الجمعة 6 مارس 2026
تقدّم في 6 يناير/ كانون الثاني 25 نائباً بريطانياً بمذكرة تدعو الهيئات الرياضية الدولية إلى النظر في استبعاد الولايات المتحدة من استضافة كأس العالم 2026، إلى حين إظهارها التزاماً بالقانون الدولي. ولم يأتِ هذا التحرّك من فراغ، بل جاء بعد أسابيع من تصاعد الضغوط في أوروبا على خلفية المناخ السياسي المحيط ببطولة يُفترض أن تستقطب ملايين المشاهدين، وتُقدَّم بوصفها رمزاً للتعاون الدولي والتقارب بين الشعوب.
في السياق نفسه، أيّد الإعلامي الهولندي تيون فان دي كيوكن عريضة عامة تدعو إلى الانسحاب من البطولة، بينما حذّر البرلماني الفرنسي إيريك كوكرِل من أن المشاركة قد تتحوّل إلى شكل من أشكال إضفاء الشرعية على سياسات قال إنها تقوّض المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
لقد تركز جانب كبير من هذا التدقيق على حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد المهاجرين، وعلى اعتداءاته الواسعة على الحريات المدنية. وأثارت وفاة رينيه نيكول غود وأليكس بريتي، وهما من سكان مينيابوليس، خلال تنفيذ قوانين الهجرة في يناير/كانون الثاني، موجة غضب واحتجاجات واسعة على مستوى البلاد. وخلال عام 2026 وحده، أُصيب ثمانية أشخاص على الأقل برصاص عناصر فيدراليين تابعين للهجرة أو ماتوا داخل مراكز الاحتجاز.
هذه التطورات خطيرة بلا شك، لكنها تقود إلى سؤال أوسع عن السلطة والمساءلة، سؤال لا يتوقف عند حدود القمع الداخلي، بل يمتد إلى آثار السياسة الأميركية خارجياً. وهنا تبرز الحرب على غزة بوصفها حالة طوارئ أعمق بكثير، وأكثر فتكاً، وأكثر اتصالاً بالدور الأميركي المباشر.
فعلى مدى عقود، كانت واشنطن الحليف الدولي الأكثر تأثيراً لإسرائيل، إذ وفّرت لها الحماية الدبلوماسية، والدعم السياسي، وما يقارب 3.8 مليارات دولار سنوياً من المساعدات العسكرية. هذه الشراكة لا تكتفي بتأمين الغطاء، بل تسهم في تمويل التدمير الجاري في الأرض الفلسطينية، وصياغة شروطه واستمراره.
في القارة الأفريقية، لا يُنظر إلى هذا العدوان بوصفه مجرد مأساة بعيدة، لأن الذاكرة التاريخية فيها تعرف جيداً أن الرياضة المنظمة لم تكن في يوم من الأيام معزولة عن صراعات التحرر
منذ اليوم الأول للحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتلت آلة الحرب الإسرائيلية أكثر من 72 ألفاً و32 فلسطينياً، وجرحت 171 ألفاً و661 آخرين، ودمّرت أو ألحقت أضراراً جسيمة بمعظم مساكن غزة ومدارسها ومستشفياتها وأنظمة المياه فيها، فضلاً عن سائر البنى المدنية الأساسية. كما جرى تهجير ما يقرب من 90 ٪ من سكان القطاع، أي نحو 1.9 مليون إنسان، وكثيرون منهم نزحوا مراراً مع انتقال القصف من منطقة إلى أخرى داخل الرقعة المحاصرة. وفي الوقت نفسه، صعّدت قوات الاحتلال والمستوطنون المسلحون الاقتحامات، ومصادرة الأراضي الزراعية، وفرض القيود المشددة على الحركة في جنين ونابلس والخليل والأغوار الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة. وبحسب توصيفات كثيرة، فإن ما تنفذه إسرائيل في غزة يرقى إلى إبادة جماعية.
في القارة الأفريقية، لا يُنظر إلى هذا العدوان بوصفه مجرد مأساة بعيدة، لأن الذاكرة التاريخية فيها تعرف جيداً أن الرياضة المنظمة لم تكن في يوم من الأيام معزولة عن صراعات التحرر. لقد كانت الملاعب، في لحظات مفصلية، جزءاً من منظومة الهيمنة، تماماً كما كانت المقاطعة الرياضية أداةً من أدوات المقاومة السياسية والأخلاقية.
في 16 يونيو/حزيران 1976، انضم هاستنغز ندلوفو، وهو فتى في الخامسة عشرة من العمر، إلى آلاف التلاميذ في سويتو الذين خرجوا احتجاجاً على فرض التعليم باللغة الأفريكانية. وبحلول نهاية ذلك اليوم، كان قد قُتل برصاص الشرطة التي أطلقت النار على تلاميذ عُزّل كانوا يسيرون في أحيائهم. لم يكن هاستنغز ضحية حادث عابر، بل ضحية نظام فصل عنصري رأى في الأطفال الأفارقة خطراً سياسياً، لا طلاباً ولا حتى بشراً كاملي الإنسانية.
في ذلك اليوم، قتلت الشرطة 575 شاباً وفتى، وأصابت آلافاً آخرين. ومع ذلك، لم ينجح هذا النزف الهائل في تعطيل العلاقات الدبلوماسية والرياضية بين نظام الأبارتهايد وعدد من حلفائه الغربيين. وبعد أسابيع فقط، بينما كانت العائلات تواري أبناءها الثرى في جنازات مثقلة بالحزن، حطّ المنتخب النيوزيلندي للركبي، "آل بلاكس"، في مطار يان سموتس في جوهانسبرغ، يوم 25 يونيو/حزيران، استعداداً لخوض مباريات داخل جمهورية قائمة على الفصل العنصري الصريح.
خلافاً لجنوب أفريقيا في ذروة الأبارتهايد، يجري تدمير غزة في الزمن الحقيقي، وتُنقل فصوله لحظة بلحظة، إلى حد كبير بفضل الصحافيين الفلسطينيين والمراسلين المواطنين
أثار ذلك غضباً واسعاً لدى كثير من الحكومات الأفريقية الفتية. وسرعان ما وصل الغضب إلى دورة الألعاب الأولمبية في مونتريال عام 1976، حين اختار رئيس اللجنة الأولمبية الدولية مايكل موريس واللجنة نفسها عدم اتخاذ أي إجراء ضد نيوزيلندا. عندها انسحبت 22 دولة أفريقية من الألعاب.
لم يكن ذلك قراراً رمزياً سهلاً. رياضيون قضوا سنوات من التدريب حملوا حقائبهم وغادروا القرية الأولمبية، وبعضهم كان قد بدأ المنافسة بالفعل. المغرب والكاميرون وتونس ومصر افتتحت مشاركتها ثم انسحبت على عجل بعدما استدعت حكوماتها الوفود. كما انسحبت نيجيريا وغانا وزامبيا من منافسات كرة القدم للرجال، فانهارت مباريات الدور الأول في ملعب مونتريال الأولمبي وملعب فارسيتي في منتصف البطولة. وشاهد الملايين عبر الشاشات مضامير فارغة ومسارات مهجورة تحل محل حدث كان يُروَّج له باعتباره احتفالاً عالمياً. أكثر من 700 رياضي خسروا فرصة المشاركة الأولمبية، من بينهم أصحاب أرقام قياسية عالمية، مثل: التنزاني فيلبرت بايي في سباق 1500 متر، والأوغندي جون أكيي-بوا في سباق 400 متر حواجز.
كان القادة الأفارقة يدركون تماماً ثقل هذا القرار وكلفته. لكنهم خلصوا إلى أن المشاركة في الأولمبياد ستمنح "الراحة والاحترام" للنظام العنصري في جنوب أفريقيا، وستشجعه على مواصلة تحدي الرأي العام العالمي. هذه الجملة وحدها تكاد تختصر جوهر المسألة اليوم: أحياناً يصبح الانسحاب، رغم كلفته، أقل ثمناً من التواطؤ الرمزي.
هنا تحديداً، يقدّم عام 1976 درساً حاسماً لعام 2026. فالمقاطعة ليست فعلاً سهلاً ولا رومانسياً. إنها تتطلب تضحية وتنسيقاً، وشجاعة سياسية، واستعداداً لتحمّل الخسائر الآنية من أجل مبدأ أعلى. لكن التاريخ يثبت أيضاً أن الرفض الجماعي قادر على إعادة توجيه أنظار العالم، وإجبار المؤسسات والجماهير على مواجهة ظلم كانوا يفضّلون تجاهله.
بعد نحو خمسة عقود، تبدو غزة اختباراً مشابهاً، وإن كان في سياق مختلف وحجم كارثة أكثر اتساعاً واستمراراً. ويمكن اختزال المأساة، ولو جزئياً، في قصة الطفلة الفلسطينية سدرة حسونة، ذات السنوات السبع، من رفح. فقد قُتلت مع أفراد من أسرتها في غارة جوية إسرائيلية يوم 23 فبراير/شباط 2024، حين استُهدف المنزل الذي لجأت إليه العائلة طلباً للأمان وسط القصف العنيف في جنوب القطاع.
قصة سدرة ليست استثناءً، بل مرآة لآلاف القصص الأخرى. وهي تكشف الحقيقة ذاتها التي عرفتها سويتو من قبل: الطفولة تُمحى أولاً حين تتحول الأجساد الضعيفة إلى أهداف في حسابات القوة. غير أن الفارق اليوم أن هذه الجرائم تقع أمام جمهور عالمي مباشر. فخلافاً لجنوب أفريقيا في ذروة الأبارتهايد، يجري تدمير غزة في الزمن الحقيقي، وتُنقل فصوله لحظة بلحظة، إلى حد كبير بفضل الصحافيين الفلسطينيين والمراسلين المواطنين، وقد قُتل منهم ما يقرب من 300 بنيران الغارات الجوية والقصف المدفعي الإسرائيلي.
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة تزويد إسرائيل بالسلاح، وتوفير الغطاء الدبلوماسي لها، وحمايتها باستخدام حق النقض في الأمم المتحدة. وإذا كانت انتهاكات ترامب للحريات المدنية خطيرة، فإنها لا تقارن من حيث الحجم والدمار بما يعيشه الفلسطينيون في غزة. فالحصيلة الإنسانية هناك لا تُقاس فقط بعدد القتلى والجرحى، بل أيضاً بالمستشفيات المدمرة، والعائلات المشرّدة، والتجويع القسري، والأطفال المدفونين تحت الأنقاض.
السؤال المركزي هنا هو هل يمكن لكرة القدم أن تقدّم نفسها بوصفها احتفالاً ممتداً لأسابيع بالتفوق الرياضي، عبر 16 مدينة مضيفة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بين يونيو/حزيران ويوليو/تموز، فيما تواصل الولايات المتحدة نفسها دعم تدمير واسع النطاق للمدنيين في الخارج؟ وهل تستطيع بطولة عالمية أن تدّعي الحياد فيما الدولة المضيفة شريك أساسي في حرب تُبيد شعباً وتشرّده وتجوّعه؟
القارة شهدت كيف يمكن للملاعب والبطولات الدولية أن تتحول إلى مسارح تمنح الشرعية السياسية، كما شهدت في المقابل كيف يستطيع الانسحاب أن يهدم تلك الصورة اللامعة
الذاكرة السياسية الأفريقية تدرك رهانات هذا السؤال. فالقارة شهدت كيف يمكن للملاعب والبطولات الدولية أن تتحول إلى مسارح تمنح الشرعية السياسية، كما شهدت في المقابل كيف يستطيع الانسحاب أن يهدم تلك الصورة اللامعة. ومن هنا، فإن أي مقاطعة منسقة لكأس العالم 2026 ستحتاج إلى قرار مشترك من الحكومات التي تمثل المنتخبات المتأهلة، مثل: المغرب والسنغال والجزائر وتونس ومصر وساحل العاج وغانا والرأس الأخضر وجنوب أفريقيا، على أن يحظى هذا القرار بدعم من الاتحاد الأفريقي والمؤسسات الإقليمية والاتحاد الأفريقي لكرة القدم.
ستكون النتائج فورية. أولاً، ستفقد البطولة ادعاءها بالشمولية العالمية، لأن غياب أفريقيا لن يكون تفصيلاً هامشياً، بل ضربة مباشرة إلى فكرة "المهرجان الكوني" التي تقوم عليها كأس العالم. ثانياً، سيُجبر الرعاة التجاريون والشركات العملاقة على مواجهة أسئلة طالما تهربوا منها بشأن معنى الاستثمار في حدث يمنح الدولة المضيفة مشهداً من الوجاهة الدولية، وهي تساند حرباً بهذه الوحشية. ثالثاً، وهو الأهم، سيتحوّل مركز الانتباه الدولي من أجواء الاحتفال إلى جوهر الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تحاول البطولة حجبها.
صحيح أن المقاطعات لا تنهي الحروب بين ليلة وضحاها. لكنها تؤدي وظيفة مختلفة وحاسمة: إنها تنتزع من العالم راحة الادعاء بأن الظلم غير موجود. لم يُسقط انسحاب مونتريال نظام الفصل العنصري فوراً، لكنه سرّع عزله، ووسّع التحالف العالمي المناهض له، وفضح كلفة الاستمرار في معاملته كدولة طبيعية.
اليوم، يزيد من ضرورة هذا الضغط الخارجي التناقض السياسي المزمن داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه. ففي قرعة كأس العالم التي أُقيمت في واشنطن في الخامس من ديسمبر/كانون الأول، منح رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو ترامب "جائزة سلام" لقاء جهوده في "تعزيز السلام والوحدة حول العالم". لا يمكن لمنظمة تدّعي الحياد أن تواصل تقديم الشرعية الرمزية لزعيم تشرف دولته على دعم قتل جماعي للمدنيين. وفي مثل هذا السياق، تصبح اللامشاركة موقفاً أخلاقياً ضرورياً لا مجرّد رد فعل احتجاجي.
قد لا تنهي المقاطعة فوراً مأساة غزة، لكنها ستتحدى الدعم الأميركي للهجوم العسكري المتواصل، وستكرّم، في الوقت نفسه، ذكرى أطفال مثل هاستنغز ندلوفو وسدرة حسونة. وبينهما، رغم تباعد الزمن والجغرافيا، خيط تاريخي واحد: الأطفال يدفعون الثمن أولاً حين تقرر الأنظمة الإمبراطورية والاستعمارية أن حياة السود والملونين بلا قيمة.
لقد أعاد موقف أفريقيا في 1976 تشكيل مقاومة الأبارتهايد على المستوى الدولي. وقرار مشابه في 2026 يمكنه أن يعزز معارضة أنظمة الهيمنة المعاصرة، وأن يبعث إلى العائلات في غزة رسالة واضحة مفادها أن القارة لم تنسَ معنى التضامن، ولا تزال قادرة على تحويل ذاكرتها التحررية إلى فعل سياسي حي.
التاريخ لا يتذكر فقط من ارتكبوا الظلم، بل يتذكر أيضاً من رفضوه، ومن اختاروا الراحة والفرجة فيما الأطفال يُقتلون تحت القصف والاحتلال. وإذا شاركت المنتخبات الأفريقية في كأس العالم 2026 وكأن شيئاً لا يحدث في غزة ورفح وخانيونس وجنين والخليل، فإن هذه المشاركة تخاطر بأن تتحول إلى شكل من أشكال تطبيع البنية الاستعمارية ومنحها شرعية إضافية.
لهذا، لا يكفي أن يطالب بعض الأوروبيين باستبعاد الولايات المتحدة من الاستضافة. التاريخ الأفريقي نفسه يدفع باتجاه موقف أشد وضوحاً وأكثر انسجاماً مع إرث القارة من خلال الانسحاب الكامل من البطولة. فحين تصبح اللعبة ستاراً على المذبحة، لا يعود الحضور حياداً، بل تواطؤاً. لذلك، لا يمكن لعب كرة القدم فوق قبور الشهداء الفلسطينيين. وعلى أفريقيا أن تقاطع كأس العالم 2026.