الجمعة 12 ديسمبر 2025
أعاد تولي السيدة نتومبو ناندي ندايتوا، يوم الجمعة الماضي (21 مارس/ آذار)، السلطة في ناميبيا، في مراسيم شهدتها العاصمة ويندهوك بالتزامن مع الذكرى 35 لاستقلال البلاد، النقاش حول حضور المرأة في مراكز المسؤولية والقرار في الدول الأفريقية، بعد فوز المرشحة عن حزب "سوابو" الحاكم، في الجولة الأولى، باستحقاق 27 نوفمبر/ تشرين الثاني، لتصبح أول سيدة ترأس هذه الدولة الحديثة العهد بالاستقلال (1989).
يمثل هذا النقاش فرصة مثالية لمراجعة السردية السائدة حول المرأة الأفريقية، وتصحيح الصورة النمطية التي يُمعن الإعلام الغربي في ترويجها عن القارة. وذلك لأن غياب النساء عن القيادة السياسية للدول وضع عالمي شامل لا يقتصر فقط على أفريقيا، كما تظهر متابعة تنصيب ندايتوا، إذ سبق للأمم المتحدة الاعتراف بأن "الوصول إلى التكافؤ سوف يستغرق أكثر من قرن"، فهناك 19 امرأة رئيسة فقط من أصل 193 دولة يحكمها الرجال.
تغيب أفريقيا، سهوا أو عمدا، عند كل حديث عن تمكين المرأة، ويزداد أكثر عندما يتعلق الأمر بالسياسة، فنسمع في التقارير عن تعاقب خمس نساء على رئاسة دولة سويسرا، وأربع نساء على قيادة فنلندا، وثلاث سيدات على تدبير شؤون كل من بولندا وليتوانيا ونيوزيلاندا وأيسلندا، دون أي ذكر أو إشارة لدولة في أفريقيا لا على سبيل التصريح أو التلميح، وكأن الأفريقيات عاجزة عن الاضطلاع بمثل هذه المهام في أعين الأخريين، ممن كانوا يرون الأفريقي، حتى وقت قريب، إنسانا من الدرجة الثانية.
لم يكن بلوغ المرأة مواقع القيادة في الدول الأفريقية بالأمر الحدَث في القارة، ففي التاريخ الأفريقي الحديث نساء صنعت التاريخ في القارة، بقدرتهن على تحقيق نجاح باهرا في تسيير شؤون دولهم، في محطات فاصلة أحيانا من تاريخ هذه الأقطار. هكذا تصبح دعوات الأمم المتحدة إلى "تغيير صورة القادة في أذهان الشعوب" متجاوزة لدى عدد من شعوب القارة.
تُعد السيدة إلين جونسون سيرليف؛ المتوجة بجائزة للسلام عام 2011، نموذجا عن أولئك النسوة، فقد كان انتخابها بشكل ديمقراطي، في اقتراع عام 2005، سببا في نزع فتيل الحرب الأهلية التي مزقت ليبريا لعقد ونصف من الزمن، وحكمت البلاد لولايتين رئاسيتين متتاليين (2006-2015). وقد فازت في الولاية الثانية، عام 2011، بنسبة 90.7٪ من إجمالي أصوات الناخبين. كما تولت أيضا الرئاسية الدورية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا عام 2016، وتوجهت بجائزة "الإنجاز في القيادة الأفريقية" نتيجة تخليها عن السلطة بعد 12 عاما من الحكم.
فرصة مثالية لمراجعة السردية السائدة حول المرأة الأفريقية، وتصحيح الصورة النمطية التي يُمعن الإعلام الغربي في ترويجها عن القارة. وذلك لأن غياب النساء عن القيادة السياسية للدول وضع عالمي شامل لا يقتصر فقط على أفريقيا
انتخبت الدكتورة أمينة غريب، عام 2015، لتصبح سادس رئيس لجزيرة موريشيوس منذ الانتقال إلى النظام الرئاسي عام 1992، وأول رئيسة جمهورية تعتنق الديانة الإسلامية في بلد يمثل فيه المسلمون أقلية. صحيح أن منصب الرئاسة في الجمهورية رمزي إلى حد كبير، لأن صناعة القرار في يد رئيس الوزراء، لكن المثير في تجربة غريب هو قرارها الاستقالة، في 23 مارس/ آذار 2018، لما فيه "المصلحة العامة" بعد سقوطها في فضيحة مالية، بسبب استخدامها بطاقة مصرفية لمنظمة غير حكومية لشراء مقتنيات خاصة.
اضطلعت كاثرين سامبا بانزا بمهمة قيادة المرحلة الانتقالية في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد انتخابها من المجلس الوطني الانتقالي أغلبية 75 مقابل 53 صوتا، مطلع عام 2014، لتقود البلاد وسط موجة من الاقتتال الطائفي منذ الإطاحة بالرئيس فرانسوا بوزيزيه (2003-2013)، حيث أدارت المحامية وعمدة العاصمة بانغي، غير المنتمية سياسيا لأي حزب سياسي، فترة عصيبة في تاريخ البلد، امتدت حتى مارس/ آذار 2016، نجحت خلالها في الوفاء بكلمتها في البرلمان "اتركوا السلاح جانبا، وغلبوا لغة الحوار".
عودا على ناميبيا التي وضِعت تحت الأضواء هذه الأيام، حيث شغلت السيدة سارا كوغونجيلوا أمادهيلا، على مدار عقد من الزمن، وتحديدا في 21 مارس/ آذار 2015، منصب الوزير الأول في البلاد. وشرقا في دولة موزمبيق، سجلت السياسية لويزا دياس ديوغو حضورا متميزا، استمر ستة أعوام في رئاسة الوزراء، ما بين فبراير/ شباط 2004 ويناير/ تشرين الثاني 2010.
غطت الصراعات والحروب على صفحات مشرقة من تاريخ السياسات في أفريقيا، فلا أحد يتذكر مثلا أن سيدة تدعى إليزابيث دوميتيان تولت، عام 1972، رئاسة الوزراء في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد تعيينها من قبل الرئيس جان بيدل بوكاسا (1966-1979)، حيث صارت نائبة رئيس حزب "حركة التطور الاجتماعي لأفريقيا السوداء" (ميسان). لكنه عاد وعزلها بعد عام وثلاثة أشهر، حسب كتاب "نساء القوة: نصف قرن من الرئيسات ورئيسات الوزراء"، بسبب معارضتها مقترحه تحويل البلاد إلى نظام ملكي.
انتخبت الدكتورة أمينة غريب، عام 2015، لتصبح سادس رئيس لجزيرة موريشيوس منذ الانتقال إلى النظام الرئاسي عام 1992، وأول رئيسة جمهورية تعتنق الديانة الإسلامية في بلد يمثل فيه المسلمون أقلية
نحو الشرق الأفريقي، وتحديدا في بوروندي تمكنت سيلفي كينيغي من قيادة رئاسة الوزراء من يوليو/ تموز 1993 حتى فبراير/ شباط 1994. كما تولت أيضا منصب القائم بأعمال الرئيس في نفس الفترة تقريبا بعد اغتيال ملشيور ندادايي؛ أول رئيس منتخب ديمقراطيا وسط انقلاب عسكري فاشل في أكتوبر/ تشرين الأول 1993. وتبقى المرأة الوحيدة التي شغلت تلك المناصب حتى الأن في التاريخ السياسي للبلد.
في جارتها من جهة الشمالية رواندا، وعن ذات الحقبة تقريبا، سطع اسم أغاتي يوينجلييمانا التي شغلت منصب رئيس الوزراء خلال أحداث الإبادة الجماعية في البلاد، وقتلت في 7 أبريل/ نيسان 1994. يذكر أن رواندا لا تزال إلى اليوم تسجل معدلات مرتفعة لمشاركة النساء في الحياة العامة وصنع القرار؛ فالنسبة تصل إلى 61٪ في البرلمان، وهو أعلى نسبة تثميل نسائي في العالم.
في الشرق دائما، وجدت جويس باندا نفسها رئيسة لمالاوي في 7 أبريل/ نيسان 2012 حتى 31 مايو/أيار 2014، بعد الإعلان عن وفاة الرئيس بينجو وا موثاريكا (2004-2012)، لأنها كانت تشغل منصب نائب الرئيس.
حتى الغابون الذي يستعد بعد أيام لتنظيم محطة انتخابية جديدة، بعد انتهاء موعد المرحلة الانتقالية التي أعقب انقلاب صيف 2023، حكمته امرأة بالنيابة لأكثر من أربعة أشهر. نتحدث عن المحامية والكاتبة روز فرانسين روغومبيه التي أسندت لها رئاسة البلاد عام 2009 لمدة 128 يوما، قبل أن يخلفها الرئيس علي بونغو الذي أطيح به في انقلاب عسكري في 30 أغسطس/ آب 2023.
حاليا، تسعى نسوة في مواقع المسؤولية بأكثر من عاصمة أفريقية لدخول التاريخ، بتسجيل أسمائهن في قائمة الزعماء، في مقدمتهم سامية حسن في رئاسة تنزانيا، منذ مارس/ آذار عام 2021، بعد انتخابها خلفا للرئيس جون ماغولولي عن حزب الثورة؛ ثاني أطول حزب حكم في أفريقيا. وقبلها بأشهر أسندت مهمة رئاسة الوزراء، لأول مرة، لسيدة في التوغو، فمنذ 28 سبتمبر/ أيلول 2020 والسياسة فيكتوار توميغا داغبي ترأس الحكومة في لومي.
دائما عن السياسة بتاء التأنيث في أفريقيا، ومن غرائب الحكم في القارة قصص سيدات أمضين أياما أو ربما ساعات في تدبير شؤون بلدانهم. يظل ما حدث للسيدة إيفي ماتسيبي كاسابوري التي تولت رئاسة البلاد بضع ساعات (14ساعة تحديدا) في جنوب أفريقيا، يوم 24 سبتمبر/ أيلول 2008، بعد استقالة الرئيس ثابو مبيكي بناء على طلب حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، قبل إقدام البرلمان على انتخاب كخاليما موتلانتي بديلا عنها.
وامتدت رئاسة الزعيمة كارمن بيريرا لجمهورية غينيا بيساو يومين فقط؛ 14 إلى 16 مايو/ آيار 1984، قبل استعادة الرئيس جاو برنادو فييرا مقاليد الحكم ليحكم البلاد زهاء 23 عاما، حتى اغتياله على يد عسكريين في مارس/ آذار 2009.
التفاوت قائم بين شعوب القارة بشأن تقبُّل الفكرة، فمنطقة الشرق الأفريقي مثلا أكثر انفتاحا على حضور المرأة في مواقع الزعامة السياسية بالمقارنة مع الغرب الأفريقي أو حتى دول شمال أفريقيا بالرغم من قربها من القارة الأوروبية
قبل إنجاز أمينة غريب في جمهورية موريشيوس، كان للصحفية مونيك أوسان بيلبو حضور ساهم في تهيئة الأجواء لغريب، فبمجرد فوزها بمعقد عن حزب العمال في الانتخابات، عينت نائبة للرئيس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2010. شغلت أوسان وظيفة الرئيس بالنيابة مرتين، إحداهما كانت طويلة ما بين مارس/ آذار ويوليو/ تموز 2012، والأخرى قصيرة لم تتعد ستة أيام من 29 ماليو/ أيار حتى 5 يونيو/ حزيران 2015، بعد استقالة الرئيس كايلاش بورياج.
من إثيوبيا إلى السنغال ومن مالي إلى ساوتومي وتونس وغيرها من الدول كان هناك حضور للمرأة في السياسة، بدرجات تتفاوت حسب السياقات الداخلية والإقليمية وحتى الدولية أحيانا، ما يسقط سردية رائجة عن تواري المرأة عن المشهد السياسي الأفريقي.
صحيح أن التفاوت قائم بين شعوب القارة بشأن تقبُّل الفكرة، فمنطقة الشرق الأفريقي مثلا أكثر انفتاحا على حضور المرأة في مواقع الزعامة السياسية بالمقارنة مع الغرب الأفريقي أو حتى دول شمال أفريقيا بالرغم من قربها من القارة الأوروبية.