ إلى الفنّ من الآخر، أنصح - بإلحاح - بتقفّي أثر الفنّ دائمًا؛ لن تخسر في صحبةِ شخصٍ يحترم معاناةَ الآخرين إلى درجةٍ يخصّص من وقتِه لتلقّيها بوعيٍ يقِظ. وها أنا الآن أسمع صوتًا في داخلي يدفعني إلى استثناء أولئك الذين يشاهدون الأفلامَ من خلال شاشاتِ هواتفِهم الذكيّة.