تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 12 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

أفريقيا تعيدُ سردَ ذاتها: التاريخ كفعل مقاومة وهويّة متجددّة

10 يوليو, 2025
الصورة
أفريقيا تعيدُ سردَ ذاتها: التاريخ كفعل مقاومة وهويّة متجددّة
Share

حين نعود إلى أفريقيا لا نعود فقط إلى الجغرافيا، بل إلى وعيٍ دفين، يسعى لإعادة الاعتبار لصوت القارة في سرد تاريخها، وهو الصوت الذي طالما أُسكِت، أو تمّ التشويش عليه، أو أُعيدت صياغته على ألسنة الغزاة والمستعمرين اليوم. أكثر من أيّ وقت مضى، تعود أفريقيا إلى ذاتها، لا كحلمٍ رومانسي أو تكرار لماضٍ منسي، بل كفعلٍ معرفي ونقدي مؤسّس، يستعيد الذاكرة الجماعية، وينهضُ بالسردية التاريخية من الهامش إلى المركز.

ليس من المبالغة القول إنّ أفريقيا، على امتداد قرون الاستعمار وما تلاه من تواطؤات معرفية مع القوى الغربية، قد فُرِّغت من تاريخها. لم يكن ذلك لأنّ القارة بلا تاريخ، بل لأنّ من كتب التاريخ كان يتعمّد تجاهلها، أو يعرضها بصورة تخدم مصالحه. وكما عبّر عن ذلك الزعيم الغاني التقليدي نانا كوبينا نكيتسيا الخامس: "طالما لم يتعلم الأسد كيف يكتب، ستبقى كل القصص تمجّد الصياد".

بهذا المعنى، لم يكن التاريخ الأفريقي المدوَّن في أغلبه سوى حكاية الصياد عن نفسه، وعن الأسد، وعن الغابة التي اجتاحها.

لماذا نعيد كتابة التاريخ إذاً؟

إعادة كتابة التاريخ لا تعني فقط تصحيح الأخطاء، بل استعادة "الحق في الذاكرة". الاستعمار الأوروبي لم يغزُ الأرض فحسب، بل غزا العقول والرموز، فشوّه التراث، ونزعَ المعنى عن الأساطير، وطمس الرموز المحلية، وقزّم الزعامات الشعبية في مقابل تمجيد المستعمر باعتباره "المنقذ" أو "المدني". وفي هذا الصدد، يعتبر المؤرخ السنغالي شيخ أنتا ديوب أنّ التاريخ ليس مجرّد علم وصفي، بل هو "عنصر عضوي في تكوين الشعور القومي".

يذهب ديوب في كتابه الشهير "أصول الحضارات الأفريقية”، إلى أنّ إنكار الأصل الأفريقي للحضارات القديمة كالمصريين لم يكن فعلًا بريئًا، بل مقصودًا لربط أفريقيا بالتأخر والبدائية، يقول: "إنّ حرمان الأفريقي من تاريخه هو أفظع أنواع الاستلاب. فالذي لا يملك ماضيًا، لا يستطيع بناء مستقبل".

على امتداد قرون الاستعمار وما تلاه من تواطؤات معرفية مع القوى الغربية، قد فُرِّغت من تاريخها. لم يكن ذلك لأنّ القارة بلا تاريخ، بل لأنّ من كتب التاريخ كان يتعمّد تجاهلها، أو يعرضها بصورة تخدم مصالحه

هذا المنطلق يُعد جوهر الحركة الفكرية الجديدة في أفريقيا، حيث يعمل المؤرخون والباحثون والمبدعون على تفكيك الروايات الاستعمارية، وبناء سرديات وطنية ترتكز على مصادر محلية، شفوية ومادية، بعيدة عن الوساطة الأوروبية.

لطالما كُتب تاريخ أفريقيا من خارجها، بأقلامٍ غربية، ومفاهيم لا تنتمي إلى تربتها لقرونٍ طويلة، لم يُنظر إلى القارة بوصفها حاضنة لحضارات ومقاومات وأسئلة معرفية، بل جرى تصويرها كأرضٍ خامٍ، لا تاريخ لها إلا ما يبدأ من لحظة "اكتشافها"، ومع الزمن أصبح هذا الغياب المتعمّد بمثابة سياسة معرفية، أنتجت وعيًا مشوهًا لدى الأجيال الإفريقية نفسها.

لكنّ التحولات الراهنة التي يشهدها المشهد الثقافي والأكاديمي في أفريقيا، تشير إلى انبثاق جيل جديد من الباحثين والمفكرين يعيدون ترتيب العلاقة مع الماضي، لا بوصفه عبئًا، بل أداة لتحرير الذاكرة، وتأسيس سيادة سرديّة تستندُ إلى الذات. لذا نصل لنتيجة بأنّ إعادة كتابة التاريخ ليست عملًا تجميليًا، بل ضرورة لإعادة الاعتبار لمجتمعات كاملة تمّ تهميشها، ولأبطال ومقاومات تعرّضت للإقصاء أو التشويه. وفي هذا السياق نشهد كيف باتت الذاكرة التاريخية مشروعًا نضاليًا بحد ذاته، يهدف إلى تحرير الوعي، واستعادة الأرض الرمزية التي سُلبت باسم "التمدين".

بعيدًا عن الخطابات التنظيرية، تمتلكُ أفريقيا رصيدًا حيًا من الشخصيات والرموز التاريخية النسائية التي شكّلت مقاومة فعليّة للاستعمار، كانت – ولا تزال – دليلًا حيًا على أنّ الوعي السيادي في القارة لم ينقطع يومًا، وإنّما أُخفي قسرًا.

أماني ريناس: الكوشية التي مرغت كبرياء روما

في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، ظهرت الملكة أماني ريناس في مملكة كوش (شمال السودان الحالي)، بعد وفاة زوجها الملك تيريتاكاس. ورثت الحكم وقادت الجيوش في مواجهة الإمبراطورية الرومانية التي بدأت التوغل جنوبًا. رغمّ الفارق الكبير في العتاد والتعداد، استطاعت أماني أنْ تنتصر في أكثرِ من معركة، وتضرب عمقَ المستعمرات الرومانية في صعيدِ مصر، حتّى وصلت إلى أسوان حيث حطمت التماثيل الرومانية، وقطعت رأسَ تمثال للإمبراطور أغسطس ودفنته تحتَ عتبة معبدها في مروي كرسالة واضحة: "لن يسجد أحد لهذا الطاغية على أرضنا".

إنّ حرمان الأفريقي من تاريخه هو أفظع أنواع الاستلاب. فالذي لا يملك ماضيًا، لا يستطيع بناء مستقبل

انتهت الحملة بتوقيعِ معاهدة سلام فريدة في التاريخ الروماني، تُعفى فيها كوش من دفع الجزية، وتُقرّ بحدودها واستقلالها. ويعد هذا مثالًا نادرًا على اعترافِ إمبراطورية كروما بقوة سياسية أفريقية في جنوب الوادي.

نزينغا مباندي: العقل المدبر لمقاومة البرتغاليين

في القرن السابع عشر، وسط اجتياح برتغالي واسع لأنغولا، ظهرت الملكة نزينغا مباندي كأحد أبرع الزعماء في التاريخ الأفريقي الحديث. لم تعتمد فقط على قوتها العسكرية، بل مارسَت دبلوماسية متقدمة، حيث فاوضت، ناورت، وتلاعبت بالقوى الأوروبية. في مفاوضةٍ شهيرة، رفضَ البرتغاليون منحها كرسيًا لتجلسَ عليه في مؤتمر السلام، فجلست على ظهر أحد خُدامها، دلالة على أنّها لا تخضع، وأنّ كرامتها لا تُشترى.

حكمت لأربعة عقود، وحوّلت مملكة ما تامبا إلى ملاذ لكلّ الهاربين من العبودية، ونسجت تحالفاتٍ عسكرية مع الهولنديين، ونجحت في تأخيرِ التوسّع الاستعماري لعقود طويلة. يقول عنها الباحث الأنجولي جوزيه ماتشادو: "لم تكن فقط ملكة، بل كانت مشروعَ أمة، ومؤسسّة دولة مضادة".

يا أسانتيوا: رمزية العرش والكرامة النسائية

في غرب أفريقيا، وتحديدًا في غانا، خلدتها الذاكرة الشعبية اسم يا أسانتيوا، الملكة الأم لمملكة الأشانتي. في مطلع القرن العشرين، وعندما حاول البريطانيون الاستيلاء على "عرش الذهب" المقدّس، قادت يا أسانتيوا انتفاضة مسلّحة في وجه المستعمر، وخاطبت الرجال بلغة التحدي: "إذا أنتم رجال الأشانتي تخشون القتال، فإنّنا نحنُ النساء سنفعل، سنقاتل حتى آخر قطرة".

ورغم أنّ الثورة لم تنتصر عسكريًا، إلا أنّها كانت نقطة تحول في إدراك المستعمر أنّ المرأة الأفريقية ليسّت مجرّد تابع، بل زعيمة ومقاتلة، وقوة رمزية أيضاً.

السرد التاريخي كأداة للتحرر الذهني

تأتي أهمية السرد التاريخي من كونه ليس مجرد ترف معرفي، بل ضرورة نفسيّة وثقافية. فحين يُروى الماضي من داخل المجتمع، تُستعاد الثقة، ويُبنى الحاضر على أسس واضحة. وهذا ما يسعى إليه جيل جديد من المؤرخين والمفكرين الأفارقة:

  • كينيث أ. ديك: مؤسّس مدرسة “إيبادان” النيجيرية للتاريخ، ركّز على الرواية الشفوية كمصدر مشروع لفهم الماضي، رافضًا اعتبار الأرشيف الاستعماري هو الحقيقة المطلقة.

  • جوزيف كي. زيربو: شدد على أن "كل شعب له تاريخ، حتى وإن لم يُكتب"، ودعا إلى تبني منهج يجمع بين الرواية الشعبية والبحث الأكاديمي.

  • ديفيد أولوسوجا: البريطاني النيجيري الذي يعمل على تفكيك التصورات العنصرية في التاريخ الأوروبي، ودعا لإعادة الآثار المسروقة إلى أفريقيا، لأنّ "سرقة التماثيل كانت جزءًا من سرقة الهوية".

ولا تقتصر إعادة كتابة التاريخ على الأكاديميين، بل يشارك فيها الأدب والموسيقى والفن. مثل الموسيقي السنغالي بابا مال، الذي أعادَ عبر أغانيه الشعبية رواية القصص المحلية، ونقل مآسي مجتمعه بلغة شعبية تُفهم وتُعاش.

أعاد الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي بدوره الاعتبار للثقافة الإيغبوية، في روايته الشهيرة "Things Fall Apart"، التي صدرت عام 1958، وتُرجمت إلى أكثر من خمسين لغة. يسرد في الرواية، قصة انهيار المجتمع التقليدي ليس بوصفه حتميًا، بل نتيجة للاصطدام بعالم استعماري فظ.

ولا تقتصر إعادة كتابة التاريخ على الأكاديميين، بل يشارك فيها الأدب والموسيقى والفن

كما أنّ إعادة كتابة تاريخ أفريقيا لا تقتصر فقط على الكتابة الأكاديمية، بل تتجلى في سياساتٍ تعليمية وثقافية، تشمل إصلاح المناهج الدراسية. فقد قامت دول مثل: رواندا وغانا بإعادة النظر في برامج التعليم، وإدراج وحدات تركّز على التاريخ المحلي قبل الانتقال إلى التاريخ العالمي، في محاولة لتكوين وعي "rooted" في الأرض والسياق. تم أيضاً إطلاق متاحف ومراكز بحثية محلية، ففي غانا مثلاً أسسّت الباحثة نانا أوفورياتا آييم "موسوعة التراث المفتوحة"، بهدف توثيق الروايات المحلية والفنون الشعبية بعيدًا عن القوالبِ الغربية. إضافةً إلى نهوض حملات لاسترجاع الآثار حيث نشطَ باحثون، أمثال ديفيد أولوسوجا في الحملة الرامية إلى استعادة القطع الأثرية الأفريقية الموجودة في المتاحف الأوروبية، باعتبار أنّ هذه القطع تمثل جزءًا من هوية الشعوب المنهوبة.

كل تلك المبادرات تصب في اتجاهٍ واحد وهو إعادة بناء الذاكرة الجمعية على أسسٍ محلية، تسمح لأفريقيا أنْ تروي قصتها بنفسها، وتتحرّر من الوساطة المعرفية التي فُرضت عليها لقرون.

إنّ التاريخ ليس ماضياً فقط بل أفقا سياسيا! واستعادة هذا التاريخ ليست بحثًا في أطلال الزمن، بل عملٌ استراتيجي يستهدف الحاضر والمستقبل معًا. إن ما تواجهه أفريقيا اليوم من تحديات سياسية واقتصادية وثقافية، لا يمكن فصله عن الطريقة التي كُتب بها تاريخها، وعن الصور التي رُسمت لها في المخيال العالمي. ولذا، فإنّ مشروع إعادة كتابة التاريخ الأفريقي هو في جوهره مشروع تحرّر، وشرط من شروط السيادة. لا يدّعي هذا المشروع امتلاك "الحقيقة الوحيدة"، لكنه يطمح لأنّ يُعيد التوازن في سردية ظلت مختلّة طويلًا، ويمنح المجتمعات الأفريقية حقها في الذاكرة، في الحكي، وفي تعريف ذاتها دون وصاية.