تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 10 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

أفريقيا وتحولات النظام الدولي: قراءة نقدية في تمثيل "الهامش" في ظل الصراع على النفوذ العالمي

18 فبراير, 2026
الصورة
أفريقيا وتحولات النظام الدولي: قراءة نقدية في تمثيل "الهامش" في ظل الصراع على النفوذ العالمي
Share

شهد العقد الأخير تحولا ملحوظا في مقاربات تحليل الجنوب العالمي، حيث انتقلت الأدبيات من سرديات التبعية والهامشية إلى مفاهيم الفاعلية والمرونة الاستراتيجية. في هذا السياق يندرج كتاب "ظل القيصر: الدول الصغيرة في زمن الصراع الدولي"، والصادر فبراير/شباط 2026 عن مركز الجزيرة للدراسات لصاحبه عبد الله راشد المرسل، الذي يسعى إلى تفسير تحولات النظام الدولي بوصفه فضاء متعدد الأقطاب يتيح للدول الصغيرة والهامشية فرصا جديدة للمناورة والتفاوض.

يحتل الفصل الخامس من الكتاب، المعنون "أفريقيا: صراع على النفوذ في القارة المنسية"، موقعا مركزيا في أطروحته، إذ يقدم القارة الأفريقية مختبرا رئيسا لفهم تحولات "دول الهامش" في عالم متصدع، وإن شئت قل مختل التوازنات.

تهدف هذه القراءة النقدية العجلى إلى تحليل تمثيل أفريقيا في الكتاب، وتقويم بنيته التفسيرية، وبيان حدود المقاربة الجيوسياسية التي يعتمدها، مع إعادة تأطير الظواهر الأفريقية ضمن اقتصادها السياسي وتاريخها الاجتماعي الداخلي.

أفريقيا بوصفها فضاء جيوسياسيا: قوة المقاربة وحدودها

ينطلق الكتاب من فرضية أن أفريقيا أصبحت ساحة رئيسة للتنافس الدولي بين قوى متعددة، خاصة بعد تراجع الهيمنة الغربية التقليدية، وصعود فاعلين جدد مثل روسيا والصين. ويحشد الفصل المذكور أدلة متعددة على ذلك، منها تآكل النفوذ الفرنسي في الساحل، وتوسع الشركات الأمنية الروسية، وتزايد التنافس على الموارد الطبيعية.

الدولة في الساحل تعاني منذ عقود من ضعف بنيوي يتمثل في هشاشة المؤسسات، وتفكك العقد الاجتماعي، وانتشار الاقتصاد غير الرسمي، وتهميش الأطراف الإثنية

تمثل هذه القراءة الجيوسياسية نقطة قوة في الكتاب، لأنها تعيد إدماج أفريقيا في تحليل النظام الدولي بعد عقود من التهميش النظري. فقد أظهرت دراسات العلاقات الدولية طويلا ميلا إلى تجاهل أفريقيا بوصفها هامشا غير مؤثر، بينما يعيد الكتاب وضعها في قلب التحولات العالمية.

غير أن هذه المقاربة، رغم أهميتها، تعاني من اختزال واضح يتمثل في تفسير التحولات الأفريقية أساسا عبر التنافس بين القوى الكبرى. فأفريقيا تظهر في الفصل بوصفها مسرحا للصراع الدولي أكثر منها نظاما اجتماعياً وسياسيا معقدا يمتلك دينامياته الخاصة. وهذا النمط التحليلي يعيد إنتاج ما يسميه فريدريك كوبر في كتابه "أفريقيا منذ 1940" ب"النظرة الخارجية لأفريقيا" التي تفسر القارة من خلال علاقتها بالقوى العالمية أكثر من تحليل بنيتها الداخلية.

الساحل الأفريقي: بين الجيوبوليتيك وانهيار الدولة

يخصص الكتاب حيزاً مهما لمنطقة الساحل، خاصة مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ويربط تآكل النفوذ الفرنسي هناك بصعود مشاعر الرفض الشعبي والتوجه نحو شركاء بديلين. ويقدم هذا التحليل تفسيرا مقنعا جزئيا للتحولات السياسية في المنطقة، خصوصا من حيث دور الذاكرة الاستعمارية، وتراجع الثقة في الشراكات الأمنية الغربية.

نمط تحليلي يعيد إنتاج ما يسميه فريدريك كوبر في كتاب "أفريقيا منذ 1940" ب"النظرة الخارجية لأفريقيا" التي تفسر القارة من خلال علاقتها بالقوى العالمية أكثر من تحليل بنيتها الداخلية

لكن المشكلة المنهجية الأساسية في هذا الجزء تكمن في تفسير أزمة الساحل بوصفها نتيجة للتنافس الدولي، بينما تشير الأدبيات الأفريقية إلى أن جذور الأزمة أعمق بكثير. فالدولة في الساحل تعاني منذ عقود من ضعف بنيوي يتمثل في هشاشة المؤسسات، وتفكك العقد الاجتماعي، وانتشار الاقتصاد غير الرسمي، وتهميش الأطراف الإثنية.

بذلك، فإن النفوذ الروسي أو تراجع النفوذ الفرنسي ليسا سبب الأزمة بل نتيجة لها. فالفراغ الأمني والسياسي هو الذي سمح بظهور فاعلين جدد، وليس العكس. إن تجاهل هذه الحقيقة يقود إلى تفسير أحادي البعد للأزمة، يركز على القوى الخارجية ويهمّش العوامل الداخلية التي تشكل جوهر التحولات الساحلية.

الشركات الأمنية الروسية: أداة نفوذ أم عرض لأزمة بنيوية؟

يعالج الكتاب توسع مجموعة فاغنر في أفريقيا بوصفه أداة استراتيجية روسية للنفوذ، مقابل امتيازات في الموارد الطبيعية. وهذه القراءة صحيحة في مستوى العلاقات الدولية، لكنها تبقى قاصرة في المستوى البنيوي.

فالانتشار الواسع للشركات الأمنية الخاصة في أفريقيا يعكس ظاهرة أعمق هي خصخصة الأمن، وهي سمة مميزة للدول الهشة. ففي سياقات ضعف الدولة، تتحول الحماية الأمنية إلى سلعة يمكن شراؤها، وتظهر فاعليات مسلحة غير حكومية محلية أو أجنبية. وقد وصف أشيل مبيمبي هذا التحول بأنه انتقال من "الدولة السيادية" إلى "اقتصاد العنف" في أفريقيا ما بعد الاستعمار.

من هذا المنظور، فإن فاغنر ليس فقط أداة روسية، وإنما تعبير عن بنية سياسية أفريقية تعاني من تآكل السيادة. ومن ثم فإن تفسير الظاهرة حصراً ضمن الصراع الدولي يغفل جذورها المحلية العميقة.

رواندا وكينيا: إشكالية نموذج "الدولة البراغماتية"

يقدم الكتاب رواندا وكينيا بوصفهما نموذجين لدول أفريقية صغيرة استطاعت بناء قدرات ذاتية وتحالفات مرنة في نظام متعدد الأقطاب. وتبرز رواندا خصوصا بوصفها دولة تحولت من صراع دموي إلى قوة إقليمية ذات دبلوماسية نشطة وجيش منضبط.

يبقى التحليل تقليديا، لأنه يركز على القوى الكبرى المتنافسة أكثر مما يدرس الوكالة الاقتصادية الأفريقية نفسها. فلا يناقش مثلا سياسات التعدين الوطنية، أو قدرة الدول على التفاوض حول العقود، أو دور الشركات الأفريقية، أو تكوّن الرأسمال المحلي

يمثل هذا الطرح محاولة مهمة لتجاوز الصورة النمطية لأفريقيا كقارة فاشلة، لكنه يثير إشكالية معيارية. فالكتاب يقيس نجاح الدول أساسا بقدرتها على المناورة الدولية، متجاهلا طبيعة أنظمتها السياسية الداخلية. ففي حالة رواندا، يغيب النقاش حول السلطوية السياسية وتقييد الحريات، كما يغيب دور تدخلها العسكري في شرق الكونغو الديمقراطية.

أما كينيا فتُعرض كنموذج براغماتي ناجح، دون مناقشة الفوارق الاجتماعية العميقة والعنف الانتخابي المتكرر، أو سيطرة النخب الاقتصادية. وهنا يظهر الخلل المفهومي في الكتاب: الخلط بين النجاح الجيوسياسي والنجاح التنموي أو الديمقراطي. فالقدرة على المناورة الدولية لا تعني بالضرورة جودة الدولة داخلياً.

التنافس على الموارد: أفريقيا ساحة أم فاعل؟

يعرض الكتاب التنافس الدولي على الموارد الأفريقية بوصفه سمة رئيسة للتحولات الجيوسياسية، ويرى أن الدول الأفريقية تحاول استثمار هذا التنافس لتعزيز سيادتها. وهذه فكرة مهمة لأنها تمنح أفريقيا قدرا من الفاعلية في النظام الدولي.

غير أن التحليل يبقى تقليديا، لأنه يركز على القوى الكبرى المتنافسة أكثر مما يدرس الوكالة الاقتصادية الأفريقية نفسها. فلا يناقش مثلا سياسات التعدين الوطنية، أو قدرة الدول على التفاوض حول العقود، أو دور الشركات الأفريقية، أو تكوّن الرأسمال المحلي. وبهذا تبقى أفريقيا في السردية مجالا للموارد لا اقتصادا سياسيا فاعلا.

أفريقيا بين التفسير الخارجي والواقع الداخلي

في الختام، يمكن القول إن الكتاب لا عجب يقدم إسهاما مهما في إعادة إدماج القارة ضمن تحليل تحولات النظام الدولي، ويبرز بوضوح تعددية الشركاء وتآكل الهيمنة الغربية. غير أن المقاربة التي يعتمدها تبقى جيوسياسية في جوهرها، إذ تفسر أفريقيا أساسا من خلال التنافس بين القوى الكبرى، بينما تهمّش الديناميات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الداخلية.

إن التحولات الأفريقية المعاصرة لا يمكن فهمها دون دمج ثلاث طبقات تحليلية مترابطة:

  1. طبقة دولية تتعلق بالتنافس الجيوسياسي؛

  2. طبقة إقليمية تتعلق بهشاشة الدولة والعنف؛

  3. طبقة محلية تتعلق بالاقتصاد السياسي والمجتمع.

يركز الكتاب على الطبقة الأولى، بينما يهمّش الثانية والثالثة، مما يجعل تفسيره ناقصا رغم أهميته. وبذلك يمكن القول إن الكتاب ينجح في تفسير "أفريقيا في النظام الدولي"، لكنه أقل نجاحا في تفسير "أفريقيا في ذاتها". وهذه المفارقة تمثل أحد التحديات الدائمة في دراسات القارة: الانتقال من رؤية أفريقيا بوصفها ساحة صراع عالمي إلى فهمها بوصفها نظاما تاريخيا واجتماعيا مستقلا.