تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

أفريقيا في الاستراتيجية الأمريكية: من مكافحة الإرهاب إلى التنافس مع الصين

15 مايو, 2025
الصورة
أفريقيا في الاستراتيجية الأمريكية: من مكافحة الإرهاب إلى التنافس مع الصين
Share

تشهد القارة الأفريقية تحولات جيوسياسية غير مسبوقة، وضعتها في صلب التنافس الدولي على النفوذ بين القوى الكبرى؛ فبينما تعزز الصين حضورها من خلال استثمارات استراتيجية ومشاريع حيوية، تعمل الولايات المتحدة على إعادة صياغة مقاربتها، متجاوزة التركيز الأمني الأحادي نحو استراتيجية شاملة متعددة الأبعاد. في صميم هذا التنافس، يبرز القرن الأفريقي، وخاصة صوماليلاند، كساحة مفصلية تعكس تغير موازين القوى العالمية، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على الجانب الأمني-العسكري، بل امتدت لتشمل الاقتصاد والدبلوماسية وأدوات القوة الناعمة.

التطور التاريخي للاستراتيجية الأمريكية في أفريقيا

قبل الحرب الباردة، احتلت أفريقيا موقعاً هامشياً في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، غير أن هذا الوضع شهد تحولاً جوهرياً مع تصاعد التنافس الأيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. إذ شرعت واشنطن في بناء شراكات استراتيجية مع أنظمة أفريقية مناهضة للشيوعية، حتى وإن كانت هذه الأنظمة ذات طبيعة استبدادية، كما هو الحال في  زائير (الكونغو الديمقراطية حالياً) وأنغولا، في إطار سياسة الاحتواء الموجهة ضد النفوذ السوفيتي.

مع تفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، تراجعت الأهمية الجيوسياسية لأفريقيا في أولويات واشنطن، حيث أعادت الإدارة الأمريكية تقييم مقاربتها. وركزت على قضايا ذات طابع إنساني وأمني محدد، كالنزاعات المسلحة ومكافحة الإرهاب وإدارة الأزمات الإنسانية. لكن هذا التراجع النسبي لم يدم طويلا، فقد أعادت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وضع القارة الأفريقية – خصوصا مناطق مثل الساحل والقرن الأفريقي – في صلب أجندة الأمن القومي الأمريكي، باعتبارها مناطق هشاشة مؤسسة وبيئة خصبة لنشاط الجماعات الإرهابية.

برزت معالم مرحلة جديدة تتجاوز النهج الأمني التقليدي، مما حدا بالولايات المتحدة إلى إعادة هندسة أدواتها الاستراتيجية لاحتواء تراجع نفوذها، لا سيما مع تصاعد النفوذ الصيني المطرد في المنطقة

تمثلت أبرز تجليات هذا التحول في إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا "AFRICOM" عام 2008، وهو تطور مؤسسي عكس انتقال الولايات المتحدة من مقاربة لا مركزية للوجود العسكري والاستخباراتي في القارة، رغم التحفظات التي أبدتها بعض الحكومات الأفريقية بشأن احتمال المس بسيادتها الوطنية.

سعت واشنطن، بالتوازي مع مقاربتها الأمنية، إلى تعزيز حضورها في القارة الأفريقية عبر مبادرات تنموية، إلا أن تأثيرها ظل محدوداً الأثر مقارنة بالطفرة الاستثمارية التي حققتها قوى صاعدة كالصين. كما لم تنجح في تقديم نموذج تنموي متكامل، مما فسح المجال أمام فاعلين دوليين وإقليميين - إلى جانب الصين – مثل: روسيا وتركيا والإمارات لملء الفراغ الاقتصادي، من خلال صفقات استراتيجية ومشاريع ضخمة واستثمارات حيوية، وهو ما مكن هذه القوى من ترسيخ نفوذها في القارة تدريجيا.

في خضم هذه التحولات، برزت معالم مرحلة جديدة تتجاوز النهج الأمني التقليدي، مما حدا بالولايات المتحدة إلى إعادة هندسة أدواتها الاستراتيجية لاحتواء تراجع نفوذها، لا سيما مع تصاعد النفوذ الصيني المطرد في المنطقة.

التحول الجيوسياسي: الصين منافس رئيسي

بداية الألفية الجديدة، برزت الصين قوة محورية أعادت تشكيل توازن القوى التقليدي في أفريقيا، حيث حولت أدواتها الاقتصادية إلى نفوذ استراتيجي عبر دبلوماسية اقتصادية مرنة. تعتمد بكين على قروض ميسرة، مشروطة بضمانات مادية، وتمويل مشاريع البنية التحتية الضخمة ضمن مبادرة الحزام والطريق، ما جعلها شريكًا جذابًا للحكومات الأفريقية الساعية لسد الفجوة التنموية دون شروط سياسية. وتجلى ذلك في إطلاق أكثر من 30 مشروعاً حيوياً في قطاعات البنية التحتية والطاقة عام 2024.

واجهت الولايات المتحدة هذا التحدي بسياسات متباينة حسب الإدارات المتعاقبة. ففي عهد أوباما (2009-2017)، اعتمدت واشنطن على مبادرة "Power Africa" التي ركزت على توفير الطاقة المستدامة. وخلال فترة ترامب (2017-2021) تم تبني سياسة أكثر تصادمية من خلال "Prosper Africa"، التي سعت إلى دفع النمو الاقتصادي عبر استثمارات ضخمة، لكن بشروط خاصة تتعلق بتطوير بيئة الأعمال المحلية. أما في عهد بايدن (2021-2025) فقد سعت واشنطن إلى تحقيق توازن بين المبادرات التقليدية مثل الدبلوماسية العامة، مع تعزيز التعاون في مجالات الأمن والطاقة المستدامة والتكنولوجيا من خلال مبادرة "استراتيجية جديدة لأفريقيا جنوب الصحراء".

دخلت السياسة الأمريكية، مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع 2025، مرحلة أكثر براغماتية، حيث تحولت المساعدات التنموية من منح إلى قروض استثمارية مربحة، مع تركيز خاص على قطاعات المعادن النادرة والطاقة. كما تشهد الفترة تعزيزاً على المستوى العسكري مع الحلفاء الأفارقة، مقابل تخفيف الضغوط المتعلقة بالحوكمة وحقوق الإنسان لصالح الاعتبارات الجيوسياسية.

في المقابل، عززت الصين وجودها عبر أدوات اقتصادية وسياسية مرنة، مستفيدةً من رغبة العديد من الأنظمة الأفريقية في التنوع والابتعاد عن الهيمنة الغربية. نتيجة لذلك، طورت بكين أدوات نفوذ غير مباشرة من خلال توسيع مشروعات البنية التحتية الاستراتيجية، مثل الموانئ والمطارات، التي لا تقتصر على تعزيز التجارة فقط، بل يمكن تحويلها لاحقًا إلى منشآت ذات طابع استراتيجي عسكري. هذا التحرك يعكس تغييرًا في النهج الصيني نحو ضمان وجود دائم في المناطق الجغرافية الحيوية، مما يعزز دورها في الصراع الجيوسياسي، لا سيما مناطق مثل البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

كما امتد هذا التنافس إلى أدوات القوة الناعمة، فبينما وظفت الصين معاهد اللغة وتمويل المشاريع التعليمية، اعتمدت الولايات المتحدة على برامج التبادل الثقافي والدبلوماسية العامة. لكن الفارق الجوهري يكمن في إدماج بكين لاستثماراتها ضمن أولويات التنمية المحلية، مما يمنحها قبولاً أوسع، في حين تظل الأدوات الأمريكية أكثر تقليدية، وأقل ارتباطاً باحتياجات القطاعات الحيوية. فالصين تدرك أن النجاح في أفريقيا يعتمد على تقديم حلول تنموية واقعية تلبي احتياجات القارة، بينما تظل الأدوات الأمريكية مرتبطة بالقيم الديمقراطية والمعايير الغربية.

لم يكن القرن الأفريقي بمنأى عن هذه الاستراتيجيات، بل أصبح ساحة حيوية لتجسيد التنافس الأمريكي- الصيني، حيث تحولت صوماليلاند إلى نموذج مصغر للصراع الشامل بين القوتين.

القرن الأفريقي: صوماليلاند والصراع على النفوذ

يُشكل القرن الأفريقي نموذجًا مركزيًا للتنافس الأمريكي-الصيني، حيث يشهد تحولاً استراتيجيا في السياسة الأمريكية من التركيز الأحادي على مكافحة الإرهاب إلى مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين الاعتبارات الأمنية والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية. بعد عقدين من هيمنة "الحرب على الإرهاب" على الأجندة الأمريكية في المنطقة منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، ولا سيما في مواجهة الجماعات المتطرفة، مثل "حركة الشباب" الصومالية، أدى التوسع الصيني الكبير في استثماراتها إلى تغيير المعادلة الجيوسياسية في المنطقة.

وفي هذا السياق الجديد، تعد صوماليلاند بما تتمتع به من موقع استراتيجي عند مضيق باب المندب الذي يُعتبر شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، نقطة جذب رئيسية في هذا التنافس. وهذا الموقع جعلها محور اهتمام واشنطن، التي تسعى إلى تعزيز شراكاتها في المنطقة لموازنة النفوذ الصيني المتزايد، خاصة بعد التوسع الكبير لبكين في القارة. وقد تجسد هذا الاهتمام من خلال زيارات مسؤولين أمريكيين إلى هرجيسا في عهد ترامب الأول وصولاً إلى تقديم النائب الجمهوري سكوت بيري مشروع قانون  (H.R.10402)في ديسمبر/كانون الأول 2024، الذي دعا إلى الاعتراف بصوماليلاند مستندًا إلى استقرارها وأهميتها الاستراتيجية.

يُعد القرن الأفريقي، عبر حالة صوماليلاند، نموذجًا حيًا لتحول الاستراتيجية الأمريكية من المواجهات الأمنية إلى منافسة شاملة مع الصين في أبعاد اقتصادية واستراتيجية

تأتي هذه التحركات في إطار مسارا طويل بدأ منذ عام 2020، حيث جرت محادثات سرية بين الرئيس ترامب ووزير الدفاع البريطاني الأسبق جافين ويليامسون حول دعم الاعتراف الدولي بصوماليلاند. كما أكدت وثيقة "مشروع 2025: مشروع الانتقال الرئاسي" الصادرة عام 2023 هذا التوجه، مشيرة إلى أهمية صوماليلاند بديلا استراتيجيا محتملا للوجود العسكري الأمريكي في جيبوتي.

يمكن فهم هذا الاهتمام الأمريكي المتنامي ضمن سياق التنافس الجيوسياسي مع الصين، التي رسخت وجودها في القرن الأفريقي منذ افتتاح أول قاعدة عسكرية دائمة لها في جيبوتي عام 2017، بالقرب من القاعدة الأمريكية "كامب ليمونيه". في هذا السياق، أًصبح ميناء بربرة نقطة محورية في مساعي الولايات المتحدة للبحث عن بدائل استراتيجية لموانئ الصين في المنطقة.

في هذا الإطار، جاء الاتفاق بين صوماليلاند وإثيوبيا عام 2024، الذي جعل من ميناء بربرة شريانًا حيويًا للتجارة الإقليمية. ورغم غياب تمويل صيني علني للمشروع، إلا أن هناك مخاوف أمريكية من أن هذا التعاون قد يوفر فرصة لبكين لتعزيز نفوذها عبر قنوات اقتصادية غير مباشرة، كما حدث في موانئ أفريقية أخرى مثل: مومباسا في كينيا ولومي في توغو.

هكذا، يُعد القرن الأفريقي، عبر حالة صوماليلاند، نموذجًا حيًا لتحول الاستراتيجية الأمريكية من المواجهات الأمنية إلى منافسة شاملة مع الصين في أبعاد اقتصادية واستراتيجية. وبينما تعتمد بكين على مشاريع تنموية كبرى لتعزيز نفوذها، تسعى واشنطن إلى بناء تحالفات إقليمية مضادة عبر شراكات اقتصادية وعسكرية. وفي ظل هذا التنافس، تتحول القارة الأفريقية من مجرد ساحة نفوذ إلى طرف فاعل في إعادة تشكيل النظام الدولي، إذ تعيد دولها رسم تحالفاتها بذكاء بين الإرث الاستعماري القديم والفرص الجديدة. لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديًا مزدوجًا، يتمثل في الحفاظ على استقلالية القرار السيادي، وتحقيق تنمية شاملة خارج استقطابات القوى الكبرى.

المزيد من الكاتب