تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 10 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

أفريقيا في هوامش تقرير ميونخ للأمن 2026: العُشب وقتال الفيلة!

19 فبراير, 2026
الصورة
أفريقيا في هوامش تقرير ميونخ للأمن 2026: العُشب وقتال الفيلة!
Share

تصدرت غلاف تقرير ميونخ للأمن Munich Security Report (Feb. 2026) صورة دالة لفيل بدت على جلده آثار عراك دائب؛ بين جزء من شعار الأمم المتحدة على ذيله، وجانب من شعار نجمة الناتو على أنفه، وخرائط متفرقة لمناطق أزمات؛ ولئن كان واضحًا، حسب تفسير التقرير، أن الفيل في الغرفة، وهو أيضًا رمز للحزب الجمهوري بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يرمز لعزم مؤتمر ميونخ للأمن على التركيز الدائم على القضايا الراهنة، فإن ملامح الخلاف الأوروبي- الأمريكي بدت أكثر وضوحًا في صفحات التقرير الذي يكتسب أهمية عامًا بعد آخر في رصد، بل وصياغة، السياسات الدولية الراهنة.

جاء الإصدار الأخير تحت عنوان بالغ التشاؤم "قيد التخريب" (Under Destruction)، في إشارة إلى حالة الأمن في العالم، وتدهورها الحاد في العام 2025-2026، وناقش قضايا تمس بشكل مباشر القارة الأفريقية دون أن يوليها اهتمامًا خاصًا؛ إذ اقتصرت فصول التقرير، بعد بسط مقدمة مطولة مصحوبة بمؤشر ميونخ للأمن 2026، على تناول الوضع في أوروبا، ومنطقة الهندي- الهادئ المحيطية، وقضايا الاقتصاد العالمي، ومسألة التنمية والمساعدات الإنسانية، ولم تتضمن تفاصيلها إشارات مباشرة لأفريقيا مكتفية بتناول مباشر وحيد لدولة جنوب أفريقيا ضمن القسم الخاص بمؤشر ميونخ للأمن.

تقرير ميونخ للأمن 2026: أفريقيا الغائب الكبير

خلُص التقرير في إحدى خلاصاته إلى أن النظام الدولي الذي أُطلق منذ أكثر من 80 عامًا، بقيادة الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يواجه راهنًا تخريبًا واضحًا، وأن المثير للسخرية تصدر رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب لائحة أبرز الشخصيات الفاعلة في هذا التخريب، منتهجًا "سياسة البلدوزر" (bulldozer politics) التي يوقن هو وأنصاره بقدرتها على كسر جمود المؤسسات وفرض حلول للتحديات العسيرة.

انشغل التقرير، الهام في حقيقة الأمر بصياغة السياسات العالمية عوضًا عن رصدها، وغابت أفريقيا بشكل شبه كامل عن قضاياه. فقد اكتفى بتناول عدد من القضايا العامة المؤثرة في أفريقيا دون ربط مباشر، مثل مسألة خفض المساعدات الدولية وآثارها على الدول النامية.

وجه عدم الغرابة في التقرير يحاول علاج قصور واضح في أجندة المؤتمر، وتضمين أفريقيا في مداولاته "في اللحظات الأخيرة"، بل في مضمونه ووصفته المطروحة أيضا

لكن يبدو أن دورة مؤتمر ميونخ للأمن (2026) هذه المرة أوروبية بامتياز، وأن المشاغل المصيرية عمقت بشكل أكبر تهميش أفريقيا وقضاياها في هذا المحفل الدولي الهام. وتبين ذلك جليًا في أجواء خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في المؤتمر (14 فبراير/ شباط الجاري) الذي حظي بتصفيق حار من الحضور عند نهايته، قارنه مراقبون بحالة الإحباط "الأوروبية" في العام الماضي، عقب خطاب نائب الرئيس الأمريكي جيمس فانس الصدامي والعدائي تجاه أوروبا.

عمّق محللون، أبرزهم سيلفي كوفمان Sylvie Kauffmann بصحيفة لوموند الفرنسية، الرؤية قليلًا بلفتهم الانتباه إلى عدم تناقض مضامين الخطابين في واقع الأمر، وأن الحيلة انطلت على الأوروبيين من لهجة روبيو الناعمة، وحماستهم لاستعادة أجواء ما بعد الحرب العالمية الثانية والقيادة الأمريكية للغرب ونهضته وتحالفاته؛ الأمر الذي يعني – في السياق الحالي- استمرار أفريقيا حديقة خلفية بكل ما تعنيه الكلمة لأوروبا "والغرب"، حسب مفهوم روبيو الذي تقبله الأوروبيون بسعادة غامرة.

خفض المساعدات الدولية: أفريقيا على المحك "مجددًا"

لاحظ التقرير، في الفصل الخامس والأخير، تحولًا كبيرًا في المشهد الدولي من أجواء العام 2015 الإيجابية، عندما تبنى المجتمع الدولي "أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة" (UN SDGs)، واتفاق باريس للتغير المناخي، إلى الحالة المقلقة راهنًا مع تضييق الحكومات في الدول المناحة الرئيسة تعريفها للمصالح الوطنية لتقتصر على التنافس الاقتصادي والحماية من التهديدات الأمنية الآنية والمباشرة تمامًا؛ الأمر الذي يمكن ملاحظته بشكل مباشر بمقارنة النسخة الحالية من مؤتمر ميونخ للأمن بنسخة العام 2025، والتي تضمنت قسمًا خاصًا عن الأمن في إقليم الساحل كأبرز تهديد أمني في العالم اتساعًا وآثارًا، كما تضمن تقرير الأمن نفسه للعام 2025 فصلًا كاملًا موسعًا ومهمًا عن جنوب أفريقيا.

المشاغل المصيرية عمقت بشكل أكبر تهميش أفريقيا وقضاياها في هذا المحفل الدولي الهام

رصد التقرير هذا التراجع في إنفاق السياسات التنموية الدولية، الذي كان يستهدف بالأساس أفريقيا، على خلفية مواجهة حكومات الدول المانحة ضغوطًا متزايدة في الموازنة، وتراجع الدعم الشعبي لها، وصعود ذهنية "نحن مقابل هم". كما عززت الحملات الشعبوية توجهات هذا التراجع؛ إضافة إلى مسألة هامة في ضبط السياسات الأوروبية تجاه أفريقيا ألا وهي "حرب روسيا في أوكرانيا وتزايد التوتر في البيئة الجيوسياسية الأمر الذي دفع الكثير من الدول الأوروبية لوضع أولوية للدفاع في سياساتها الخارجية".

رغم ما يبدو منطقيًا في سرد التقرير، فإنه ثمة اضطرابا واضحا في هذا السرد؛ فصعود الحملات الشعبوية – على سبيل المثال- مسألة مشهودة في العقد الأخير، كما ترتبط سياسات تقديم المساعدات بمصالح مباشرة لحكومات الدول المانحة على المستويين الاقتصادي والسياسي- الأمني في الدول المتلقية، وفق صيغ تعاون متفق عليها. إضافة إلى أهمية تدفق المساعدات (والاستثمارات) الأوروبية إلى أفريقيا بعد الحرب في أوكرانيا، لموازنة "النفوذ" الروسي في القارة واحتوائه.

بأي حال فقد عاد التقرير إلى طرح سبب آخر لتراجع المساعدات، تمثل في "تسييس الدول المانحة المتزايد لمعوناتها بربطها التعاون التنموي بالنفوذ الاقتصادي والجيواستراتيجي الذي يحقق للأولى مصالحها الوطنية"؛ ولا يبدو للمتابع أن هذا السبب يمثل أي طرح جديد في واقع الأمر، وأن المثالين الذين يطرحهما التقرير، وهما EU Global Gateway، ومبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative (BRI) الصينية، على هذا التوجه لا يمثلا متغيرًا جديدًا بقدر ما أنهما تطويرًا وتحديثًا وتوسعة لسياسات قائمة بالفعل ربما منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لكنهما لا يمثلا افتراقًا عن دبلوماسية ربط المساعدات بالمصالح الوطنية للدول المانحة.

تقرير ميونخ بين الاستثناء الجنوب أفريقي ومطالب تكيف أفريقيا

لم يرصد تقرير ميونخ للأمن للعام الحالي قضايا أفريقية بشكل مباشر، من زاوية تأثيرها في مكجمل الوضع الأمني العالمي على أقل تقدير، وكان الاستثناء الوحيد تناوله للوضع الاقتصادي في جنوب أفريقيا بناء على رؤية نخبة من المتخصيين والمعنيين به في الأخيرة. وعلى سبيل المثال زاد مؤشر الأزمة الاقتصادية أو المالية (2025) درجتين مقارنة بالعام 2024 (من 72٪ إلى 74٪)، وكذلك الحالة في مؤشر نمو التفاوت rising inequality من 61٪ إلى 63٪، بينما تحسن مؤشر اضطراب إمدادات الطاقة من 68٪ إلى 64٪، وارتفع مؤشرا العنصرية وأشكال التمييز الأخرى، والجريمة المنظمة الدولية ثلاثة درجات لكل منهما (من 63٪ إلى 66٪، ومن 55٪ إلى 58٪ على الترتيب).

عاد إلى طرح سبب التقرير آخر لتراجع المساعدات، تمثل في "تسييس الدول المانحة المتزايد لمعوناتها بربطها التعاون التنموي بالنفوذ الاقتصادي والجيواستراتيجي الذي يحقق للأولى مصالحها الوطنية"

رصد التقرير ثلاثة ملاحظات هامة وموجزة حول الاقتصاد الجنوب أفريقي وارتباطاته السياسية: إن المخاطر الاقتصادية –سواء الأزمة الاقتصادية أو المالية وتصاعد التفاوت- تمثل ذروة المخاوف بين المعنيين الجنوب أفارقة، وتحل في المرتبتين الأولى والثانية في لائحة هذه المخاوف. كما يعد التهديد الذي تفرضه الولايات المتحدة على البلاد مسألة خطيرة في ضوء تصاعدها، وتحظى بنظرة جادة للغاية منذ العام الماضي؛ وأن جميع المخاطر البيئية، مثل التغير المناخي بشكل عام، وحالة الطقس المتطرفة وحرائق الغابات تدمير البيئات الطبيعية، باتت أقل حدة في نظر الجنوب أفارقة مقارنة بالعام الماضي. كما رصد التقرير على الجانب السياسي، أو العلاقات الدولية لجنوب أفريقيا تحديدًا، تدهور علاقات بريتوريا مع واشنطن في العامين 2024-2025 بدرجة ملفتة (في حدود 17 نقطة إضافية).

إلى جانب هذا "الاستثناء" الجنوب أفريقي في اهتمام تقرير ميونخ للأمن، بدت القضايا الأفريقية التي تم طرحها خلال فعاليات المؤتمر وكأنها تستجدي الاهتمام في حدوده الدنيا. ولم يكن غريبًا أن يصدر مركز التكيف العالمي (Global Center on Adaptaion) خلال فعاليات المؤتمر (15 فبراير/شباط) تقريرًا على هامش هذه الفعاليات حمل عنوانًا مألوفًا: "التكيف المناخي والأمن في الساحل والقرن الأفريقي"، و تم توزيعه على المشاركين، وأن يتضمن هذا التقرير "وصفة طبية" لعلاج مشكلات الأمن في أفريقيا.

وجه عدم الغرابة هنا لا يكمن فحسب في أن التقرير يحاول علاج قصور واضح في أجندة المؤتمر، وتضمين أفريقيا في مداولاته "في اللحظات الأخيرة"، بل في مضمونه ووصفته المطروحة أيضا، والتي لم تأت بجديد يذكر؛ إذ حذر التقرير من أن استمرار مزيد من موجات الجفاف والفيضانات والضغوط المائية المستدامة يقوي من "أنماط عدم الاستقرار والعنف في إقليمي الساحل والقرن الأفريقي"، الأمر الذي يبرز تداعيات هذه التهديدات على "الأمن والسلم الدوليين".

يوصي التقرير بتخصيص نسبة من النفقات العالمية المرتبطة بالأمن وصيانته دوليًا (لاسيما داخل تحالف الناتو)، ليبدو الأمر في المحصلة "أزمة إنسانية" بحاجة لمساعدات ملحة، وتكيف أفريقي ضروري للتغلب على هذه الأزمة، في حين أن الإقليم برمته يمر منذ سنوات بحالة تفكيك نظامه وأمنه وموجة من القضاء المنهجي على هذا النظام أو ما يمكن وصفه بفرض حالة القضاء على النظام disorder.

إن الحلول الأمنية الحقيقية (في سياق اهتمامات مؤتمر ميونخ والقائمون عليه) تظل بعيدة المنال في أفريقيا، مع غلبة سردية مواجهة القضايا المناخية لتحقيق الاستقرار، ودفعنا إلى التساؤل عن جدية التزام الدول المتقدمة بدعم أفريقيا (والقرن الأفريقي والساحل على وجه التحديد هنا) لمواجهة هذه الظواهر بالغة الخطورة، وعلى أسس التعاون الثنائي الملتزم بقيم من قبيل الندية والمساواة واحترام السيادة في العلاقات الدولية؟

إن فعاليات مؤتمر ميونخ للأمن تمضي في مسارها المرسوم لها بدقة، وتركز على معالجة اختلالات العلاقات الأمريكية- الأوروبية، وما يرتبط بها مباشرة من مشاغل قوى كبرى ومتوسطة، مثل: الصين واليابان والبرازيل وجنوب أفريقيا، فيما يبدو بحق قلب النظام العالمي الراهن، والذي تبدو الأزمات والصراعات والكوارث الإنسانية والأمنية على أطرافه (لاسيما في أفريقيا) مجرد قضايا فرعية للغاية (في أفضل تقدير)، رغم أنها في جوهرها، وفي استدامتها، نتيجة مباشرة (ضمن عوامل أخرى بطبيعة الحال مثل حالة الدولة الوطنية ورؤية النخب السياسية والعسكرية المحلية لها) لسياسات القوى الكبرى والمتوسطة وتناقضات مصالحها ومصالح الشبكات المحلية في الدول الأفريقية التي تخدم هذه السياسات بصورة أو بأخرى، وبادعاءات متكررة. وقد بلور تقرير مؤتمر ميونخ للأمن (2026) هذه الصورة النمطية عن مدى هامشية أفريقيا في مصالح هذا النظام الدولي واهتماماته لأقصى درجة ممكنة.