تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

إغلاق مضيق هرمز يفاقم أزمة المعيشة في الصومال

26 أغسطس, 2026
الصورة
إغلاق مضيق هرمز يفاقم أزمة المعيشة في الصومال
Share

لم يكن كسب العيش سهلًا يومًا على مكو شيخ إساق، التي تبيع المقليات من بسطة متواضعة في حي دركينلي بمقديشو. لكن معاناتها ازدادت بعدما وصلت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، على بُعد آلاف الكيلومترات، إلى الأسواق الصومالية، فرفعت الأسعار وأبعدت الزبائن عن بسطتها.

كان دخل إساق يكفي في السابق لإعالة أسرتها، ويتيح لها بالكاد مساعدة آخرين. لكن إغلاق مضيق هرمز ألحق أضرارًا جسيمة بالصومال، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، ودفع بأشخاص مثلها، ممن كانوا يعيشون أصلًا على هامش الاقتصاد، إلى حافة الانهيار.

في ورقة نُشرت بعد وقت قصير من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط، حذّر مكتب الإحصاء الصومالي من أن البلاد تواجه "صدمة اقتصادية كلية حادة ومتعددة الأبعاد". ففي غضون أيام من اندلاع الحرب، قفزت أسعار الوقود في مقديشو بأكثر من 100٪، وسرعان ما انعكس هذا الارتفاع على أسعار السلع الاستهلاكية.

وضع صندوق النقد الدولي، في تقييمه للتداعيات الإقليمية للحرب، الصومال ضمن مجموعة من البلدان منخفضة الدخل التي تفتقر، بحكم بنيتها الاقتصادية، إلى القدرة على مواجهة هذا النوع من الصدمات التي تضرب سلاسل الإمداد، إلى جانب السودان واليمن وأفغانستان. لا تمتلك اقتصادات هذه البلدان سوى احتياطيات محدودة وهوامش مالية ضيقة، لا تكفي لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والأسمدة على الأسر والشركات. وكما قال مسؤول في وزارة المالية: "لا يملك الصومال أي هامش لامتصاص الصدمات".

تعود شدة تأثر البلاد بالأزمة إلى اعتمادها شبه الكامل على الخارج، إذ يستورد الصومال نحو 90 ٪ من احتياجاته الاستهلاكية. ويمر جزء كبير من هذه التجارة عبر مراكز لوجستية في الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، قبل أن تُنقل البضائع إلى سفن أصغر متجهة إلى الموانئ الصومالية، ومنها: بربرة وبوصاصو ومقديشو.

تكشف بيانات هيئة الجمارك الفيدرالية الصومالية حجم الاضطراب الذي أصاب حركة التجارة؛ فقد انخفضت واردات الغذاء بنسبة 40 ٪ بين فبراير/ شباط ومارس/آذار، بالتزامن مع تراجع حاد في عدد السفن الوافدة إلى موانئ البلاد. وسجّل ميناء بوصاصو، أحد أكثر منافذ دخول البضائع القادمة من الخليج نشاطًا، أكبر انخفاض، إذ تراجع عدد السفن التي رست فيه بنسبة 59٪.

انعكست هذه الاضطرابات مباشرة على مستويات الأسعار. ففي مارس/آذار 2026، قفز معدل التضخم السنوي في الصومال إلى 9.23 ٪، مسجلًا أعلى مستوى له في التاريخ الحديث، قبل أن يستقر نسبيًا منذ ذلك الحين. ويُعزى هذا الارتفاع، جزئيًا على الأقل، إلى تداعيات الحرب في الخليج، وفي مقدمتها إغلاق مضيق هرمز.

يضطر الصوماليون أصلًا إلى دفع تكاليف كل شيء تقريبًا من جيوبهم. فالحكومة لا توفر الرعاية الصحية أو التعليم، ولذلك يمكن حتى للزيادات الطفيفة في الأسعار أن تجعل الحياة أشد صعوبة

تظهر آثار الأزمة بوضوح في حياة إساق اليومية. فقد كانت تعدّ كل صباح، برفقة مجموعة من النساء، ما بين 200 و300 قطعة من السمبوسة وأقراص الباجيا وغيرها من الوجبات الخفيفة المقلية، لبيعها بعد الظهر. أما الآن، فلا تعدّ سوى نصف هذه الكمية تقريبًا، وكثيرًا ما تعجز عن بيع كل ما تحضّره.

توضح إساق: "يعتمد عملي أساسًا على الدقيق والسكر، وقد ارتفع سعرهما كليهما. لذلك أصبحت أعدّ كميات أقل، في وقت يشتري فيه الناس كميات أقل أيضًا، لأنهم لم يعودوا يملكون المال نفسه الذي كان لديهم من قبل". وتضيف: "كل ما نحاوله هذه الأيام هو كسب ما يكفينا لتدبّر أمورنا حتى الصباح".

الجميع يشعر بوطأة الأزمة

ليست إساق وحدها من تكابد هذه الظروف؛ فهي واحدة من ملايين الصوماليين الذين نزحوا هربًا من الجفاف، ومن تمرد حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة في الأرياف، قبل أن يستقروا في مقديشو. ويحاول جيرانها، مثلها، الصمود بتقليص حصص الطعام وقصر مشترياتهم على الضروريات القصوى.

لا يملك تجار الجملة في مقديشو سوى تمرير الزيادة في تكاليفهم إلى المستهلكين. وقال أحدهم، ممن تشكل تجارتهم حلقة وصل بين البضائع الوافدة إلى ميناء مقديشو والمتاجر الصغيرة المنتشرة في أحياء العاصمة، إن سعر كيس السكر بوزن 50 كيلوغرامًا ارتفع من 28 إلى 34 دولارًا، بينما صعد سعر كيس الأرز من 40 إلى 53 دولارًا. أما أسطوانة غاز الطهي، فقد تضاعف سعرها تقريبًا، من 13 إلى 24 دولارًا.

لا تقتصر الأزمة على المواد الغذائية الأساسية. فبحسب صلاح حسن، الذي يدير متجرًا للبقالة في حي ياقشيد، تمر عبر الخليج أيضًا سلع كثيرة لا يستغني عنها المستهلكون الصوماليون. وقال: "لا يتحدث الناس عن الأشياء الأخرى التي نحتاج إليها، مثل الدفاتر والشامبو والصابون والتوابل والشوفان والحليب المجفف". وأضاف: "يعمل كثير من سكان مقديشو بأجر يومي ويعانون الفقر أصلًا، لذا كان وضعهم هشًا منذ البداية. وما يحدث الآن فاقم الضغوط عليهم بشدة".

امتدت تداعيات الغلاء إلى قطاع النقل في مقديشو، الذي يعتمد على أسطول كبير من مركبات التوك توك المملوكة لأفراد. فبعد أكثر بقليل من أسبوعين على اندلاع الحرب في إيران، تجمع عشرات السائقين عند تقاطع «4 كليومترات» وسط المدينة، احتجاجًا على الارتفاع الحاد في أسعار الوقود.

لا يتحدث الناس عن الأشياء الأخرى التي نحتاج إليها، مثل الدفاتر والشامبو والصابون والتوابل والشوفان والحليب المجفف.. يعمل كثير من سكان مقديشو بأجر يومي ويعانون الفقر أصلًا، لذا كان وضعهم هشًا منذ البداية. وما يحدث الآن فاقم الضغوط عليهم بشدة

عادة ما يتحمل السائقون تكلفة استئجار مركباتهم، إلى جانب ضريبة شهرية ومصاريف الوقود. وقال ياسين، البالغ من العمر 22 عامًا، والذي اكتفى بذكر اسمه الأول، إنه يعمل سائق توك توك منذ ثلاثة أعوام، ولا يتراوح صافي دخله اليومي عادة إلا بين أربعة وستة دولارات. وأضاف: "إذا تمكنت من كسب ستة دولارات، فهذا يعني أنك أمضيت يومًا طويلًا في العمل".

كان ياسين، وهو أب لطفلين، قادرًا في السابق على تغطية فاتورة المواد الغذائية الشهرية لأسرته، التي تراوحت بين 80 و100 دولار. أما الآن، فيقول: "أصبحت ألجأ إلى مدخراتي لتغطية مصاريفنا اليومية، ولا أعرف إلى متى سنتمكن من الاستمرار على هذا النحو".

ومع ذلك، قد يبدو اقتصاد مقديشو في بعض أحياء المدينة وكأنه يزدهر. فقد افتُتحت خلال الأشهر الأخيرة مقاهٍ ومطاعم جديدة على امتداد طريق المطار وفي أجزاء من حي المدينة، كما شهدت العاصمة طفرة في أعمال البناء غيّرت ملامح أفقها العمراني.

لكن مقديشو كانت دائمًا مدينة تتجاور فيها الثروة والفاقة على نحو صارخ، ولم تؤدِ الأزمة الراهنة إلا إلى تعميق هذه الفجوة. وبالنسبة إلى سكان الأحياء الأكثر تهميشًا، مثل دركينلي وياقشيد، تبدو المقاهي المكتظة التي لا تبعد عنهم سوى بضعة كيلومترات وكأنها تنتمي إلى عالم آخر.

وفوق ذلك كله، تحملت هذه الأسر خلال العام الماضي صدمات إضافية، من بينها التخفيضات الحادة في المساعدات الأميركية والبريطانية، والأهم من ذلك انهيار الشلن الصومالي.

عملة تتوارى

ظل الاقتصاد الصومالي يعتمد على الدولار منذ وقت طويل، لكن هذا الاتجاه تسارع بصورة لافتة مطلع العام الجاري. ففي أبريل، بدأ التجار في مقديشو يرفضون قبول الشلن الصومالي أو صرفه، رغم أنه ظل متداولًا منذ انهيار الحكومة المركزية في تسعينيات القرن الماضي، من دون طباعة أوراق نقدية جديدة منذ ذلك الحين.

وأعلنت الحكومة أن رفض التعامل بالشلن يُعد جريمة، وكشفت عن خطط لإعادة طرح عملة جديدة، لكن كثيرًا من التجار تمسكوا بموقفهم. وبالنسبة إلى الفئات الأكثر ضعفًا في المدينة، تحول اختفاء الشلن من التداول إلى عبء جديد يُضاف إلى أعبائها المتراكمة.

يشرح شريف نور، وهو ميكانيكي، أثر هذا التحول بقوله إن "بركة الدولار الأميركي قليلة"، إذ لا يتيح شراء ما كان يتيحه الشلن الصومالي، الذي يمكن التعامل به بفئات نقدية أصغر بكثير.

بدوره، قال محمد علي حسين، أحد قادة المجتمع المحلي في شمال مقديشو، إن التخلي عن الشلن أدى إلى استبدال الأسعار المنخفضة المقومة بالعملة المحلية بأسعار محددة بالدولار. وأوضح: "المشتريات الصغيرة التي ربما كانت تكلف في السابق 1,300 شلن، على سبيل المثال، يُقرّب سعرها الآن إلى 50 سنتًا، ما يجعل السلع اليومية أكثر تكلفة".

يعتمد عملي أساسًا على الدقيق والسكر، وقد ارتفع سعرهما كليهما. لذلك أصبحت أعدّ كميات أقل، في وقت يشتري فيه الناس كميات أقل أيضًا، لأنهم لم يعودوا يملكون المال نفسه الذي كان لديهم من قبل

لا يقتصر أثر هذا التحول على ارتفاع الأسعار. فكثير من سكان المدينة يعتمدون على مساعدة الآخرين حين يعجزون عن كسب ما يكفي لتغطية نفقاتهم. لكن تزايد تسعير السلع بالدولار جعل من الصعب تقاسم مبالغ صغيرة أو منح المحتاجين بضعة سنتات فقط.

يقول حسين: "يضطر الصوماليون أصلًا إلى دفع تكاليف كل شيء تقريبًا من جيوبهم. فالحكومة لا توفر الرعاية الصحية أو التعليم، ولذلك يمكن حتى للزيادات الطفيفة في الأسعار أن تجعل الحياة أشد صعوبة".

في الأرياف، تلوح أزمة أخرى لا تقل خطورة. فقد أدى تعاقب أربعة مواسم مطرية فاشلة إلى القضاء على ممتلكات السكان ومصادر رزقهم، ودفع بأكثر من نصف مليون شخص إلى النزوح خلال العام الجاري وحده. ويتجه معظم النازحين إلى مدينة بيدوا في جنوب البلاد أو إلى مقديشو، أملًا في العثور على عمل أو الحصول على مساعدات، رغم التخفيضات الحادة في موازنات العمل الإنساني.

وفي الوقت نفسه، اضطرت وكالات الإغاثة إلى تحمل تكاليف شحن أعلى، بعدما أُعيد توجيه شحنات المواد الغذائية عبر مسارات أطول تلتف حول جنوب أفريقيا، تجنبًا لمضيق باب المندب وممر البحر الأحمر مع اتساع الأزمة في الخليج. وأدى ارتفاع تكاليف النقل إلى تقليص كمية المواد الإغاثية التي تستطيع هذه الوكالات شراءها.

وفي المحصلة، يواجه أكثر من ستة ملايين شخص في أنحاء الصومال نقصًا حادًا في الغذاء. وتُعد مديرية بورهكبا، في إقليم باي جنوبي البلاد، من أكثر المناطق تضررًا، بعدما حذرت وكالات الإغاثة في وقت سابق من العام الجاري من وجود «خطر حقيقي بوقوع المجاعة» فيها.

وقد يتفاقم هذا الخطر أكثر، في ظل مراقبة خبراء الأرصاد ظاهرة إل نينيو التي تشتد بسرعة، ويُتوقع أن تجلب فيضانات شديدة إلى الصومال في وقت لاحق من العام الجاري، لتضيف تهديدًا جديدًا إلى أرياف جرّدها الجفاف بالفعل من مقومات الحياة.