الجمعة 17 أبريل 2026
انضم الاتحاد الأفريقي إلى دعوة منظمات مدنية مثل: "Africa No Filter" (أفريقيا بلا تنميط) و"Speak Up Africa" (تحدث لأجل أفريقيا) إلى حملة "صححوا الخريطة" المطالبة باستبدال خريطة جيرارد ميركاتور (1512-1594) التاريخية التي تعود إلى القرن 16، بخرائط حديثة من قبيل خريطة "الأرض المتساوية" (Equal Earth Projection) التي وضعت عام 2018.
يستند هذا المطلب إلى التحريف الذي شاب خريطة ميركاتور عند تمثيل القارة الأفريقية، عن قصد أو بدونه لا فرق مادام النتيجة واحدة، مادمت تكرس صورة نمطية عن أفريقيا بتقزيمها، وترسيخ الانطباع بأنها قارة هامشية في العالم. لقد آن أوان إلغاء "خريطة العالم الكاذبة" بوضع حد لسردية عمرت مئات السنين، تسوق أفريقيا قارة للفقر والجوع والصراع و"التوحش".
على هذا الأساس يتبنى الاتحاد الأفريقي حملة "Correct_the_MAP#"، فالخرائط وإن بدت - في الأصل - مجرد أدوات لتحديد الاتجاهات، فإنها كذلك أدوات لتشكيل المخيال العالمي، وترويج تصورات عن المركز والهامش، وعن الشمال والجنوب، وعن مواقع القوة والنفوذ في المسرح العالمي.
قد يبدو المطلب بالنسبة للكثيرين رمزيا جدا، فأي تأثير يتوقع أن يحدثه تصحيح فني وتقني على أرض الواقع، لكن المسألة حتما خلاف ذلك. فخلف الخريطة أبعاد ودلالات رمزية تتعدى حدود الخطوط والألوان والسلم والمفتاح على الورق، فخريطة ميركاتور السائدة لأكثر من أربعة قرون كرست رؤية للعالم، تمثل انعكاسا مباشرا لبنية القوة الاستعمارية. وهذا ما ظهر في الانكماش البصري الذي لحق توطين القارة على الخريطة، حتى بدت مجرد هامش جغرافي بلا تأثير.
وهذا ما أكدته سلمى مليكة حدادي، نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، بتاريخ 15 أغسطس/ آب الجاري، في تصريح لوكالة رويترز بقولها: "لا يتعلق الأمر بمجرد خريطة، بل بصورة ذهنية ترسخت لعقود"، مضيفة أن الخريطة الحالية تضخم حجم المناطق القريبة من القطبين مثل أمريكا الشمالية غرينلاند مقابل تقليص مساحة أفريقيا، ما يعطي الانطباع بأن القارة صغيرة وهامشية، بالرغم من كونها ثاني أكبر قارة من حيث المساحة بإجمالي ساكنة تقدر بنحو 1,55 مليار نسمة، وفقا لتقديرات موقع Worldometer، ما يمثل حوالي 18,83٪ من إجمالي سكان العالم.
اعتبرت النيجرية موكي ماكورا، المديرة التنفيذية لمجموعة "Africa No Filter"؛ الهيئة التي تولت الترافع عن الفكرة في المحافل الدولية، من جهتها أن "الحجم الحالي لأفريقيا على الخريطة خاطئ، إنها أطول حملة تضليل ومعلومات مغلوطة في التاريخ، ويجب أن تتوقف".
لا تقل معركة تصحيح الخريطة التي فتحها الاتحاد الأفريقي، بمعية هذه الهيئات المدنية، عن سابقتها بشأن معركة العدالة والتعويضات عن زمن الاستعمار، التي أطلقها على هامش انعقاد قمة الأخيرة للاتحاد شهر فبراير/ شباط الماضي، فمن شأن إعادة كتابة جزء من الذاكرة بلغة بصرية جديدة، أن يظهر أفريقيا للعالم على حقيقتها، وليس بتلك الصورة الخاطئة التي روجتها عنها لمئات السنين في سياق ما عُرف عبر التاريخ ب "البروباغاندا الخرائطية"، التي أفردت لها جامعة كورنل إصدارا خاصا، تمثلت في موسوعة تضم 800 خريطة للبروباغاندا.
تتعدى المسألة مجرد تصحيح رمزي لمعطيات جغرافية في للخريطة نحو موقف سياسي أفريقي، غايته إعادة الاعتبار للقارة الأفريقي في الوعي العالمي. فتصحيح الخريطة فعل رمزي يعيد تشكيل السردية بإسقاط الأوهام والتمثيل المجحف الذي تأصًل مع خريطة مركاتور.
عام 1569، ابتكر الجغرافي البلجيكي ميركاتور خريطة تحمل اسمه باعتماد طريقة الإسقاط الميركاتوري، وذلك من أجل تسهيل حركة الملاحة البحرية الأوروبية زمن التوسع الاستعماري. لكنها لم تكن دقيقة بما يكفي، فالتشوه البصري الذي شاب الخريطة يظهر أحجام القارات بشكل غير متوازن. فالمساحة في هذه الخريطة تكبر كلما ابتعدت عن خط الاستواء، ما يجعل أفريقيا أصغر بكثير من حجمها الفعلي، في المقابل تظهر غرينلاند بحجم يقارب حجم القارة، بخلاف الواقع حيث أفريقيا أكبر منها 14 مرة.
يظهر التحجيم الاستعماري لأفريقيا بوضوح عند مقارنتها على الخريطة مع مناطق أخرى، فمثلا أفريقيا أكبر، وبفارق كبير، من أمريكا الشمالية، لكن الخريطة تظهر العكس تماما. يتكرر الأمر ذاته في روسيا التي تظهر أكبر من أفريقيا، عكس الواقع حيث تعادل روسيا نصف مساحة أفريقيا فقط. وتبدو أوروبا في الخريطة على مساحة ضخمة، بل إن صاحب الخريطة، وبحكم الانتماء، يضع أوروبا قريبة من منتصف العالم تقريبا.
رحلة البحث عن خريطة جديدة، وبالرغم من طابعها الرمزي، تبقى شاقة وعسيرة، لأنها جزء من معركة أوسع لإعادة صياغة سردية عن الذات بعد قرون من التعبية والخضوع
يشدد أصحاب حملة "صححوا الخريطة" على تحيز ميركاتور الواضح، بوعي أو بدونه، عند رسم أفريقيا على الخريطة، فالقارة التي تظهر صغيرة الحجم في الخريطة من الممكن أن تتسع أراضيها لكل من الولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك. تقزيم كبير يؤكد أن الأمر يتجاوز حدود الخطأ في التمثيل الذي قد يشوب عملية الإسقاط.
سبق للخرائطي الألماني أرنو بيترز أن فتح، أواسط عقد السبعينيات، هذا النقاش بإثارة أسئلة – لا تزال معلقة - حول دقة التمثيل الخرائطي للدول، محذرا من أن إسقاط ميركاتور يحمل درجة من التحيز في نظرته إلى العالم، بإبراز حجم البلدان الواقعة على خطوط العرض الشمالية مقابل تجاهل تلك القريبة من خط الاستواء.
حاول الجغرافي الأمريكي مارك مونمونير التفاعل مع تلك الأسئلة، بتقديم تبرير "علمي" لأخطاء ميركاتور من خلال تأكيده أنه "لنقل صورة عالم معقد ثلاثي الأبعاد إلى ورقة مسطحة أو شاشة فيديو، يجب أن تشوه الخريطة الواقع، فلا مفر من التناقض الخرائطي: لتقديم صورة مفيدة وصادقة، يجب أن تعطينا الخريطة الدقيقة كذبة بيضاء". لكن هل الأمر فعلا كذبة بيضاء؟ ولماذا يطال التشويه دوما الجنوب على الخريطة دون الشمال؟
يبدو أن الأفارقة عازمون على تصحيح هذه "الكذبة البيضاء"، بتبني الاتحاد الأفريقي رسميا للحملة الداعية إلى تصحيح الخريطة أو التشويه الرمزي لتمثيل أفريقيا لعدة قرون. فإعادة رسم الخريطة يتعدى الجانب الرمزي نحو إسقاط السردية الاستعمارية، بإعلان رغبة أفريقيا في صياغة مكانة تليق بهذه القارة؛ صاحبة أسرع المجتمعات نموا في العالم، والمخزون الأول للعالم في الثروات البشرية والطاقية والمعدنية...
لقد حان وقت أفريقيا لتقدم روايتها الخاصة، وتعيد تعريف الذات أمام النفس وأمام الأخرين، فجانب كبير من المعارك الدائرة على مسرح الأحداث العالمي رمزية، لكن تلك الرمزية تحول إلى رصيد دبلوماسي وثقافي يمكن استثماره في أكثر من صعيد؛ دبلوماسي واقتصادي وغيرهما.
من شأن إعادة كتابة جزء من الذاكرة بلغة بصرية جديدة، أن يظهر أفريقيا للعالم على حقيقتها، وليس بتلك الصورة الخاطئة التي روجتها عنها لمئات السنين
لكن رحلة البحث عن خريطة جديدة، وبالرغم من طابعها الرمزي، تبقى شاقة وعسيرة، لأنها جزء من معركة أوسع لإعادة صياغة سردية عن الذات بعد قرون من التعبية والخضوع. فاعتماد خريطة جديدة يتطلب الدخول في تحالفات مع المؤسسات الدولية مثل: الأمم المتحدة والبنك الدولي واليونسكو، بالإضافة إلى وسائل الإعلام العالمية ووكالات الأنباء الدولية لدفعها إلى اعتماد الخريطة الجديدة.
عمليا، بدأت ثمار الحملة تظهر بإعلان المتحدث باسم البنك الدولي أنهم شرعوا في اعتماد خريطة "الأرض المتساوية" في الخرائط الثابتة، ويعلمون على التخلص التدريجي من ميركاتور في الخرائط الإلكترونية. كما أعلن تجمع دول الكاريبي دعمه اعتماد الخريطة البديلة، مؤكدا أنها رفض للإيديولوجيا الهيمنة التي تجسدها الخريطة القائمة حاليا.
ما يبقى مثيرا في رحلة السعي وراء تصحيح الخريطة هو أن الاتحاد الأفريقي الذي يقود الحملة لا يزال يعتمد خريطة ميركاتور حتى بعد إعلانه تبني الحملة، ما يضعه أمام ازدواجية مثيرة؛ فلا يعقل أن تطالب من الأخرين القيام بشيء وتنسى نفسه. ثم كيف سوف تقنع هؤلاء بخطاب لا تعقبه أجرأة وتنفيذ على أرض الواقع من طرف صاحبه؟