السبت 14 مارس 2026
انتهت أشغال قمة مجموعة البريكس التي عقدت تحت شعار "تعزيز تعاون الجنوب العالمي من أجل حوكمة أكثر شمولا واستدامة" في مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل يومي 6 و7 يوليو/ تموز الجاري، ولم ينته السجال الذي رافق القمة؛ فهذه المحطة، اعتبارا للسياق العالمي ولقيادة الدولة المستضيفة، توقع مراقبون أن تبرز فيها معالم صورة التكتل بوصفه صوت الجنوب العالمي.
كما شكل الاهتمام المتزايد للدول الأفريقية بهذا التكتل مدار سجال في الأوساط الإعلامية وبين النخب الأفريقية، فانضمام كل من إثيوبيا ومصر للتكتل بمعية جنوب أفريقيا أول عضو انضم للمجموعة، في القمة الثالثة بالصين في 14 أبريل/ نيسان 2011، والممثل الأول للقارة الأفريقية، سلط الأضواء مجددا عن سؤال تردد طيلة سنوات في الكواليس: "هل يمثل البريكس فرصة حقيقة للقارة الأفريقية؟".
صيف 2023، أعلن أنيل سوكلال مندوب جنوب أفريقيا خلال استعداد بلاده احتضان أطوار القمة 15 للمجموعة، عن رغبة عدد من الدول في الالتحاق بهذا التجمع العالمي، موكدا أن "22 دولة تواصلت رسميا مع دول بريكس لتصبح عضوا بشكل كامل، وهناك عدد مماثل من الدول التي سألت على نحو غير رسمي عن الانضمام للمجموعة".
كانت الدول الأفريقية الأكثر حضورا في هذه القائمة، وإن لم تفلح سوى اثنتين، وكلاهما من شرق القارة (مصر وإثيوبيا)، في نيل بطاقة عضوية "نادي الجنوب العالمي". فيما رفضت بقية الطلبات، بما في ذلك طلبات دول مثل نيجيريا والجزائر التي روجت للموضوع حينها، في وسائل الإعلام الرسمي، واعتبرته أولوية حكومية خلال عام 2023، قبل أن تفاجئ برفض الطلب بمبرر محدودية التنوع الاقتصادي، واعتماد اقتصادها بشكل أساسي على المحروقات.
تواصلت 22 دولة رسميا مع دول بريكس لتصبح عضوا بشكل كامل، وهناك عدد مماثل من الدول التي سألت على نحو غير رسمي عن الانضمام للمجموعة
صونا للثقة التي اعتبرها سوكلال السر وراء الاهتمام المتزايد بتكتل البريكس، أنشأت المجموعة ما يعرف ب "نادي الشركاء"، الذي كان من بنات أفكار الزعيم الروسي فلاديمير بوتين في قمة قازان (2024)، وهو ترتيب غير رسمي يضم دولا (الجزائر ونيجيريا وأوغندا...) تبقى مرشحة للالتحاق مستقبلا، ينظر إليها حاليا في المرحلة التمهيدية، في انتظار توفر بقية الشروط اللازمة لنيل العضوية الكاملة.
سبق لوزير الخارجية الأوغندي، هنري أوكيلو أوريم، شهر يناير/ كانون الثاني الماضي التعليق على موضوع الانضمام إلى البريكس، معتبرا أن المسألة وثيقة الصلة بقرار الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تجميد أصول دول أفريقية، مؤكدا أن احترام السيادة من المبادئ الجاذبة في التكتل.
بدورها تحدثت وزيرة الخارجية السنغالية ياسين فال، شهر أبريل/ نيسان الماضي، وفق تقرير لموقع "ذا أفريكا ريبورت" عن أن بلادها تجري محادثات للانضمام إلى البريكس؛ الذي تعتبر التكتل البديل الجيد لدول الجنوب. فقد كانت السنغال من أوائل الدول التي أشادت بإنشاء المجموعة، بحسب ممثل الدبلوماسية السنغالية، التي تعتبر أن بإمكان انضمام بلادها أن يضيف شيئا إلى هذه المجموعة.
شارك في قمة البرازيل 20 دولة أفريقية، منها أعضاء دائمون، وشركاء ضمن إطار المجموعة التي تسعى إلى ضمّ بعض القوى الاقتصادية الناشئة. وتبقى دوافع هذه البلدان وراء الرغبة في الالتحاق بهذا التكتل الاقتصادي متعددة، بين من ترى فيه مدخلا لتنويع الشركاء التجاريين بعيدا عن "الاستنزاف" الغربي، ومن تعتبره منفذا جديدا إلى التمويل من خلال "بنك التنمية الجديد" (NDB) الذي تأسس عام 2015.
أجمع وزراء مالية التكتل، لأول مرة في تاريخ المجموعة، على هامش اجتماعهم بالبرازيل على ضرورة إصلاح صندوق النقد الدولي، بما في ذلك توزيع جديد لحقوق التصويت وإنهاء الهيمنة الأوروبية على الصندوق. وجاء البيان صريحا بتأكيده على أنه "يجب أن تعكس إعادة تنظيم الحصص المراكز النسبية للأعضاء في الاقتصاد العالمي مع حماية حصص الأعضاء الأكثر فقرا".
وأضاف البيان في فقرة كاشفة عن رغبة التكتل مراجعة النظام المالي العالمي "مع الاحترام الكامل لعملية الاختيار على أساس الجدارة، يجب تعزيز التمثيل الإقليمي في إدارة صندوق النقد الدولي، وتجاوز الاتفاق الودي الذي جرى التوصل إليه بعد الحرب العالمية الثانية والذي عفا عليه الزمن، ولا يتناسب مع النظام العالمي الحالي". كما اتفق المشاركون على دعم هذا الاقتراح في الاجتماع المقبل لصندوق حول تغيير نظام الحصص مطلع شهر ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
واضح أن البريكس تراهن ثقل الدول الأفريقية (إثيوبيا ومصر ونيجيريا وأوغندا والجزائر...) من أجل الدفع نحو تغيير موازين القوى داخل المعسكر الغربي، مستفيدة من التجربة الروسية في الحرب الأوكرانية
كانت كلمة رئيس نيجيريا بولا أحمد تينوبو لافتة في القمة، مع غياب الزعيمين الروسي بسبب مذكرة الملاحقة، والصيني الذي يغيب لأول مرة منذ 12 عاما عن القمة، حيث دعا القائد الأفريقي الذي أعلن عن انضمام بلاده للمجموعة لتكون تاسع عضو شريك، إلى إعادة تقييم الأنظمة المالية العالمية وبرامج الرعاية الصحية، مطالبا بمزيد من الانصاف مع الاقتصادات الناشئة والمنخفضة الدخل، لا سميا في القارة الأفريقية.
واضح أن البريكس تراهن ثقل الدول الأفريقية (إثيوبيا ومصر ونيجيريا وأوغندا والجزائر...) من أجل الدفع نحو تغيير موازين القوى داخل المعسكر الغربي، مستفيدة من التجربة الروسية في الحرب الأوكرانية، حيث نجحت في شق الموقف العالمي حيال الحرب هناك داخل أروقة الأمم المتحدة، معتمدا بالدرجة الأولى على الأصوات الأفريقية.
رهان كبير لم يوازه اهتمام من لدن البريكس بالقارة الأفريقية، فالظاهر أن التجمع يرى في دول أفريقيا تكتلا يمنحها شرعية الحديث باسمه في المحافل الدولية، وخزانا للتصويت داخل أورقة المؤسسات الأممية لتوجيه القرار لصالحها، واستعراض الثقل العالمي بالأرقام الديمغرافية (49٪ من سكان العالم) والمؤشرات الاقتصادية (39٪ من الناتج المحلي العالمي) عند مقارنة نفسها بمجموعة السبع (G7) أو تجمع العشرين (G20).
ذلك ما تؤكد العديد من المؤشرات، خذ مثلا استثمارات البنك التي تعدت 40 مليار دولار في أكثر من 120 مشروعا في مناطق مختلفة في العالم، لكن الملفت أن البنك، وبعد مضي عشر سنوات على إحداثه، لم يقدم على تمويل أي مشروع أفريقي حتى الآن.
تحاول نخب أفريقية استعادة التاريخ من خلال مقارنة تكتل البريكس بحركة عدم الانحياز خلال الحرب الباردة، والتي كان فيها للزعماء الأفارقة (عبد الناصر ونكروما وسيكوتوري وسانكارا...) دور بارز حينها، لكن لا مقارنة مع وجود الفارق من حيث الزمن والسياق والكثير من التفاصيل الأخرى، فعدم الانحياز اختارت الحياد بين المعسكرين الشرقي والغربي، فيما البريكس تقدم نفسها اليوم بديلا يسعى لفرض توازن عالمي جديد، ولما لا إرغام الولايات المتحدة الأمريكية على تقاسم قمرة القيادة.
كما أن مساعي التوسع مهما بلغت ستبقى محدودة الأثر ما لم يواجه تكتل البريكس التحديات الداخلية والمؤسساتية التي تحول دون قدرته على مناكفة الولايات المتحدة، فالخلافات على أشدها بين أعضائه، حتى إن البعض تحدث عن أقطاب داخل التكتل. فشهر أبريل/ نسيان الماضي مثلا انتهى اجتماع وزراء خارجية البريكس دون بيان ختامي بسبب خلافات بين الدول، لا سيما الأفريقية حول إصلاح مجلس الأمن الدولي.
أضف إلى ذلك الخلافات الحادة بين الأعضاء بشأن أولويات التكتل جيوسياسية أم اقتصادية، فالصين وروسيا وإيران مثلا تدفع نحو جعل تحويل البريكس إلى ثقل موازن للهيمنة الغربية، فيما تعطي الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا الأولوية للتعاون الاقتصادي على المواهة الجيوسياسية، ما يجعل الانقسام على أشده حيال وجهة البوصلة التي تسير على هديها البوصلة في المستقبل.
عدم الانحياز اختارت الحياد بين المعسكرين الشرقي والغربي، فيما البريكس تقدم نفسها اليوم بديلا يسعى لفرض توازن عالمي جديد، ولما لا إرغام الولايات المتحدة الأمريكية على تقاسم قمرة القيادة
يظهر أن تكتل البريكس غير مستعد للمواجهة حتى الآن، فتحركات التكتل لا تزال في هوامش المسموح به أمريكيا، كما جاء على لسان ديلما روسيف التي تتولى رئاسة مصرف بريكس، تعليقا على السعي نحو استبدال الدولار بأنها "لا ترى أي إمكانية لتحقيق ذلك"، مضيفة "اليوم، ليس هناك من يريد الاضطلاع بموقع الولايات المتحدة".
واضح أن المسؤولية المالية في التكتل تأخذ على محمل الجد تهديدات الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100٪ على الدول التي تتحدى هيمنة العملة الأمريكية، حيث قال في منشور له على موقع تروث سوشيال إن "أي دولة تنحاز إلى السياسات المعادية للولايات المتحدة الأميركية لمجموعة بريكس ستفرض عليها رسوم جمركية إضافية".
لكل ذلك لا يجب للدول الأفريقية الرهان كثيرا على تكتل البريكس للتخلص من الهيمنة الغربية، فالحسابات في غاية التعقيد داخل بين مكونات التكتل. فضلا عن بقائه أسير الهيمنة الاقتصادية لثنائي الصين والهند، رأس حربة المجموعة، ما يجعل الأفارقة والحالة هذه يستبدلون هيمنة بأخرى دون أي تحرر يذكر.
ما يعني أن الرهان ينبغي أن يكون على البيت الداخلي، فلا خيار أمام الأفارقة لإسماع صوت أفريقيا إلى العالم سوى مؤسسات وهياكل الاتحاد الأفريقية. هذا هو التحدي الذي يكتسي طابع الاستعجال ويجب على دول أفريقيا الاشتغال عليه، فالانتماء القاري وحده وفقط من بمقدوره أن يوحد الأهداف والاستراتيجيات والخطط بين دول القارة، لذا وجب الاستثمار فيه حتى لا يخلف الأفارقة الموعد مع التاريخ وتكون أفريقيا فعلا قارة المستقبل.