تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

أفريقيا والديمقراطية: قراءة في المشهد الانتخابي لعام 2026

25 يناير, 2026
الصورة
أفريقيا والديمقراطية: قراءة في المشهد الانتخابي لعام 2026
Share

بدأ التحول نحو الديمقراطية، في أروقة الحكم والسياسة الأفريقية، منذ ما يربو على سبعة عقود، وخلال هذه الرحلة الطويلة، شهدت مؤشرات الديمقراطية تذبذباً مزمناً، لا يمكن القطع معه، ببلوغ أياً من التجارب الديمقراطية الأفريقية، مرحلة الترسخ الديمقراطي، ويُعزي ذلك إلى جملة من الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

من أوضح حالات التذبذب الديمقراطي، ما شهده العامان الماضيان، فقد شهد العام 2024 تطوراً مبشراً على مسار التحول الديمقراطي، بالنظر إلى النتائج التي أفرزتها العمليات الانتخابية التي جرت عبر القارة، حيث أدت إلى تداول السلطة سلمياً إلى المعارضة في عدة دول، ولقد كان ذلك مستبعداً بدرجةٍ كبيرةٍ، وبخاصة وأن الأحزاب الخاسرة كانت في السلطة منذ عقود، وبعضها كان يحكم منذ الاستقلال، وعلى النقيض من ذلك انحسر العام 2025 عن تراجع ديمقراطي، حيث واصلت أنظمةٌ عتيقةٌ استحواذها على السلطة، في سياقات أقل ما توصف به أنها تمثل انتهاكاً ديمقراطياً خطيراً، فيم عادت ظاهرة الانقلابات العسكرية إلى الواجهة، بينما تناقصت كثيراً حالات التداول السلمي للسلطة.

في هذا السياق الديمقراطي المضطرب، تشتد الحاجة إلى استشراف مستقبل الديمقراطية الأفريقية، للوقوف على احتمالات الترسخ أو الانتكاس، وذلك عبر تحليل دلالات المسار الديمقراطي في العامين الماضيين 2024 و2025، وصولا إلى تحليل البيئة السياسية للدول، التي تَأَكَدَ أو تَرَجَحَ تنظيمها لانتخابات عامة في عام 2026، وذلك من خلال المحاور التالية:

2024: صعود ديمقراطي وتفاؤل حذر

شهد عام 2024 عدة تحولات سياسية، وصفها جُلُ المحللين بأنها ديمقراطية، حيث أسفرت العمليات الانتخابية، عن عددٍ كبيرٍ نسبياً من عمليات التداول السلمي للسلطة، وهو ما يعد تقدماً ملحوظاً على مسار الترسخ الديمقراطي، وبخاصة في ظل ندرة مثل هذه الحالات، في البيئة السياسية الأفريقية.

ففي السنغال ضرب السنغاليون أروع الأمثلة، في ترسخ الثقافة السياسية الديمقراطية، فأتت صناديق الاقتراع بالرئيس "بشيرو ديوماي فاي"، من السجن إلى القصر، لتهدر كل المحاولات الحثيثة، التي بذلها حزب "التحالف من أجل الجمهورية" الحاكم، للبقاء في السلطة عبر وسائل وأدوات غير ديمقراطية، كان أبرزها التضييق على المعارضة وإقصاء للمنافسين الأوفر حظاً.

سطرت التجربة الغانية، فصلاً جديداً في مسارها الديمقراطي الفريد، فللمرة الرابعة دون انقطاع منذ مطلع التسعينيات، تُحقِق غانا الانتقال السلمي للسلطة، في انتخابات يكاد يجمع المحللون في كل مرة، على تحقق جل المعايير الديمقراطية فيها، حيث عاد حزب "المؤتمر الوطني الديمقراطي"، وكذا الرئيس جون ماهاما إلى السلطة، متغلبين ديمقراطياً على منافسهم التقليدي "الحزب الوطني الجديد".

وفي موريشيوس التي تعد واحدة من أنجح التجارب الديمقراطية الأفريقية، خسر "تحالف ليبيب" الحاكم السلطة، لصالح "التحالف من أجل التغيير"، وقد كشف تحليل السياقات التي سبقت وعاصرت هذه الانتخابات، عن وعي كبير لدي الناخبين الموريشيين، وخبرة اكتسبوها عبر الزمن في تقييم أداء حكوماتهم، فلم يشفع لحكومة "ليبيب"، ما حققوه من نصر سياسي في قضية أرخبيل "تشاجوس"، ذلك بأن ضَعْفِ أداؤهم الاقتصادي، وسوء إدارتهم لملف حقوق الإنسان، كانا عاملين مهمين في خسارتهم مقاعد السلطة.

في بوتسوانا، وهي واحدة من أقدم الديمقراطيات الأفريقية، وأكثرها رسوخا، هبت رياح التغيير لأول مرة، لتنتزع السلطة من قبضة "حزب بوتسوانا الديمقراطي"، والمستحوذ على السلطة منفرداً منذ ما قبل الاستقلال، وذلك لصالح تحالفٍ تَشَكَلَ من عدة أحزاب مُعارِضة، تحت اسم "مظلة التغيير الديمقراطي"، بقيادة حزب "الجبهة الوطنية البتسوانية"، ولقد كانت خسارة الحزب الحاكم فادحة، لدرجة أنه لم يحصل إلا على 4 مقاعد فقط في البرلمان، مقابل 38 مقعداً في الانتخابات السابقة لعام 2019.

في موريشيوس التي تعد واحدة من أنجح التجارب الديمقراطية الأفريقية، خسر "تحالف ليبيب" الحاكم السلطة، لصالح "التحالف من أجل التغيير"، وقد كشف تحليل السياقات التي سبقت وعاصرت هذه الانتخابات، عن وعي كبير لدي الناخبين الموريشيين، وخبرة اكتسبوها عبر الزمن في تقييم أداء حكوماتهم

وفي جنوب أفريقيا، والتي تسير بخطى ثابتة على طريق الترسخ الديمقراطي، وعلى الرغم من استحواذ حزب "المؤتمر الوطني الأفريقي"، على السلطة لثلاثة عقود منفرداً، منذ انتهاء الفصل العنصري منتصف التسعينيات، وعلى الرغم من أن الكتلة التصويتية السوداء تؤمن له الأغلبية الدائمة، إلا أنه فقد ولأول مرة أغلبته تلك، واضطر إلى التحالف مع عدة أحزاب صغيرة، ليتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية، والاحتفاظ بمنصب رئيس الجمهورية.

أما الدول التي لم تحقق تداولاً سلمياً للسلطة، فقد نظمت انتخابات يمكن وصف بعضها بالديمقراطية، كما في ناميبياوموريتانياوالجزائر، ويفتقر بعضها إلى كثيرٍ من المعايير الديمقراطية للانتخابات، كما في روانداوموزمبيقوجزر القمروتونسوتشادوتوجوومدغشقر. إجمالا، وبالنظر إلى نتائج وتقييمات العمليات الانتخابية، التي أجريت خلال العام 2024، وكذا إلى المحاولة الانقلابية الوحيدة التي أحبطت في الكونغو الديمقراطية، يمكننا القول بأن الديمقراطية قد حققت في أفريقيا تقدماً مشهوداً خلال هذا العام.

2025: انتكاس ديمقراطي وتضاؤل الفرص

كانت دلالات المشهد الانتخابي للعام 2025، مخيبة للآمال بشأن الترسخ الديمقراطي في أفريقيا، حيث شهد هذا العام جملة من العمليات الانتخابية، التي افتقر أغلبها للمعايير الديمقراطية، وانحصر تداول السلطة سلمياً فيه، في حالتين فقط هما مالاوي وسيشل، كما شهد عودة ظاهرة الانقلابات العسكرية.

فقد أجمع المحللون، على افتقار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التنزانية، لكل معايير النزاهة والعدالة والشفافية، حيث فازت الرئيسة سامية حسن صولوحو، بنسبة تخطت 97٪ من أصوات الناخبين، فيما حصل 16 مرشحاً منافساً مجتمعين على أقل من 3٪، وفاز حزبها "حزب الثورة" بكل مقاعد البرلمان باستثناء 4 مقاعد فقط انتزعتها المعارضة.

وفي كوت ديفوار، واصل الحسن واتارا احتلال مقعد الرئاسة لولاية رابعة، بعد أن أقصي كل المرشحين الأوفر حظاً، عن خوض الانتخابات الرئاسية، واستخدم كل وسائل التضييق على المعارضة، وفي الانتخابات البرلمانية استحوذ حزب واتارا، "تجمع الهوفبيين من أجل الديمقراطية والسلام"، على أغلبية ساحقة في البرلمان.

شهد عام 2024 عدة تحولات سياسية، وصفها جُلُ المحللين بأنها ديمقراطية، حيث أسفرت العمليات الانتخابية، عن عددٍ كبيرٍ نسبياً من عمليات التداول السلمي للسلطة، وهو ما يعد تقدماً ملحوظاً على مسار الترسخ الديمقراطي

وفي انتخابات شهدت تضييقاً أمنياً كبيراً على المعارضة، من اعتقالات خارج القانون، وملاحقات قضائية، وحظر الفعاليات السياسية، وإقصاء أقوى منافسي الرئاسة المحتملين، فاز بول بيا، ثاني أطول رؤساء العالم بقاءً في السلطة، وأكبرهم سناً، برئاسة الكاميرون لولاية ثامنة، مما أثار حفيظة الكامرونيين، وبخاصة فئة الشباب، الذين خرجوا في احتجاجات واسعة النطاق، واجهتها السلطات بعنف مفرط، أدي إلى مقتل وإصابة واعتقال كثير منهم.

وفي أفريقيا الوسطي، وبعد أن أزال الرئيس فوستان أرشانج تواديرا، حدود الولايات الرئاسية، وزاد مدة الولاية إلى 7 سنوات، عبر دستور جديد استصدره عام 2023، فاز بولاية رئاسية ثالثة، في انتخابات لم تخل من مقاطعة بعض أحزاب المعارضة، فيم شهدت تضييقاً على من شارك من المعارضة، فضلا عن عمليات التزوير التي طالت السجلات، وعمليات التصويت، بل والحصر والنتائج أيضاً.

وفي انتخابات شبه محسومة النتائج، فاز قائد انقلاب عام 2021 العسكري، ورئيس المجلس العسكري الانتقالي، ممادو دمبويا برئاسة غينيا كوناكري، ذلك بأنه قد حِيلَ بين مرشحين أقوياء وبين الترشح للرئاسة، وقاطع جانب كبير من المعارضة الرئيسية العملية الانتخابية، واستعداداً لهذه الانتخابات، كان المجلس العسكري قد علق عمل الأحزاب السياسية، ونشر حالة من القمع والترهيب السياسي في أوساط المعارضة.

في بوروندي، استحوذ حزب " المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية - قوى الدفاع عن الديمقراطية" الحاكم، على كل مقاعد البرلمان بلا استثناء، في انتخابات تشريعية وُصِفَت بأنها بلا معارضة، بعد أن رفضت اللجنة الانتخابية، قبول جميع مرشحي القوائم، التي قدمها ائتلاف معارض مكون من أربعة أحزاب، فضلاً عن تقييد الحريات العامة، والتضييق الشديد على المعارضة، وعلى المجتمع المدني والإعلام.

مع ذلك، كانت هناك بعض العمليات الانتخابية، التي يمكن وصفها نسبياً بالديمقراطية، ومنها انتخابات الجابون والتي تؤسس للجمهورية الثانية بعد انقلاب عام 2023، وعلى الرغم من فوز قائد الانقلاب، ورئيس المرحلة الانتقالية، الجنرال برايس أوليغي نغيما، برئاسة البلاد، إلا أن جل التقارير أفادت بأن الانتخابات، اتسمت بقدر لابأس به، من الحرية والعدالة والنزاهة والشفافية، فيم تَقَبَلَ غالبية المنافسين النتائج.

ومن الانتخابات التي عُدت ديمقراطية أيضاً، الانتخابات العامة التي جرت هذا العام في سيشل، حيث فز بالرئاسة باتريك هيرميني، رئيس الجمعية الوطنية الأسبق، عن حزب "سيشل المتحدة" الذي عاد للسلطة مرة أخرى، بعد أن كان قد فقدها عام 2020، لصالح حزب "ديموكراتيك سيسليوا".

تتسم الانتخابات المجدولة لعام 2026، بغموض مؤشرات ودلالات البيئة السياسية التي تحتضنها، وقد زاد من هذا الغموض، البداية غير الديمقراطية غير المبشرة، التي أسفرت عنها الانتخابات التي عُقدت مطلع العام

كما عُدَت الانتخابات التي جرت في مالاوي، انتخابات ديمقراطية، وفيها عاد الرئيس بيتر موثاريكا للسلطة، بعد أن فقدها لصالح الرئيس لازاروس شاكويرا، في الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2020، إثر إلغاء المحكمة الدستورية لانتخابات عام 2019، والتي كان موثاريكا فائزا فيها آنذاك، وفي انتخابات عام 2025، كانت عودة موثاريكا وحزبه "الحزب التقدمي الديمقراطي"، خياراً مقبولا لدي الناخبين؛ نتيجة الأزمة الاقتصادية التي خلفها حكم شاكويرا.

وقد أجرت عدة دول انتخابات برلمانية، افتقرت إلى جل المعايير الديمقراطية، ولم يحقق أي منها انتقالاً للسلطة، كما في: مصروتوجووجزر القمر، في حين عادت ظاهرة الانقلابات العسكرية، مع انقلاب غينيا بيساو، الذي حدث عشية إعلان نتائج الانتخابات، وانقلاب الجيش في مدغشقر على الرئيس، بعد أسابيع من المظاهرات التي اندلعت، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية المتردية، ومحاولة الانقلاب التي أُحبطت في بنين، وبالنظر إجمالاً إلى نتائج وتقييمات العمليات الانتخابية، التي أجريت خلال العام 2025، يمكننا القول بأن الديمقراطية قد تراجعت كثيراً في أفريقيا خلال هذا العام.

2026: مشهد انتخابي حافل ودلالات غير واضحة

تتسم الانتخابات المجدولة لعام 2026، بغموض مؤشرات ودلالات البيئة السياسية التي تحتضنها، وقد زاد من هذا الغموض، البداية غير الديمقراطية غير المبشرة، التي أسفرت عنها الانتخابات التي عُقدت مطلع العام، ففي أوغندا، أظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات، فوز مرشح الحزب الحاكم "حركة المقاومة الوطنية"، الرئيس يوري موسيفني بالرئاسة لولاية سابعة، ليتخطى الـ 40 عاماً في حكم البلاد، بينما من المنتظر لدى إعلان النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية، فوز حزبه الحاكم بجل مقاعد البرلمان كالعادة، ويكاد يجمع المراقبون والمحللون، على توثيق ما صاحب الانتخابات الأوغندية، من تضييق للفضاء السياسي، وقمع ممنهج للمعارضة.

مطلع يناير/كانون الثاني جرت الانتخابات البرلمانية في بنين، فيم لم يَحِنْ موعد الانتخابات الرئاسية المجدولة لشهر أبريل/نيسان، وفي البرلمانية احتفظ الائتلاف الحاكم، المؤيد للرئيس باتريس تالون، بكل مقاعد البرلمان الـ 109، حيث حصل حزب "الاتحاد التقدمي من أجل التجديد" على 60 مقعداً، بينما حصل حزب "الكتلة الجمهورية" على 49 مقعداً، في الوقت الذي لم تحظي فيه المعارضة بأي تمثيل، إذ لم يتمكن أي حزب من تجاوز "العتبة الانتخابية"، وهي الحد القانوني للدخول إلى البرلمان، وقد وَصَفَت المعارضة ذلك بالتحكم التعسفي، لصالح الائتلاف الحاكم، ذلك بأن عتبة الـ 20٪ في كل دائرة على حدة، تعد نسبة مرتفعة جداً، لا تطبقها أي دولة في العالم، وفي الرئاسية أعلن الرئيس باتريس تالون، أنه لن يترشح لولاية ثالثة، التزاماً بحدود الولايات الرئاسية الدستورية، وهو ما يزيد من غموض المشهد السياسي البنيني، وبخاصة في ظل عدم بروز شخصيات ذات ثقل سياسي، يمكنها أن تخلفه في الرئاسة.

وفي الكنغو برازافيل، تجري الاستعدادات للانتخابات الرئاسية، المقرر عقدها في مارس/آذار 2026، حيث أعلن حزب العمل الكونغولي الحاكم، ترشيح الرئيس دينيس ساسو نغيسو لها، وجدير بالذكر أن نغيسو ترأّس الكونغو من 1979 وحتى 1992 ثم عاد إلى هذا المنصب في 1997 ولا يزال، فيم تُصنف العمليات الانتخابات الكنغولية دائماً بغير الديمقراطية.

في جيبوتي التي تصنف انتخاباتها أيضاً بغير الديمقراطية، يَستعِد الرئيس إسماعيل عمر جيلة، للبقاء في السلطة لولاية سادسة، بعد ما تحلل من حدود الولايات الرئاسية، ومن شرط السن عبر استفتاءات دستورية، ويدعم جيلة ائتلاف حزبي، يسيطر بأغلبية ساحقة دائماً على البرلمان، عبر القمع السياسي، فلا يُسمَح للمعارضة إلا بتمثيل هزيل، ذراً للرماد في عيون الديمقراطية.

وتنظم الجزائر انتخابات برلمانية في يونيه/حزيران 2026، في مجال عام يكاد يكون مغلقا؛ فعلى الرغم من وجود تعددية حزبية، بدأت تنعكس مؤخراً على التمثيل البرلماني لتجعله متوازناً، إلا أن الحكومة الموالية للرئيس، والخاضعة لسيطرة الجيش، لا تزال تسيطر على مفاصل السلطة، وتمارس التضييق والقمع ضد المعارضة، وهو ما جعل المشاركة السياسية، لا تعدو أن تكون مشاركة شكلية.

بينما تنظم إثيوبيا مطلع يونيه/حزيران المقبل، انتخابات برلمانية صُنِفَت سوابقها بكونها خارج إطار الديمقراطية، في الوقت الذي أصبحت فيه الجبهة الداخلية على شفا الانفجار، بعد أن تفاقمت الأزمة الداخلية، بين الحكومة الاتحادية، وبين النخب الفاعلة في بعض الأقاليم، فها هي النار تتوهج شيئا فشيئا، تحت رماد اتفاق السلام في إقليم تجراي، وها هي الحرب التي لا تتوقف، بين الحكومة الاتحادية، ومليشيات فانو الأمهرية، وبينها وبين جيش تحرير أورومو، فضلا عن التصعيد المستمر، مع الفصائل السياسية والعسكرية في إقليم أوجادين، بعد أن أعلنت اندماجها في كيان موحد، تحت اسم "تحالف الشعب الصومالي لتقرير المصير".

بعد فوز الرئيس بول بيا بولاية رئاسية ثامنة، تنظم الكاميرون أواخر هذا العام، الانتخابات البرلمانية المؤجلة من العام الماضي، فيم يستعد حزب الرئيس "الحركة الديمقراطية الشعبية الكاميرونية" الحاكم، للاستمرار في استحواذه على السلطة، عبر انتهاك كل معايير الديمقراطية، من قمع للمعارضة، وتزوير للانتخابات، وتضييق على الحريات العامة.

في بيئة تشهد صراعاً متأججاً، وكامن أحياناً، أعلنت حكومة جنوب السودان، اعتزامها تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، لأول مرة منذ الانفصال عن السودان، تنفيذاً لاتفاق السلام الهش، الذي تحاصره مخاطر الانهيار، وبخاصة في ظل عودة الصراع على السلطة، ليشتعل بين الرئيس سلفا كير، ونائبه ريك مشار، والمقيد الحرية حالياً على ذمة محاكمته.

وعلى الرغم من الإصلاحات السياسية، التي أجراها النظام في المغرب، لا يزال هناك قيود كبيرة على الحريات العامة، ولا يزال الملك والمخزن يسيطران، عبر قنوات النفوذ غير الرسمية، على مفاصل الحكم والدولة، ويثور حالياً جدل كبير في أروقة السياسة المغربية، في أعقاب إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش، عدم ترشحه للانتخابات المقبلة، المجدولة في شهر سبتمبر/أيلول 2026، وبخاصة وأنه نأي بنفسه أيضاً، عن الترشح لرئاسة حزبه الحاكم "التجمع الوطني للأحرار".

تحسنت حالة الديمقراطية كثيراً في جامبيا، خلال العقد الماضي في عهد الرئيس آداما بارو، والذي أثار إعلانه عن نيته، الترشح للرئاسة لولاية ثالثة، جدلاً واسعاً في البلاد، وجدير بالذكر أن الدستور لا يحدد مدداً للولاية الرئاسية، وهو ما يسمح للرئيس بارو، بالترشح في الانتخابات الرئاسية، المجدولة في ديسمبر/كانون الأول من هذا العام.

وفي الرأس الأخضر، تفترق الانتخابات الرئاسية عن البرلمانية، فالأولي مجدولة في شهر أبريل/نيسان، والثانية مجدولة في شهر أكتوبر/تشرين الأول، وتصنف الرأس الأخضر ضمن أكثر الدول الأفريقية تحقيقاً للديمقراطية، ودائما ما تسفر انتخاباتها، عن تناوب حزبين كبيرين على السلطة، وهما: "الحركة من أجل الديمقراطية"، و"الحزب الأفريقي من أجل استقلال الرأس الأخضر"، وفي بعض الأحيان كان الرئيس من أحد الحزبين، ورئيس الوزراء من الحزب الآخر، فيما يُعرف بنظام التعايش.

وتعد زامبيا أيضاً، واحدة من أكثر الديمقراطيات الأفريقية الناشئة رسوخا، ومع ذلك تسود مخاوف قوية في أوساط المعارضة، بعد أن أقر البرلمان مشروع قانون بتعديلات دستورية، تزعم المعارضة أنها تكرس لزيادة إحكام قبضة، حزب "الجبهة المتحدة من أجل التنمية الوطنية" الحاكم على السلطة، فضلاً عن أنها تفتح المجال أمام الرئيس الحالي هاكايندي هيشيليما، ليتجاوز حدودَ الولايتين الرئاسيتين الدستوريتين، وبخاصة وأنه يستعد حالياً للترشح لولايته الثانية، في الانتخابات المقبلة المجدولة في أغسطس/آب المقبل.

كما تعد ساوتومي وبرنسيب، واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة والأكثر تنافسية، والتي توصف انتخاباتها بالنزاهة والعدالة والشفافية، وتعتزم ساوتومي وبرنسيب إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، في يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول المقبلين على التوالي، فيما يبدو المشهد السياسي مستقراً في البلاد.

في ضوء ما أسفر عنه تحليل المشهد الانتخابي الأفريقي، من تذبذب في مسار الديمقراطية، صعوداً خلال عام 2024، وهبوطاً خلال عام 2025، واستناداً إلى ما كشف عنه تحليل البيئة السياسية، للعمليات الانتخابية المجدولة، والمؤكد أو المرجح إجراؤها في عام 2026، يمكننا القول بأن حالة من اللا يقين، تكتنف المشهد الانتخابي الأفريقي لعام 2026، وهو ما يلقي بظلالٍ كثيفة من الغموض، حول المسار الديمقراطي الأفريقي خلال هذا العام.