الاثنين 9 مارس 2026
ليست معضلة القارة السمراء ثمرة خللٍ عارض في مؤسساتها، بقدر ما هي نتاج نموذج مأزوم من "الاستعمار الذاتي"، تُعيد فيه النخب الحاكمة إنتاج علاقة الهيمنة، فتُدير مواطنيها بمنطق الرعايا لا بمنطق المواطنين أصحاب الحقوق. ومن ثمّ، فإن توصيف التحولات الجارية في أفريقيا باعتبارها "أزمة ديمقراطية" لا يعدو أن يكون انزلاقا مفاهيميا؛ إذ إن الديمقراطية بالمعنى الجوهري لم تتجذر أصلا في أغلب السياقات الأفريقية. وباستثناء حالات محدودة - كجنوب أفريقيا وبوتسوانا وسيشل والرأس الأخضر، وبدرجة أقل موريشيوس والسنغال وغانا ونيجيريا - فإن معظم الأنظمة السياسية في القارة تفتقر إلى المقومات الدنيا لدولة قائمة على سيادة القانون. والأزمة الحقيقية لا تطال الديمقراطية، وإنما تصيب البنى المؤسسية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، والتي لم تعرف، منذ تسعينيات القرن الماضي، سوى إصلاحات سطحية لم تمسّ جوهرها.
لقد أعقبت موجاتُ الاحتجاج التي قادت إلى عقد مؤتمرات وطنية وإدخال تعديلات دستورية انطباعا عاما بأن عددا من الدول الأفريقية قد طوى صفحة الحكم العسكري وأنظمة الحزب الواحد، واتجه، ظاهريا، إلى تبنّي شعارات اقتصاد السوق ومقولاته.
إن السياسة في كثير من السياقات الأفريقية تحولت إلى لعبة محصلتها صفر: الخاسر يُجرَّد من كل شيء، والرابح ينفرد بمنابع الافتراس والثروة
غير أنّ هذا التحول ظلّ محكومًا بحسابات حذِرة؛ إذ جرى الالتفاف بعناية على الالتزام الفعلي بمقتضيات سيادة القانون. وبدل ترسيخ ديمقراطية ذات مضمون حقيقي، جرى الاكتفاء بصيغة يمكن وصفها بـ"التعددية الحزبية الإدارية"، لم تتجاوز وظيفتها حدود إعادة تزيين البنية السلطوية القديمة، ومنح دولة الحزب الواحد مظهرًا تعدديًا جديدًا دون المساس بجوهرها.
لقد مثّل نظام الحزب الواحد الصيغة السياسية الأقصى للشمولية، في عدد من البلدان التي خضعت لقيادة أنظمة شيوعية، واعتمدته النخب الحاكمة أداةً لإخضاع المجتمع وضبطه. أمّا في السياق الأفريقي، فإن الجذر المباشر لكلٍّ من الحكم العسكري ونظام الحزب الواحد لا يُفهم خارج التجربة الاستعمارية ذاتها.
إن المعركة الحاسمة في أفريقيا اليوم ليست بين أنظمة ومعارضات، بل بين من يراهنون على العنف العاري، ومن يراهنون على الذكاء الجماعي للأفارقة
لقد قامت السلطة الاستعمارية، بوصف ذلك أحد محرّكاتها العميقة، على ترسيخ كراهية الذات بصورة منهجية في وعي السكان الأصليين. ولم يُفضِ الاستقلال إلى تفكيك هذا الإرث السام، بل استثمرته الطبقات الحاكمة الناشئة سريعًا لصالحها، مستأنفةً عبره مسار "الاستعمار الذاتي" الذي كان قد وُضع أساسه إبان الاحتلال من خلال منظومة الزعامات المحلية والوساطة التقليدية.
وهذا المسار بعينه هو ما يتواصل إلى اليوم؛ إذ إن "التعددية الحزبية الإدارية"، بوصفها امتدادًا مُعادَ الصياغة لدولة الحزب الواحد، لا تُحدِث قطيعة حقيقية مع منطق كراهية الذات الذي يقوم عليه مشروع الاستعمار الذاتي. ومن ثمّ، فإن الأزمة الأفريقية الراهنة لا تمسّ الديمقراطية في معناها الجوهري بقدر ما تكشف عن انهيار النموذج نفسه الذي حَكم الدولة والمجتمع لعقود؛ أي نموذج الاستعمار الذاتي. ولم يعد من الممكن تبرير استمرار الحكّام في تدبير شؤون مواطنيهم بمنطق الرعايا الخاضعين، أو في إدارة بلدانهم كما لو كانت فضاءات واقعة تحت الاحتلال، لا كيانات سياسية ذات سيادة ومواطنة كاملة.
لقد كشف هذا النمط من الحكم، الذي استقرّت ممارسته لما يزيد على قرن من الزمن، عن عجزٍ بنيوي عن الاستجابة للأزمات التاريخية الثلاث الكبرى التي تكبّل مسار التنمية في القارة: أزمة إنتاج الثروة، وأزمة توزيعها، وأزمة تمثيل المواطنين. فقد أخفقت الدول الأفريقية في إرساء الشروط الاقتصادية والمؤسسية الكفيلة بإنتاج ثروة قادرة على تلبية الحاجات الأساسية لمجتمعاتها، بينما انحصرت الموارد المحدودة المتداولة في أيدي فئة آخذة في التضاؤل من نخب افتراسية، تتعارض مصالحها تعارضًا جوهريًا مع مصالح الأغلبية التي تخضع لحكمها. وفي موازاة ذلك، تتجلى أزمة التمثيل السياسي في الاتساع المتزايد للفجوة الفاصلة بين البنية الاجتماعية، والهيئة الناخبة، والطبقة السياسية، بما يفقد العملية السياسية مضمونها التمثيلي.
إن الأزمة الأفريقية المعاصرة لا تتعلق بالديمقراطية في معناها الجوهري، وإنما بانهيار نموذج الاستعمار الذاتي الذي أعاد إنتاج علاقة المستعمِر بالمستعمَر داخل الدولة الوطنية
وقد أسهم نموذج "التعددية الحزبية الإدارية" في تعميق هذه الاختلالات بدل احتوائها، إذ يقوم على استنزاف رأس المال الطبيعي، وعلى نمط اقتصادي يرتكز إلى تدمير البيئة والموائل، بما يجعله أقرب إلى "اقتصاد حرب" تُحسم فيه الصراعات حول أدوات الافتراس لا حول شروط الإنتاج. وفي مختلف السياقات، لا يستقيم هذا النموذج إلا عبر رفع منسوب العنف بوصفه آلية لضمان تراكم الأرباح. وانسجامًا مع منطق الأمر الاستعماري، تسعى غالبية الأنظمة إلى تكريس مجتمع من الرعايا بدل بناء جماعة سياسية من المواطنين، فتعمل على إجهاض تشكّل مجتمعات مدنية فاعلة أو سلطات مستقلة قادرة على الرقابة والمساءلة. وهكذا تُمارَس السلطة بمعزل عن أي محاسبة، وتتحول السياسة إلى لعبة محصلتها صفر: الخاسر يُجرَّد من كل شيء، وقد يُدفع إلى السجن أو المنفى، فيما ينفرد المنتصر بالتحكم الكامل في منابع الافتراس والثروة.
نحن مقبلون على طور قاتم في التاريخ الإنساني؛ إذ تشهد معظم مناطق العالم، بما في ذلك المجتمعات الغربية نفسها، انحسارًا للديمقراطية وتفريغًا متزايدًا لها من مضمونها، إلى جانب إضعاف المنظومات متعددة الأطراف وتآكل أسس التضامن الدولي. إننا بإزاء لحظة تاريخية تُختزل فيها القوة والسلطة إلى معناهما الأدنى: مجرّد القدرة على الاستحواذ والانتزاع. وفي السياق الأفريقي، يهدد هذا "المناخ الزمني" بإطلاق موجات واسعة من نهب الثروات الطبيعية واستباحة الأرواح البشرية، على نحو ما يتجلى اليوم في السودان وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ومنطقة الساحل.
وأمام هذا الانحدار، تبرز الحاجة الملحّة إلى إسناد المجتمعات المدنية، وإلى تنمية الكفاءات التي تسعى إلى ابتكار صيغ جديدة للعيش المشترك تتجاوز منطق العنف والافتراس. كما يغدو من الضروري العمل على تشييد تحالفات اجتماعية عريضة تضم النساء والشباب والمثقفين والفاعلين المدنيين. فهذه هي معركة الأفكار الحاسمة التي تخوضها أفريقيا اليوم: مواجهة بين "سياديين جدد" يراهنون على العنف العاري بوصفه مصدر الشرعية والقوة، وبين تحالفات اجتماعية تنشد ديمقراطية جوهرية، لا تستند إلى القسوة والإكراه، بل إلى الذكاء الجماعي وقدرة الأفارقة على إنتاج مستقبلهم المشترك.
المقال نشر هنا