الجمعة 17 أبريل 2026
على الرغم من أنها تسهم بأقل قدر، من انبعاثات الغازات الدفيئة، التي تؤدي إلى الاحتباس الحراري، تُعد أفريقيا من أكثر المناطق تضرراً من هذا الاحتباس، ذلك أنها تتعرض لموجات متلاحقة من التغيرات المناخية الناشئة عنه. يُعد استمرار هذه الحالة على ما هي عليه، دون اتخاذ خطوات فعالة في مواجهتها، إخلالاً جسيماً بالعدالة المناخية، المفروضة والمحمية بموجب القانون الدولي، غير أن غياب آليات وأسس تحقيق تلك العدالة، يعصف بآمال وطموحات الدول الأكثر تضرراً، في الحصول على الحماية التي تفترضها القوانين الدولية ذات الصلة.
في 23 يوليو/ تموز 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية حكماً (رأياً استشارياً)، حول التزامات الدول بشأن تغير المناخ، في الطلب المحال إليها، من الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 29 مارس/آذار 2023، بقرارها رقم 77/276، ويُعد ذلك سابقة قضائية وقانونية تاريخية، أرست فيها المحكمة الأسسَ القانونيةَ للمسؤولية عن التغيرات المناخية، وفتحت الباب على مصراعيه، أمام الدول المتضررة من الاحتباس الحراري، للمطالبة بتعويضات عادلة عما أصابها من أضرار، متى كانت ناشئة عن فعل الدول الصناعية الكبرى.
من هنا تثور العديد من التساؤلات، حول إمكانية تفعيل هذا الحكم التاريخي، وكيفية استفادة الدول الأفريقية منه، لرفع الضرر الواقع عليها، بسبب نشاطات الدول الصناعية الكبرى، وفي قراءة أولية لحيثيات حكم محكمة العدل الدولية، تجيب هذه الورقة عن تلك التساؤلات.
تؤكد كل التقارير على أن أفريقيا، تعد أقل مناطق العالم إسهاماً في زيادة الانبعاثات، التي تؤدي إلى الاحتباس الحراري، وفي ذات الوقت تعد أكثر المناطق تضرراً، من التغيرات المناخية التي يُحدثها ذلك الاحتباس.
فقد أجمع الكل على أن أفريقيا تسهم بأصغر حصة، من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري عالمياً، فحصتها بالكاد تبلغ حوالى 3,8٪، وهي حصة ضئيلة مقارنة بحصة الصين التي تبلغ نحو 23٪، والولايات المتحدة التي تبلغ نحو 19٪، وتعادل البصمة الكربونية (مقدار ما يطلقه من كمية ثاني أكسيد الكربون)، للفرد الواحد الأميركي أو الأسترالي في الشهر الواحد، ما يطلقه الفرد الأفريقي خلال عام كامل؛ فالأفريقي يعد أقل مشارك، في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بمتوسط 1 طن سنوياً، في مقابل 7 طن للفرد الصيني و16 طن للفرد الأمريكي.
وجدير بالذكر أن حوالى 60٪، من انبعاثات الكربون الأفريقية السنوية، تأتي على ضآلتها من ثلاث دول فقط، هي: جنوب أفريقيا وينبعث منها أكثر من 435 مليون طن، ومصر وينبعث منها نحو 250 مليون طن، والجزائر وينبعث منها نحو 176 مليون طن، فيم تكاد تنعدم الانبعاثات الكربونية في كثير من الدول الأفريقية، ومنها: الكونغو الديمقراطية والصومال وأفريقيا الوسطى؛ فانبعاثات كل منها لا تتجاوز 0,1٪ طن سنوياً.
هذا وكشف تقرير حالة المناخ العالمية لعام 2024، الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، عن أن أفريقيا تضم 17 بلداً من أصل 20 بلداً، هي الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية حول العالم، وأن أكثر من 110 مليون نسمة من سكانها، تأثروا بشكل مباشر بالمخاطر المرتبطة بالطقس والمناخ والمياه، وأضاف التقرير أن القارة شهدت عام 2024، ارتفاعاً قياسياً في درجة حرارة سطح البحر، هو الأعلى على الإطلاق في قرن مضى.
يظل الحكم في كل الأحوال رأياً استشارياً، لا يتمتع بالصفة الإلزامية للأحكام القضائية، ومن ثم فهو غير قابل للتنفيذ الجبري، متى امتنعت الدول عن تنفيذ مضمونه اختياراً
لقد تسببت هذه التغيرات المناخية، في تعرض القارة لموجة شديدة، من الأمطار والفيضانات في بعض المناطق، وبخاصة في منطقة الساحل، وامتدت شمالاً إلى المغرب والجزائر وجنوباً إلى السنغال، وكانت تشاد ونيجريا أكثر دول المنطقة تضرراً، وحتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2024 سُجِّلَت 1526 حالة وفاة، وتضرر أو دُمِّر 639 ألف منزل، ونزح أكثر من 2 مليون شخص.
أما في شرق القارة، فقد سجلت العديد من المناطق، حدوث أمطار شديدة وفيضانات، مصحوبة بأعاصير استوائية، حيث تم الإبلاغ عن فيضانات في: كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وبوروندي والصومال وإثيوبيا، وبلغ منسوب مياه بحيرة فيكتوريا مستويات قياسية، وسُجِّلَت 282 حالة وفاة مرتبطة بالفيضانات في كينيا، و161 حالة وفاة في تنزانيا، و236 حالة وفاة على الأقل في إثيوبيا.
وشهدت بعض المناطق في وسط أفريقيا بدورها فيضانات وأمطار شديدة، وبخاصة في حوض نهر الكونغو، حيث أُبلِغ عن 300 حالة وفاة، وغرق 1,6 مليون هكتار من الأراضي الزراعية.
من جهة ثانية، شهدت عدة مناطق جنوب القارة، موجة شديدة من الجفاف، وهو ما حدث في عدة دول منها: زيمبابوي وأنغولا وموزمبيق وملاوي وليسوتو، وشمال بوتسوانا، وغرب زامبيا، وأجزاء من ناميبيا، وهو ما تسبب في تلف كثير من الزراعات، فضلاً عن انخفاض الإنتاجية الزراعية. كما تسبب ذلك الجفاف، في نقص حاد في تدفق المياه، ومن ثم انخفاض معدلات توليد الكهرباء، على نحو ما حدث في زامبيا وزيمبابوي وليسوتو.
أما عن درجات الحرارة، فقد شهدت كثير من المناطق عبر القارة، ارتفاعات شديدة في درجات الحرارة، ففي الشمال ارتفعت درجات الحرارة بشدة، في بعض مناطق تونس والمغرب والجزائر، ما تسبب في انتشار حرائق الغابات في بعض مناطق الجزائر.
أما في غرب القارة، فقد شهدت بعض الدول موجات حادة، من ارتفاع درجة حرارة الجو، حيث وصلت درجة الحرارة في كايس (مالي) إلى 48,5 درجة مئوية، وأُبلغ عن 102 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة، وفي واجادوجو (بوركينا فاسو) وصلت إلى 44,5 درجة مئوية، وبلغت في نجامينا (تشاد) 46,6 درجة مئوية، وسجلت في ماتام (السنغال) 47,9 درجة مئوية.
هناك ظاهرةٌ أخرى أشد خطورة، وهي ارتفاع مستوى سطح البحر، بسبب الذوبان القطبي الجليدي، وهو ما ينذر بغرق مدن ومشروعات سياحية كاملة، ومعالم أثرية هامة في المناطق الساحلية، وزيادة ملوحة التربة في المناطق المتاخمة للسواحل، بما يؤثر على الزراعات الموجودة بها. وقد تضررت عدة دول من هذه الظاهرة، ومنها مصر، وفانواتو (دولة جزرية صغيرة تقع في جنوب المحيط الهادئ)، وهي الدولة التي أثارت القضية لأول مرة أممياً، باعتبارها أكثر الدول الجزرية عرضة، لتأثيرات ارتفاع منسوب سطح البحر، لأنها تقع في منطقة نشطة زلزالياً وبركانياً، وتتعرض بشكل متكرر للأعاصير والفيضانات، ومعظم أراضيها على مستوى منخفض من سطح البحر. وقد حظيت القضية بدعم 131 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما عزز إحالتها إلى محكمة العدل الدولية، فكانت أكبر قضية تنظر فيها المحكمة، حيث شاركت في مداولاتها الشفهية 97 دولة، وقدمت فيها 91 دولة بياناً مكتوباً منهم 9 دول أفريقية، هي: جنوب أفريقيا وكينيا ومصر وغانا ومدغشقر والكاميرون وسيراليون وموريشيوس وبوركينا فاسو.
لاقت ظاهرة التغيرات المناخية، وتأثيراتها السلبية على البيئة، اهتماما دولياً كبيراً، فنظمها القانون الدولي في العديد من الاتفاقات الدولية، كانت البداية مع إعلان وخطة عمل ستوكهولم من أجل البيئة البشرية لعام 1972، تلاها اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون لعام 1985، ثم بروتوكول مونتريال لعام 1987، ثم اتفاقية التنوع البيولوجي لعام 1992، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي لعام 1992، واتفاقية مكافحة التصحر لعام 1994، وبروتوكول كيوتو لعام 1997، واتفاق باريس لعام 2015.
وفي معرض تفعيل أحكام هذه الاتفاقات الدولية، صك الفقه والقضاء الدوليين مصطلح العدالة المناخية، على الرغم من وضوح عناصره، لم يتمكن أيا من الشراح تعريفه تعريفاً جامعاً مانعاً، غير أن الجميع يتفقون على أن مفهوم المصطلح، يشير إلى ضرورة توزيع الأعباء والتكاليف، الناجمة عن التغيرات المناخية، على الجميع بصورة عادلة، بهدف حماية حقوق الإنسان التي تتأثر بهذه التغيرات، ومن هنا كانت حقوق الإنسان ركيزة أساسية، تَسَانَدَ عليها حكم محكمة العدل الدولية، في عقد مسؤولية الدول المتسببة في إحداث التغيرات المناخية، وفي منح الدول المتضررة الحق في التعويض، عما أصابها من أضرار جراء هذه التغيرات.
قدم حكم محكمة العدل الدولية في هذا الشأن، حافزاً كبيراً للدول الأفريقية، يجعلها تتطلع إلى الحصول على تعويضات عادلة، تساعدها على مواجهة التأثيرات السلبية لهذه التغيرات
على الرغم من معالجته هذه الظاهرة، منذ أكثر من نصف قرن، إلا أن القانون الدولي لم يضع جزاءات واضحة، يمكن تطبيقها على الدول المتسببة فيها، ولم ينص على حق الدول المتضررة منها، في التعويض عما لحقها من أضرار بسببها، ولم ينظم الشروط والأحوال التي يمكن من خلالها، تقرير مسؤولية المتسبب في الضرر، ومنح المضرور الحق في التعويض.
من هنا تنبع الأهمية التاريخية والقانونية، لحكم محكمة العدل الدولية، بشأن العدالة المناخية؛ ذلك بأنه يعد أول حكم قضائي دولي، يصدر في شأن التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية، ومن ثم يعد سابقة قضائية، تمنح الدول المتضررة الحق في التعويض، عن الأضرار التي لحقتها جراء التغيرات المناخية، وفي هذا الحكم عقدت المحكمة المسؤولية، في حق الدول المتسببة في تلك التغيرات، على أساس القانون الدولي الأوسع نطاقاً (القواعد العامة)، دون التقيد بكون تلك الدول طرفاً، في الاتفاقات الدولية المنظمة للتغيرات المناخية من عدمه، وبخاصة وأن الدول الأكثر إضراراً بالبيئة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، تسعى إلى الانسحاب من هذه الاتفاقات الدولية.
مع هذه الأهمية والقيمة القانونية، لحكم محكمة العدل الدولية، يظل الحكم في كل الأحوال رأياً استشارياً، لا يتمتع بالصفة الإلزامية للأحكام القضائية، ومن ثم فهو غير قابل للتنفيذ الجبري، متى امتنعت الدول عن تنفيذ مضمونه اختياراً، وهو ما يثير عقبات كبيرة، قد تحول مستقبلا بين الدول المتضررة، وبين حصولها على حقها في التعويض، الذي قرره هذا الحكم التاريخي.
تُصنف جُل الدول الأفريقية - إن لم يكن كلها - من بين أكثر الدول تضرراً من التغيرات المناخية، وقد قدم حكم محكمة العدل الدولية في هذا الشأن، حافزاً كبيراً للدول الأفريقية، يجعلها تتطلع إلى الحصول على تعويضات عادلة، تساعدها على مواجهة التأثيرات السلبية لهذه التغيرات، وهنا تثور عدة تساؤلات عن إمكانية وكيفية حصول هذه الدول، على حقها في التعويض العادل عما أصابها من أضرار، إذا لم تبادر الدول المتسببة في هذه الأضرار، إلى تعويضها طواعية، وبخاصة في ظل العقبات القانونية، التي قد تحول بينها وبين رفع قضاياها إلى القضاء الدولي، وبينها وبين إثبات العناصر الواقعية والقانونية لهذه القضايا.
يتعين على الدول الأفريقية أن تثبت أمام المحكمة، أنها تضررت من التغيرات المناخية، ونوع ومقدار الأضرار، وأن هذه الأنشطة تسببت فيها الدولة المدعى عليها، أي أنه عليها إثبات العناصر الواقعية والقانونية لدعواها
فمن ناحية أولى، وفقا لنظامها الأساسي، لا ينعقد الاختصاص لمحكمة العدل الدولية، إلا بعد قبول الدولة المدعى عليها، بالاختصاص الإلزامي لمحكمة العدل الدولية، ومن هنا تظل قضايا الدول المتضررة من التغيرات المناخية، رهنا بقبول الدول المتسببة في هذه التغيرات، ومن ناحية ثانية، يتعين على الدول الأفريقية أن تثبت أمام المحكمة، أنها تضررت من التغيرات المناخية، ونوع ومقدار الأضرار، وأن هذه الأضرار لحقت بها مباشرة، عن أنشطة ضارة بالمناخ، وأن هذه الأنشطة تسببت فيها الدولة المدعى عليها، أي أنه عليها إثبات العناصر الواقعية والقانونية لدعواها، وهي: الفعل غير المشروع، والضرر، وعلاقة السببية بينهما، وفي الأخير عليها إثبات نسبة ذلك كله، إلى نشاط الدولة المدعى عليها، ولا شك في أن إثبات ذلك كله، يعد من المسائل بالغة الصعوبة.
من هنا يمكن القول، بأن الطريق إلى تحقيق العدالة المناخية للدول الأفريقية، وإن كان تكتنفه عقبات واقعية وقانونية بالغة الصعوبة، إلا أن حكم محكمة العدل الدولية الاستشاري، الصادر مؤخراً بشأن التغيرات المناخية والحق في التعويض عنها، قد مهد جانباً لا بأس به من ذلك الطريق، وفتح نافذة أمام جديدة أمام الأفارقة، للحصول على حقهم في الحياة المستقرة، في بيئة صحية وآمنة.