تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

أفول النفوذ الإماراتي في أفريقيا: من ذروة التمدد إلى ضغوط الانحسار

9 أغسطس, 2025
الصورة
أفول النفوذ الإماراتي في أفريقيا: من ذروة التمدد إلى ضغوط الانحسار
Share

بعد عقدٍ من التمدد الاقتصادي والعسكري الذي أوصل النفوذ الإماراتي إلى عمق القارة الأفريقية، من سواحل الأطلسي غربًا إلى موانئ البحر الأحمر شرقًا، بدأت ملامح الانحسار تتبدّى على وقع تحوّلات سياسية وشعبية متسارعة. إذ تواجه أبوظبي اليوم نذر تراجع ملموس، مع تصاعد السخط إزاء أدوارها التي يُنظر إليها في بعض العواصم الأفريقية باعتبارها مطامع مموّهة تحت غطاء التنمية والاستثمار. فقد بدأت عدة حكومات تعيد تقييم علاقاتها بالإمارات، وسط تنامي المخاوف من تغلغل أمني وعسكري يتجاوز حدود الشراكة الاقتصادية التقليدية، ويطرح تساؤلات حول احترام السيادة الوطنية.

أفول نفوذ الإمارات في أفريقيا وسط إلغاءات عقود وتصاعد التوترات

في 4 أغسطس/آب الجاري، ألغت غينيا، امتياز البوكسيت الممنوح لشركة "غينيا ألومينا كوربوريشن" التابعة لشركة الإمارات العالمية للألمنيوم، دون مقابل أو تعويض، ونقلت حقوق التشغيل إلى شركة "نيمبا ماينينغ" المدعومة من الدولة، في خطوة مفاجئة سلّطت الضوء على تصاعد التوترات في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وجاء هذا الإلغاء بعد أشهر من الخلاف بين الطرفين، بدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وأدى إلى تعليق صادرات الشركة من البوكسيت، ووقف عملياتها التعدينية في البلاد.

وجهت الحكومة الغينية اتهامات مباشرة للشركة الإماراتية بخرق قانون التعدين الوطني، ولا سيما بعد فشلها في تقديم خطة واضحة لبناء مصافٍ لتكرير البوكسيت محليًا، وهو مطلب رئيسي ضمن استراتيجية وطنية جديدة، تهدف إلى تحويل غينيا من مجرد مصدر للمواد الخام إلى فاعل صناعي قادر على تطوير سلاسل القيمة المضافة في قطاع التعدين.

الإمارات التي وسّعت نفوذها في القارة عبر الاستثمارات والاتفاقات الأمنية، باتت تواجه ضغوطًا دبلوماسية متصاعدة في عدد من الدول الأفريقية

قبل قرار الإلغاء، كانت شركة غينيا ألومينا كوربوريشن (GAC)، ضمن أكبر المستثمرين في قطاع التعدين الغيني، حيث كانت تدير امتيازًا يمتد على مساحة 690 كلم، يضم نحو 400 مليون طن من احتياطيات البوكسيت، وأسهمت الشركة، بما بين 2٪ إلى 3٪ من الإمدادات العالمية من البوكسيت، ما منحها موقعًا محوريًا في سلاسل التوريد الدولية، وعزّز من نفوذ الإمارات الاقتصادي في غرب أفريقيا. لكن قرار كوناكري بإنهاء الامتياز مثّل ضربة مباشرة لهذا الحضور، وأعاد طرح تساؤلات حول استدامة الاستراتيجية الإماراتية في القارة؟

إلا أن توقيت القرار الغيني لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الإقليمي، إذ يتزامن مع مناخ متوتر، وتزايد الدعوات المحلية في غينيا والدول المجاورة إلى مراجعة العقود الاستثمارية التي وُصفت بـغير المتوازنة مع شركات أجنبية. لكن أبعاد هذا التوتر تتجاوز الجوانب الاقتصادية البحتة؛ فالإمارات، التي وسّعت نفوذها في القارة عبر الاستثمارات والاتفاقات الأمنية، باتت تواجه ضغوطًا دبلوماسية متصاعدة في عدد من الدول الأفريقية. حيث تتنامى بوادر توتر غير مباشر مع قوى إقليمية أخرى في ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي، في ظل تضارب المصالح والنفوذ.

لا تقتصر مؤشرات التراجع الإماراتي في أفريقيا على الساحة الغينية فحسب، بل تمتد لتشمل مناطق استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها السودان. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلنت الحكومة السودانية إلغاء مشروع استثماري ضخم لتطوير ميناء "أبو عمامة" على البحر الأحمر، بلغت قيمته نحو 6 مليارات دولار، وكان من المزمع تنفيذه عبر شراكة بين مجموعة موانئ أبوظبي وشركة "إنفيكتوس" الإماراتية.

يأتي القرار في خضم توتر غير مسبوق في العلاقات بين الخرطوم وأبوظبي، على خلفية اتهامات رسمية من الجانب السوداني للإمارات بدعم قوات الدعم السريع في نزاعها المسلح ضد الجيش السوداني، وهو ما اعتبرته الخرطوم تهديدًا مباشرًا لوحدة البلاد.

تحولات النفوذ الإماراتي تحت ضغط التحالفات الإقليمية

في هذا السياق المتسم بتراجع النفوذ الإماراتي في أفريقيا، وجّه الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله في مايو/أيار 2025 تحذيرًا علنيًا غير مسبوق، محذرًا من ما وصفه بـ"التمدد الإماراتي المموّه" في القارة. واتهم جيله أبوظبي باستخدام أدواتها الاستثمارية، كغطاء لتعزيز طموحاتها العسكرية وتوسيع نفوذها السياسي، معتبرًا أن الحملة الإماراتية التي تُقدّر قيمتها بـ110 مليارات دولار ليست سوى خدعة استراتيجية. تعكس هذه التصريحات تصاعد وعي بعض القادة الأفارقة إزاء الأدوار المتشابكة التي تلعبها الإمارات، وتنامي القلق من تبعات النفوذ الخارجي على سيادة الدول.

شهدت العلاقات بين أبوظبي ومقديشو تصعيدًا غير مسبوق خلال الأشهر الأخيرة، على خلفية ما وصفته مصادر صومالية بمحاولات إماراتية لزعزعة الاستقرار الداخلي

تأتي هذه المواقف الرسمية في جيبوتي امتدادًا لمسار تصادمي طويل مع أبوظبي، بدأ منذ عام 2018 حين أقدمت الحكومة الجيبوتية على تأميم محطة دوراليه للحاويات، التي كانت تديرها شركة موانئ دبي العالمية بموجب عقد امتياز يمتد لـ50 عامًا. وسُلّمت إدارة المحطة لاحقًا إلى شركة "تشاينا ميرشانتس بورت هولدينغز" الصينية، في خطوة مثّلت ضربة مباشرة للطموحات التجارية الإماراتية في واحد من أهم الموانئ على البحر الأحمر. وقد تزامن هذا التحول مع افتتاح منطقة تجارة حرة بقيمة 3.5 مليار دولار لصالح شركات صينية، ما رسّخ الحضور الاقتصادي لبكين في جيبوتي على حساب الحضور الإماراتي.

في منحى متّصل بتراجع الحضور الإماراتي، شهدت العلاقات بين أبوظبي ومقديشو تصعيدًا غير مسبوق خلال الأشهر الأخيرة، على خلفية ما وصفته مصادر صومالية بمحاولات إماراتية لزعزعة الاستقرار الداخلي. فبحسب تقرير لموقع "Somali Guardian"، عرضت أبوظبي دعمًا ماليًا وتسليحيًا لقيادات معارضة بهدف الإطاحة بالرئيس حسن شيخ محمود.

يأتي هذا التصعيد في أعقاب هجوم مسلح استهدف منشأة عسكرية إماراتية في مقديشو عام 2024، أدى إلى مقتل عدد من العسكريين الإماراتيين. ورغم محاولات احتواء الخلاف، اختار الرئيس الصومالي نهجًا مغايرًا تمثّل في تعزيز التقارب مع أطراف إقليمية منافسة، وعلى رأسها قطر والسعودية، ضمن استراتيجية تهدف إلى الحد من التأثير الإماراتي في مفاصل الدولة الصومالية.

في السياق ذاته، شهدت تنزانيا هي الأخرى لحظة توتّر في علاقتها مع الإمارات، حين اضطرت حكومتها عام 2023 إلى التراجع عن تعديلات قانونية، كانت تمهّد لتعزيز امتيازات شركة موانئ دبي العالمية في ميناء دار السلام، وذلك تحت ضغط احتجاجات شعبية وتحركات قانونية داخلية. وقد عكس هذا التراجع تنامي الحساسية الوطنية تجاه الشراكات الخارجية، خصوصًا المرتبطة بالإمارات. لم تكن هذه التطورات منفصلة عن حالة استياء أوسع، إذ تزامن ذلك مع تهجير أكثر من 70 ألفًا من أبناء شعب الماساي من أراضيهم، لتحويلها إلى محمية صيد فاخرة تديرها شركة إماراتية يُعتقد أنها مرتبطة بالعائلة الحاكمة في أبوظبي.

مواجهة صامتة: الجزائر تتحدّى تمدد الإمارات في أفريقيا

يمثّل التوتر المتصاعد بين الجزائر والإمارات محطة بارزة في إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل أفريقيا، إذ تعكس هذه الأزمة سعي الجزائر إلى تكريس حضورها الإقليمي عبر تحركات دبلوماسية وأمنية نشطة في غرب القارة. فبحسب موقع أفريكا نيوز الجزائري، كثّفت الجزائر مساعيها لعرقلة تمدد أبوظبي، من خلال إعادة بناء التحالفات الإقليمية ودعم شركاء جدد على حساب النفوذ الإماراتي المتنامي. كما صعّدت الجزائر من تحركاتها داخل أروقة الاتحاد الأفريقي، بهدف إحباط مساعي الإمارات للانتقال من صفة مراقب إلى شريك دائم، في مؤشر واضح على رغبتها في الحد من حضور أبوظبي داخل المؤسسات القارية.

في مايو/أيار 2025، حاولت الإمارات امتصاص هذا التحوّل عبر جولة دبلوماسية لوزير خارجيتها شملت مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلا أن تقريرًا لموقع " Africa Intelligence" ألقى بظلال من الشك على فعالية هذه التحركات، محذرًا من أن النشاط الدبلوماسي الإماراتي ما زال محاطًا بـغموض استراتيجي، نتيجة التداخل الملتبس بين مبادراتها الإنسانية والاتهامات الضمنية بتغذية صراعات محلية عبر دعم جماعات مسلّحة. وهو ما ساهم، بحسب التقرير، في تآكل الثقة تجاه أبوظبي في بعض عواصم الساحل، التي باتت تتوجّس من تكاليف الاصطفاف ضمن مظلتها السياسية والأمنية.

على الرغم من المؤشرات المتزايدة على انحسار النفوذ الإماراتي في عدد من الساحات الأفريقية، إلا أن الحديث عن انسحاب كامل أو أفول نهائي لا يزال بعيدًا. فلا تزال أبوظبي تحتفظ بموطئ قدم مؤثر في قطاعات استراتيجية كالموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة، كما تحافظ على شبكة تحالفات أمنية وسياسية تتيح لها هامشًا من الحركة في بعض الدول. إلا أن ما يتبدل اليوم هو قواعد اللعبة، حيث تواجه الإمارات واقعًا جديدًا تفرضه التحولات الإقليمية والديناميات الداخلية في القارة، ما يتطلب منها إعادة تموضع حذر يعيد صياغة أدوارها على أسس أكثر شفافية وتوازنًا.